أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرهاد دريعي - شبح فقدان الثقة : كل نص جميل متهم














المزيد.....

شبح فقدان الثقة : كل نص جميل متهم


فرهاد دريعي

الحوار المتمدن-العدد: 8526 - 2025 / 11 / 14 - 16:08
المحور: الادب والفن
    


نحن اليوم نعيش لحظة لم تعشها الفنون من قبل على مدى تاريخ نشوئه فأداة واحدة صارت قادرة خلال ثوانٍ على إنتاج ما كان يستغرق من عبقري مرهف سنوات من الألم والتجريب والحذف والإعادة.
قبل عدة سنوات كان بإمكاننا أن نميّز أي نص مولَّد آلياً من أول سطرين،أما اليوم فقد صرنا نحتاج أحياناً إلى أدوات كشف متخصصة وأحياناً نفشل حتى بها،فما نتعامل معها اليوم ليست مجرد أداة جديدة كالآلة الكاتبة أو الحاسوب،إنما لأول مرة في التاريخ البشري يظهر كائن غير بشري قادر على محاكاةٍ أعمقَ نسبيا عما يجول في النفس الإنسانية وبلغة إبداعية دقيقة تلم بتفاصيل أناقة اللغة .
أولئك الذين كانوا يحجبون أنفسهم لأنهم لا يتقنون اللغة النقية أو لا يعرفون قواعدها كما ينبغي،لجؤوا إلى الذكاء الاصطناعي ليمنحهم القدرة على الإحكام حتى لو كانوا يكتبون بركاكة العامية وهذا يشبه تماماً ما فعلته الكاميرا الرقمية بالتصوير الفوتوغرافي في الأعوام الأخيرة.
تخيّل أن لديك صديقاً عبقرياً يقرأ كل الكتب التي صدرت في التاريخ، لا ينام و لا يمل ويجيد كمّاً هائلاً من اللغات ومستعد دائماً أن يقترح لك عشرات الافتتاحيات المختلفة والخطط لروايتك التي ستكتبها أو هو يكتبها نيابة عنك أو يصحح لك الوزن في قصائد كتبتها بعشوائية أو التي سيكتبها هو نيابة عنك ايضاْ أو يجد لك مرادفاً نادراً لكلمة ما في لهجة غابرة منذ قرون خلت، هذا بالضبط ما يفعله الذكاء الاصطناعي لكثير من الكتّاب بمن فيهم بعض المحترفين أيضاً و الفرق بين من يستخدمه كـ خادم ومن يستخدمه كـ سيد هو كالفرق بين فنان عظيم وهاوٍ كسول.
اليوم أنا أطلب من النموذج اللغوي أن يكتب لي قصيدة أُجاري بها قصائد ملاي جزيري أو حامد بدرخان أو أي شاعر آخر وانا ممدد باسترخاء على سريري،هذا أصبح متاحاً للجميع ولذا فكثير من الناس يكتبون اليوم يومياتهم أو رسائلهم أو قصائدهم او رواياتهم بمساعدة الذكاء الاصطناعي لأنهم ربما يخجلون من لغتهم أو يخافون من حكم الآخرين عليها بالرداءة أو يخشون أن ينكشف للآخرين مستواهم المتواضع أو الهابط ،أو لأنهم ليسوا أهلاً لهذه المهمة دون اعتماد مخزٍ بالأساس .
إن أخطر ما في النصوص المولدة أنها تبدو مثالية لكنك في التدقيق تجدها بلا صوت أو نبض أو روح،وبديهي لا يوجد كاتب حقيقي يكتب دائماً بنفس المستوى ،فالماغوط مثلا يكتب صفحات عبقرية ثم صفحات رتيبة، أحمدي خاني يكتب قصيدة خالدة ثم أخرى عادية وهذه التقلبات هي ما تعطي النص بصمة بشرية،أما الذكاء الإصطناعي فإنه ينتج مستوىً ثابتاً عاليا نسبياً وهذا بالضبط ما يجعله مريباً.
نحن اليوم أمام ظاهرة أشباه الكتّاب بفائض في المحتوى الرخيص فالآلة تفعلها بسرعة وبدون تكلفة أو جهد فتبرز لدينا اسماء لاتحصى لم تكن معروفة سابقاً وأصبحت تنشر بشكل يومي نصوصا غثة غالباً،وهذا يتناسب مع ما يطلبونه من الآلة الذكية.
إن أسوأ ما أقرأه اليوم تلك القصائد المولدة بالذكاء الاصطناعي ينشرونها بتواقيعهم،وهذا غش لغوي و عاطفي في آن واحد وكارثة أخلاقية جديدة لم نكن مستعدين لها.
فعندما نغرق الإنترنت بملايين النصوص المولدة،نبتعد أكثر فأكثر عن المادة الإنسانية الأصلية .
إنها ظاهرة إنهيار النموذج ،فعندما ننقد قصيدة كتبه نموذج لغوي آلي هل نمدح الصورة الشعرية أم أننا نمدح المهندسين في OpenAI مثلا،أم كيف نتحدث عن عمق التجربة و واضح أن الكاتب نفسه لم يعشها أصلا ،وبه فالنقد نفسه يتخبط اليوم كثيراً في ظل هذه المتغيرات.
أشباه (الكتاب والشعراء) سأضعهم بين قوسين ، جعلونا ننظر بعين الريبة إلى كل نص جميل بحيث لم تعد لنا ثقة بجميل الكتابة وأقلام معظم الكتاب .
لقد أصبحنا نعي أن القيمة ليست في الجمال الشكلي فقط،إنما في أن هناك آخر عاش تجربة ما ثم حولها إلى لغة منحك إياها لتعيشها أنت أيضاً بطريقتك.
انظروا عندما نقرأ رسائل الشاعر شيرگو بيكس على هيئة قصائد إلى حبيبته زيلان فأننا لا نقرأ نصوصاً جميلة فحسب إنما نقرأ دم شيرگو ولهفته وخوفه وشوقه ولا توجد خوارزمية تستطيع أن تنزف هكذا ، او عندما نقرأ قصيدة : Ji yarê re çi rêkim ez diyarî لـ جگرخوين مثلاً فأننا ندرك أن الذكاء الاصطناعي هو نموذج لغوي لا يمكن أن يمتلك هذه المشاعر مطلقاً لذلك فإنه قد يحل محل 90% من العلماء في مهام محددة، لكنه لن يحل محل 1% من الأدباء الحقيقيين فالمهمة مختلفة جذرياً،ومهما حاول بعضهم التخفي وراء الذكاء الإصطناعي فإنهم سينكشفون بشكل او بآخر.. اليوم أو غداً والنموذج سينهار وعلى سبيل المثال أيضاً الكتابة عن الجسد بتفاصيله المزعجة (الدورة الشهرية، الإسهال، التقيؤ، رائحة العرق، الشعر الزائد…الخ) لا تستطيع الآلة اتقانها لانها لا تملك جسداً فتتجنب هذه التفاصيل أو قد تكتبها بطريقة نظيفة بخلاف المتسخ الذي ذكر، لذلك فالكتابة في اللحظة الفعلية أو كـ بث مباشر أونشر فوري لمسودة أولية مليئة بالأخطاء يبرأ صاحبها من تهمة الزيف أو التحايل،والآلة لا تستطيع أن تكون أو تفعل ذلك، وبه فإن الكتابة الحقيقة من كاتب حقيقي تجربة لا يمكن تزييفها بالكامل.
أنا واثق إن الذكاء الاصطناعي لن يقتل الأدب لكنه سيقتل نوعاً معيناً من الأدب: الأدب الجميل المحايد الذي كان يعتمد على الإتقان اللغوي والمشاعر الإنسانية النابضة،لذا يجب ان لا نبحث عن الكمال في الكتابة، بل نبحث في الجرح،فتعالوا لنكتب جراحنا قبل أن يتعلم الذكاء الإصطناعي تقليدها هي أيضاً ونخبو .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغالاة في اشهار الذات بين النرجسية والدوبامين
- ثنائية العجز : الوطن و المنفى
- عامودا لن تحترق


المزيد.....




- سيدرا التركية.. مدينة سكنت بها معاصر الزيتون في كل بيت
- المخرج والمنتج كمال الجعفري: فيلمي -مع حسن في غزة- يستخدم ال ...
- لعبة -أحلام على وسادة-.. حين تروى النكبة بلغة الفن والتقنية ...
- مخرج فلسطيني يوثق غزة بالذاكرة البصرية: السينما مقاومة للنسي ...
- -تسويق إسرائيل-.. كتاب يكشف دور الهاسبارا في -غسيل الدماغ- ...
- أولو وترينشين: عاصمتا الثقافة الأوروبية لعام 2026
- بابا نويل في غزة.. موسيقى وأمل فوق الركام لأطفال أنهكتهم الح ...
- من تلة في -سديروت-.. مأساة غزة تتحوّل إلى -عرض سينمائي- مقاب ...
- بالصور.. دول العالم تبدأ باستقبال عام 2026
- -أبطال الصحراء-.. رواية سعودية جديدة تنطلق من الربع الخالي إ ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرهاد دريعي - شبح فقدان الثقة : كل نص جميل متهم