أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرهاد دريعي - من محراب الإغتراب،رسالة بخط اليد














المزيد.....

من محراب الإغتراب،رسالة بخط اليد


فرهاد دريعي

الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 09:45
المحور: الادب والفن
    


عزيزتي:
المسافة لم تصنع لي وطنا بديلاً،​فقط كانت هي الأقدار حينما كتبتْ فصولاً لم أخترها، وألقت بي في فيافي غربةٍ أجرّ خلفي حقائب ممتلئة بالذكريات، وتاركاً قلبي حيثما أنتِ،يهيم في طرقات قامشلو نهاراً وفي الليل يندس تحت وسادتكِ.
​هذه ليست قصة إقصاء أو سفر، إنما سيرة روح شُرخَت،فنصفٌ يعيش مرغماً في جغرافيا الإغتراب،ونصفٌ يرفض مغادرة ملامحكِ السمراء التي تماهت مع تراب الوطن.
في هدوء غربتي القاتلة لا صوت يكسر الصمت سوى رنين الأفكار، أجد نفسي متورطاً في حوارات لا تنتهي مع الذاكرة المرهقة،​ وأتمنى أن أتحكم بعقلي لأستطيع إيقافه عن التفكير بكِ ولو لبرهة قصيرة،أو أضغط مثلاً على زر فينطفئ الاشتياق إليكِ هنيهة.. أعلم لو حدث ذلك فسيكون مأساوياً،لكن مقدار ما يضنيه التفكير لا يدركه إلا المكتوون أمثالي.
لكن ​هذا التمني الطفولي والعميق في آن واحد، ليس هو رغبة مني في النسيان بقدر ما هو إستغاثة من وطأة الحنين وسعير الاشتياق. وإن عقلاً لا يكفّ عن استحضار تفاصيلكِ، ضحكتكِ، نبرة صوتكِ، رائحة شعركِ، إنما هو عقل يحترق ببطء،و​أنا لا رغبة لي في التخلص من هذه المعاناة
الشهية،فقط أسعى لهدنة قصيرة.. غيبوبة مؤقتة،لألتقط أنفاسي،فالعيش بذاكرة متقدة في أرض باردة هو أقصى درجات التعذيب الذاتي حيث يمسي كل ركن في الغربة يذكرني بمن ليست هنا.. أنتِ،وحيث يتحول التفكير إلى سوط يجلد مستشعرات أعصابي بلا هوادة.
عزيزتي:
لقد أدركتُ اليوم أكثر من أي وقت آخر إن ​الغربة الحقيقية لا تقاس بالمسافات أو بفرق التوقيت، بل بمدى ابتعادنا عن ذواتنا التوأم التي تركناها خلفنا وابتعدنا عنها في غفلة حسبان.
​وهو ليس فقط في المكان وإنما في الروح الولهى بادئاً، حينما تدرك هذه الروح هول ما حصل للحلم وكيف تم اغتياله..كيف انزوى بعيداً عن موطنه،وكيف ان السفر لم يكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل كان زوبعة ابتلعت أجمل وأرقّ ما يقر به العين ويركن اليه النفس. ذلك الحلم الفتي الذي غرسته معك، وسقيته بعذب الأمنيات،ثم تم اغتياله على مقصلة الظروف والواقع المرير.
اليوم أنظر في مرآة الوقت فأعثر على شغف جريح يملأ صدري، أجد حطام حلم اعتزلَ الحياة وانزوى بعيداً،بعد أن أدركَ أنه لم يعد يملك أرضه التي يجب أن ينمو فيها، وبعد أن رأى سقطي في جب الشتات .
​تعساً لهذا الشتات ، أنظرُ فأرى القطارات تمضي والطائرات تقلع والكل يتحركون في استعجال،إلا قلبي الذي يعيش في حالة ثبات عنيد، مركوناً في خندقِ لحظة الوداع.
فأي تشتت هذا الذي يجعلني أصحو في الصباح بينما لم أنم بعد في ليلكِ؟
الآن،في هذا الطقس الخانق،​هذه الأرض المتكوّرة لا تكف عن الدوران وتشعرني بالحزن.. أتذكر كيف أنها كانت تبتعد شيئاً فشيئاً وأنا أنظر إليها من نافذة الطائرة،تباً.. إنها كانت تتآمر عليّ في الخفاء وتبعدني شيئاً فشيئاً عنكِ.
​في تلك اللحظة المعلقة بين السماء والأرض، من تلك النافذة الضيقة، كان يبدو المشهد سريالياً ومؤلماً، بدت الأرض كأم تسحب بساطها من تحت أقدامي، وبدأت المدن تتضاءل، والشوارع تضيق حتى أصبحت خيوطاً واهية، والبيوت تلاشت كقطع غبار.
​لكنه كان وهماً بصرياً يداري الحقيقة المرة،فأنا وحدي كنت العابر المعلق في الفراغ، أنا الذي كنت أنسلخ منجرفاً نحو مجهول لا ملامح له وأتلاشى .
عزيزتي:
هنا.. ​في بلاد الغربة، أحاول دائماً ارتداء قناع التماسك، أبتسم في وجوه الغرباء، وأدعي للجميع أنني بخير.
طبيبان اثنان أتحاشاهما خوفاً من جلاء المستور.
ماذا لو أن ​أخصائي القلب وضع سماعته على صدري، وسمع ضجيج التهشم كصوت تهشم ألواح الزجاج؟.
ماذا لو وجد إن حنيناً كالصهارة يُضخ بدل الدماء، ورأى كيف لعضلة بحجم قبضة اليد أن تحمل كل هذه الشروخ.
ثم ​أخصائي العيون،الذي سيحرجني حينما يسلط ضوءه الكاشف على عينيّ، ليجد أن المياه الزرقاء ليست مرضاً عضوياً، بل هي نتيجة الترشح الدالف من غمامة الحزن التي تملأ فضاء الروح. ويكتشف أن خلف كل نظرة تائهة غيمة ماطرة تأبى الهطول علناً، وتفضل التسلل خفية لتغرق البصر.
وإزاء كل ما يحدث و​عندما تعجز كل وسائل التواصل عن سد الثغرة،وتغلق الحدود بابها، لا يبقى لي سوى الرسم والكتابة كمحاولة يائسة لاستعادة فقدكِ.
​أرسم وجهكِ للمرة الخمسين..كمدينة لا تنطفئ ليلاً ولا تعطش نهاراً.
ليس كوجهي المنكوب بالمسافة والبعاد، وأعلم كم هو صعب أن أجمع قسماتكِ في أصابع ريشةٍ،فرغم أنها تطيعني غالباً،لكن فيما عداكِ.
​أقف أمام لوحتي البيضاء، أحاول إحياء ملامحكِ من الذاكرة، هكذا دائماً أريدكِ، مدينة مضيئة، ممتلئة بالدفء والارتواء والحياة، مدينة تعوضني ظلمة المنفى والجفاف . لكنني اجد نفسي في موئل عجز أمام حضوركِ الدائم. وتعصى ريشتي التي تعودت أن تطيعني في تفاصيل البيوت والبحر والزهر والشجر والوجوه العابرة،حالما تقترب من بهاء وجهكِ،تتمرد رافعة راية العصيان،لأنها تعي ان بعض الوجوه لا ترسم إلا بالنور لا بألوان من طين.
كذلك أعلم كم هو أصعب أن أجمع مشاعري وقتما أتلوكِ في فم قلم.
​فحينما أهمّ أن أكتب عنكِ، يختنق فم القلم بفيض المشاعر ويغصّ،فتجهض الكلمات باهتة، باردة، مكبلة أمام ضرام الصدر.
يعجز أن يترجم شوقاً يمتد لآلاف الأميال في حروف من حبر،وتغدو اللغة أتعس ما تكون أمام هيبة الحب والاشتياق.
​ثم أنا،أبقى معلقاً في برزخ الهوية،في أرض أجدني فيها كنزيل فندق بتصنيف نجمة واحدة،لا أَنِيْ أبقى​ ريشةً تحاولُ، ولا أَنِيْ أبقى قلماً ينزف، وأبقى أخبىء الانكسارات معزياً نفسي بلقيا مدينة لا تشحب ولا تشيخ،عزيزتي.



#فرهاد_دريعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يشتد لهيبها،الحرائق لا تعرف الحدود
- من فيضانات الشتاء القاتلة الى جفاف الصيف المدمر
- ثقافة المتعجرف وعجرفة الثقافة
- شبح فقدان الثقة : كل نص جميل متهم
- المغالاة في اشهار الذات بين النرجسية والدوبامين
- ثنائية العجز : الوطن و المنفى
- عامودا لن تحترق


المزيد.....




- ميخائيل لومونوسوف.. -دافنشي الروسي- الذي خرج من قرية نائية إ ...
- في ذكرى ميلاده الـ160.. معرض عن القديس سيرافيم الفيريتسي في ...
- لماذا اختار كريستوفر نولان الهند لعرض فيلم -الأوديسة-؟
- لاجئ سوري يقترب من تحقيق حلمه في البطولة الأشهر عالميا للفنو ...
- بميزانية بسيطة.. كيف أعاد فيلم -حليمة- السينما المغربية لمنص ...
- حق الأداء العلني: لماذا يعارضه منتجون ويطالب به فنانون في مص ...
- ماريا بالاندينا تتولى إدارة متحف موسكو خلفا لآنا ترابكوفا
- توم كروز كما لم ترونه من قبل في الفيلم المرتقب -DIGGER-
- فرد حجاية: أم كلثوم في بغداد.. حكاية الزيارة الثانية بعد نصف ...
- فرد حجاية: الجانب المنسي من حياة الشاعر الكبير معروف الرصافي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرهاد دريعي - من محراب الإغتراب،رسالة بخط اليد