أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار سعدون البدري - حين يقرر القانون مصير السلطة: قراءة في أثر النظام الانتخابي العراقي














المزيد.....

حين يقرر القانون مصير السلطة: قراءة في أثر النظام الانتخابي العراقي


عمار سعدون البدري

الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 15:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ التحول السياسي الذي شهده العراق عام 2003، أصبح القانون الانتخابي أحد أكثر القوانين إثارة للجدل، ليس لأنه ينظم العملية الانتخابية فحسب، بل لأنه يرسم بصورة مباشرة ملامح النظام السياسي ويحدد طبيعة التمثيل داخل مجلس النواب، ومن ثم يؤثر في آليات تشكيل الحكومات وانتقال السلطة. وخلال أكثر من عقدين، شهد العراق تعديلات متكررة على قوانينه الانتخابية، كان الهدف المعلن منها تحسين التمثيل السياسي وتعزيز الديمقراطية، إلا أن السؤال الذي بقي مطروحاً هو: هل نجحت هذه التعديلات في تحقيق التداول السلمي الحقيقي للسلطة؟
من الناحية النظرية، يشكل القانون الانتخابي الركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي، فهو الذي يحدد شروط الترشح، وآليات الاقتراع، وكيفية احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد. لكن أهميته تتجاوز هذه الجوانب الإجرائية ليصبح أداة تحدد شكل النظام السياسي نفسه، إذ إن اختيار النظام النسبي أو الأكثري أو المختلط ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة البرلمان، وحجم تمثيل الأحزاب، وفرص القوى السياسية الجديدة في المنافسة. وفي العراق، اختير النظام النسبي بوصفه وسيلة لضمان تمثيل مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، إلا أن هذا الخيار أفرز برلماناً متعدد الكتل يصعب معه تشكيل حكومات مستقرة من دون اللجوء إلى التوافقات السياسية.
ويقوم التداول السلمي للسلطة على مبدأ بسيط يتمثل في انتقال الحكم وفق نتائج الانتخابات واحترام الإرادة الشعبية، بحيث تتشكل الحكومة من الفائزين، بينما تنتقل القوى الأخرى إلى صفوف المعارضة استعداداً للمنافسة في الانتخابات التالية. غير أن هذا المفهوم لا يتحقق بمجرد إجراء الانتخابات، بل يتطلب وجود مؤسسات مستقلة وقضاء نزيه وهيئات انتخابية محايدة وثقافة سياسية تؤمن بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وهي شروط لا تزال تواجه تحديات كبيرة في التجربة العراقية.
لقد مرت القوانين الانتخابية العراقية بعدة مراحل، بدءاً من نظام القوائم المغلقة في انتخابات عام 2005، ثم الانتقال إلى القوائم المفتوحة وصيغة سانت ليغو، وصولاً إلى اعتماد الدوائر المتعددة ونظام التصويت الفردي غير القابل للنقل في انتخابات عام 2021. وقد أسهمت هذه التعديلات في توسيع قاعدة التمثيل السياسي ومنحت المستقلين والمرشحين الجدد فرصاً أفضل للوصول إلى البرلمان، إلا أنها لم تحدث تحولاً جوهرياً في طريقة تشكيل السلطة التنفيذية، إذ بقيت الحكومات تتشكل في الغالب عبر التوافقات والمحاصصة السياسية أكثر مما تتشكل استناداً إلى نتائج الانتخابات وحدها.
وتكشف التجارب الانتخابية المتعاقبة أن المشكلة لا تكمن في النصوص القانونية بقدر ما تكمن في البيئة السياسية التي تطبق فيها تلك النصوص. فبرغم انتظام إجراء الانتخابات منذ عام 2005، فإن انتقال السلطة ظل انتقالاً داخل المنظومة السياسية ذاتها، وليس انتقالاً بين برامج سياسية متنافسة كما هو الحال في الديمقراطيات المستقرة. لذلك بقيت الانتخابات تمنح الشرعية للمؤسسات المنتخبة، لكنها لم تحقق بصورة كاملة مبدأ تداول السلطة الذي يعد جوهر النظام الديمقراطي.
كما أن التجربة العراقية أثبتت أن تعديل القانون الانتخابي وحده لا يكفي لمعالجة الاختلالات السياسية. فالعوامل المرتبطة بالمحاصصة، وتأثير المال السياسي، والسلاح خارج إطار الدولة، وضعف الثقة الشعبية بالعملية الانتخابية، جميعها عوامل تحد من قدرة القانون على تحقيق أهدافه. ولذلك شهدت بعض الدورات الانتخابية انخفاضاً ملحوظاً في نسب المشاركة، وهو مؤشر يعكس شعور شريحة من المواطنين بأن نتائج الانتخابات لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير حقيقي في بنية السلطة.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن التعديلات التي طرأت على القوانين الانتخابية أسهمت في إدخال وجوه سياسية جديدة إلى البرلمان، ولا سيما بعد انتخابات عام 2021، الأمر الذي منح الحياة السياسية قدراً أكبر من التنوع. إلا أن هذا التنوع بقي محدود الأثر على مستوى تشكيل الحكومات، لأن ميزان القوى ظل محكوماً بمنطق التحالفات اللاحقة للانتخابات، وهو ما أدى في أكثر من مناسبة إلى مفاوضات طويلة ومعقدة استغرقت أشهراً قبل التوصل إلى اتفاق على تشكيل الحكومة.
ومع اقتراب كل دورة انتخابية، يتجدد النقاش حول ضرورة تعديل القانون الانتخابي بوصفه مدخلاً للإصلاح السياسي، غير أن التجربة العراقية تشير بوضوح إلى أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على تغيير طريقة احتساب الأصوات أو توزيع المقاعد، بل ينبغي أن يشمل إصلاح البيئة السياسية والمؤسساتية بأكملها، وتعزيز استقلال القضاء والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وتنظيم تمويل الأحزاب، والحد من تأثير المال السياسي، وترسيخ ثقافة المعارضة البرلمانية بوصفها جزءاً طبيعياً من النظام الديمقراطي.
إن القانون الانتخابي يبقى شرطاً ضرورياً لبناء الديمقراطية، لكنه ليس الشرط الوحيد. فنجاح أي نظام انتخابي يقاس بقدرته على تحويل إرادة الناخبين إلى سلطة تنفيذية تعكس نتائج الاقتراع بصورة مباشرة، لا بقدرته على تنظيم يوم التصويت فقط. ومن هنا، فإن مستقبل التداول السلمي للسلطة في العراق لن يتحدد بنصوص القوانين وحدها، وإنما بمدى قدرة الدولة والقوى السياسية على الانتقال من منطق المحاصصة والتوافقات إلى منطق الأغلبية السياسية والمعارضة البرلمانية، بما يجعل الانتخابات وسيلة حقيقية لتجديد السلطة، لا مجرد آلية دورية لإعادة إنتاجها.



#عمار_سعدون_البدري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النزاهة والشفافية ليست ترفاً إدارياً بل ضرورة لبناء الدولة
- الدكتور نعيم العبودي… قيادة إصلاحية وإنجازات ملموسة في التعل ...
- الامن المجتمعي العراقي : قراءة في اهم التهديدات والتحديات
- آفة المخدرات في العراق :الواقع والتحديات
- ((نجاحات واخفاقات الدستور العراقي لسنة 2005 في حل الاشكاليات ...
- انتهاك السيادة الوطنية في ظل الاتفاقية الأمنية العراقية- الأ ...
- الانسداد السياسي في العراق: التداعيات والحلول
- العراق وامنه الانتخابي : انموذج انتخابات 2021
- جائحة كورونا مستقبلا مجهول نمضي اليه
- رجل الصحافة خاشقجي ومملكة المنشار
- مؤتمر الكويت لاعادة اعمار العراق بين الواقع والطموح
- أهمية التعايش السلمي في العراق واثره على مؤسساتنا التعليمية
- ويلات المحاصصة السياسية- انموذج المفوضية العليا لحقوق الانسا ...
- واقع حقوق المرأة العراقية في ظل العنف والتحديات الامنية والا ...
- معوقات الأداء الوظيفي في المؤسسات الحكومية
- الإسلام السياسي بطل الحرب العالمية الدينية بامتياز أمريكي
- اردوغان ديكتاتورا شرقيا أصيلا بامتياز
- أخفاق الحلم العراقي في ضم الاهوار والمناطق الأثرية إلى لائحة ...
- اين مجلس النواب من حقوق الطفل العراقي
- اعتصام البرلمان العراقي يعتلي صهوة النفاق السياسي


المزيد.....




- مسؤول أمريكي يكشف تفاصيل عما يريده ترامب من مفاوضات البرنامج ...
- قطر تعلن وفاة أميرها السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فماذ ...
- هل بدّل ترامب طائرته بسبب مخطط لاغتياله؟ تقرير يكشف ما حدث
- رفض سعودي ـ عراقي لاستخدام أراضي أي دولة أو أجوائها لتهديد أ ...
- بيان عربي حاد ضد إيران لاستمرار هجماتها على دول الجوار
- الحوثيون: نقف الى جانب ايران وننسق باستمرار معها لمواجهة كل ...
- ترحيب أممي واقليمي بعقد الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب الجديد ...
- عمدة موسكو: الدفاع الجوي دمر حوالي 300 مسيرة أوكرانية كانت م ...
- -خطوة متقدمة نحو جيش ليبي موحد-.. صدام حفتر يرحب باجتماع خال ...
- فرقة -كوستروما-.. باليه بنكهة روسية في مصر


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار سعدون البدري - حين يقرر القانون مصير السلطة: قراءة في أثر النظام الانتخابي العراقي