أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزيز الديش - هل أصبحت كرة القدم أكبر من الرياضة؟















المزيد.....

هل أصبحت كرة القدم أكبر من الرياضة؟


عزيز الديش
باحث في العلوم الاجتماعية جامعة غرناطة - اسبانيا-

(Aziz Ddich)


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 22:23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أدرك تماما أن نشر هذا المقال في لحظة يعيش فيها المغرب، ومعه ملايين المتابعين، حالة تعبئة وجدانية استثنائية مع منافسات كأس العالم وتشجيع المنتخب الوطني، قد يثير ردود فعل ترى أن "التوقيت غير مناسب"، أو أن مثل هذا النقاش ينبغي تأجيله إلى ما بعد انتهاء البطولة.
في الحقيقة، بدأت كتابة هذا المقال في خضم منافسات كأس العالم، وفي ذروة النشوة التي صاحبت الانتصارات المتتالية للمنتخب المغربي. وكان هدفي منذ البداية أن أتناول الظاهرة وهي في أوج حضورها الاجتماعي، لأن العلوم الاجتماعية لا تنتظر انطفاء الأحداث حتى تجعل منها موضوعا للتحليل، بل تعتبر أن لحظة الذروة هي، في كثير من الأحيان، اللحظة الأكثر قدرة على كشف البنيات العميقة للظواهر، وإبراز الكيفية التي تؤثر بها في الوعي الجمعي وفي ترتيب الأولويات الاجتماعية.
غير أنني فضلت تأجيل نشره، لا تراجعا عن مضمونه، ولا خشية من النقاش، وإنما تجنبا لأن يقرأ خارج سياقه العلمي، أو أن يفهم باعتباره موقفا من المنتخب الوطني أو انتقاصا من فرحة المغاربة في لحظة كانت تغلب عليها العاطفة والانفعال أكثر مما يغلب عليها النقاش الهادئ.
ثمة فرق بين زمن إنتاج المعرفة وزمن تلقيها. فقد يكون الحدث، بالنسبة للباحث، في ذروة وقوعه هو اللحظة الأنسب للتحليل، بينما يكون المتلقي، في اللحظة نفسها، أسير الانفعال الجماعي، فلا يقرأ التحليل بوصفه محاولة للفهم، بل بوصفه اصطفافا مع هذا الطرف أو ذاك. لذلك كان تأجيل نشر هذا المقال خيارا تواصليا، لا خيارا علميا؛ إذ إن موضوعه لم يتغير، وإنما تغيرت فقط شروط استقباله.
واليوم، بعد خروج المنتخب المغربي من المنافسة، وبعد أن هدأت حرارة الانفعال، أعتقد أن الوقت أصبح أكثر ملاءمة لإثارة الأسئلة التي يسعى هذا المقال إلى طرحها، بعيدا عن ضغط النتيجة الرياضية أو رهانات الفوز والخسارة.
ما أكتبه هنا ليس موقفا ضد المنتخب المغربي، ولا ضد كرة القدم، ولا محاولة لمصادرة حق الناس في الفرح أو التقليل من قيمة الإنجاز الرياضي. كما أنه ليس دعوة إلى استبدال الرياضة بقضايا أخرى، أو إلى التقليل من أهمية ما تحققه من لحظات وحدة وطنية واعتزاز جماعي. إنه، ببساطة، محاولة لقراءة هذه الظاهرة بأدوات السوسيولوجيا، انطلاقا من قناعة مفادها أن كل ظاهرة تستحوذ على اهتمام ملايين البشر، وتؤثر في السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام، تصبح موضوعا مشروعا للتحليل العلمي.
فوظيفة السوسيولوجيا ليست أن تردد ما تقوله الجماهير، ولا أن تصطف مع المزاج السائد أو ضده، وإنما أن تطرح الأسئلة التي قد تعجز اللحظة الانفعالية عن طرحها.

كرة القدم... من لعبة إلى ظاهرة اجتماعية كلية

لم تعد كرة القدم، في المجتمعات المعاصرة، مجرد رياضة أو لعبة جماهيرية. لقد تحولت إلى ما يمكن، بلغة عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس، أن نسميه "ظاهرة اجتماعية كلية"؛ أي ظاهرة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والثقافية والرمزية والإعلامية، بحيث يصبح من المتعذر فهمها باعتبارها نشاطا رياضيا معزولا عن بقية مكونات المجتمع.
فالمباراة اليوم ليست مجرد تسعين دقيقة من التنافس الرياضي، بل هي حدث اقتصادي ضخم، ومنتج إعلامي عالمي، وأداة للتعبئة السياسية، ومنصة لإعادة إنتاج الهويات الوطنية، وفضاء تتقاطع داخله رهانات السوق مع رهانات الدولة، وتلتقي فيه العاطفة الشعبية مع استراتيجيات الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين.
ولذلك، فإن اختزال كرة القدم في بعدها الترفيهي وحده يحجب جزءا كبيرا من حقيقتها الاجتماعية. فما يهم السوسيولوجي ليس فقط ما يجري داخل المستطيل الأخضر، وإنما أيضا ما يحدث خارجه: كيف تتشكل الجماهير؟ كيف تنتج المشاعر الجماعية؟ كيف تتحول مباراة واحدة إلى حدث يعيد تنظيم الزمن الاجتماعي، ويغير إيقاع المدن، ويؤثر في الاقتصاد والإعلام، بل وفي النقاشات السياسية نفسها؟
إننا أمام ظاهرة تجاوزت منذ زمن حدود الرياضة لتصبح مؤسسة اجتماعية قائمة بذاتها، لها قواعدها، ورموزها، وطقوسها، واقتصادها، ونخبها، وجمهورها، وآلياتها الخاصة في إنتاج المعنى والانتماء.
ولهذا السبب، فإن إخضاع كرة القدم للتحليل السوسيولوجي لا ينبغي أن يفهم باعتباره موقفا عدائيا من اللعبة، تماما كما لا يعد تحليل الدين عداء للدين، ولا تحليل المدرسة عداء للتعليم، ولا تحليل الدولة عداء للدولة. فكلما اتسعت ظاهرة اجتماعية وازدادت قدرتها على التأثير في حياة الناس، ازدادت الحاجة إلى مساءلتها علميا.
غير أن المثير للانتباه هو أن مجرد محاولة مساءلة كرة القدم، أو نقد بعض آثارها الاجتماعية، كثيرا ما تقابل بردود فعل تتجاوز النقاش العقلاني، لتأخذ شكل الدفاع الانفعالي. وسرعان ما تتردد عبارات من قبيل: "أنتم أعداء الفرح"، أو "تريدون حرمان الناس من متنفسهم"، أو "أنتم منفصلون عن نبض الشارع". وهنا تحديدا يبرز سؤال سوسيولوجي بالغ الأهمية: لماذا يصبح مجرد طرح الأسئلة حول كرة القدم أمرا مستفزا إلى هذا الحد؟
إن هذا السؤال يقودنا إلى مفهوم آخر من المفاهيم المؤسسة في علم الاجتماع، وهو مفهوم المقدس كما صاغه إميل دوركايم.

كرة القدم والمقدس الاجتماعي

حين تحدث إميل دوركايم عن المقدس، لم يكن يقصره على المجال الديني، بل كان ينظر إليه بوصفه كل ما تمنحه الجماعة مكانة رمزية خاصة، فتضعه خارج دائرة التشكيك، أو تجعل مجرد مساءلته أمرا يثير الرفض والاستنكار. فالمقدس، في جوهره، ليس صفة كامنة في الأشياء، وإنما مكانة تمنحها الجماعة لبعض الرموز والقيم والممارسات.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن كرة القدم، في كثير من المجتمعات المعاصرة، لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت أحد أشكال المقدس الاجتماعي الجديد. فهي تمتلك رموزها، وأبطالها، وطقوسها، ولحظاتها الاحتفالية، وجماعاتها المؤمنة بها، كما تمتلك قدرة استثنائية على توحيد المشاعر الجماعية واستنفارها.
ولعل أبرز مؤشر على ذلك أن مجرد توجيه سؤال نقدي حول مكانة كرة القدم، أو حول بعض آثارها الاجتماعية، قد يُستقبل كما لو أنه اعتداء على قيمة مشتركة، وليس مجرد اجتهاد فكري يروم الفهم. وهنا لا يعود النقاش منصبا على مضمون الفكرة، بل يتحول إلى محاكمة صاحبها، واتهامه بأنه يعادي الفرح، أو ينتقص من الوطنية، أو يتعالى على الناس. ولا يتعلق الأمر بكرة القدم وحدها، بل بالكيفية التي تنتج بها المجتمعات الحديثة مقدساتها المدنية والرمزية، فتمنحها حصانة اجتماعية تجعلها أقل قابلية للنقد. فكل مجتمع يصنع، إلى جانب مقدساته الدينية، منظومة من المقدسات الدنيوية التي تؤدي وظائف الاندماج والتماسك وصناعة الهوية.
ولا شك أن كرة القدم تؤدي بالفعل بعض هذه الوظائف. فهي قادرة على خلق لحظات نادرة يشعر فيها ملايين الأفراد بأنهم ينتمون إلى جماعة واحدة، ويتقاسمون مشاعر مشتركة تتجاوز اختلافاتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية. وهذه الوظيفة ليست أمرا ثانويا، بل تفسر جانبا مهما من الشعبية الاستثنائية التي تحظى بها اللعبة. غير أن الإشكال يبدأ عندما تنتقل كرة القدم من كونها مجالا لإنتاج الفرح المشترك إلى مرجعية تقاس بها الوطنية، أو معيارا للحكم على مواقف الأفراد، أو فضاء يصبح فيه النقد نفسه فعلا غير مشروع. فكلما اقتربت ظاهرة اجتماعية من هذه المكانة، أصبحت الحاجة إلى تحليلها أكثر إلحاحا، لا أقل.

مجتمع الاستعراض وصناعة الانتباه

إذا كان دوركايم يساعدنا على فهم البعد الرمزي لكرة القدم، فإن غي ديبور يقدم مفهوما آخر لا يقل أهمية، هو مفهوم مجتمع الاستعراض.
يرى ديبور أن المجتمعات الحديثة لم تعد تكتفي بإنتاج السلع، بل أصبحت تنتج الصور والمشاهد والفرجات التي تستحوذ على انتباه الأفراد، وتعيد تشكيل علاقتهم بالواقع. فالاستعراض ليس مجرد ترفيه، بل هو نمط لتنظيم الحياة الاجتماعية، تصبح فيه الصورة أكثر حضورا من الواقع نفسه، ويغدو استهلاك المشهد جزءا من الحياة اليومية.
ومن هذا المنظور، تبدو كرة القدم أحد أكثر تجليات مجتمع الاستعراض اكتمالا. فالمباراة لم تعد حدثا رياضيا فحسب، بل أصبحت منظومة إعلامية عالمية تسبقها حملات دعائية، وترافقها تغطيات متواصلة، وتتبعها تحليلات لا تنتهي. وتتحول وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والإعلانات، والبرامج الحوارية، إلى فضاءات لإعادة إنتاج الحدث وتوسيعه، حتى يكاد يحتكر المجال العمومي طوال أسابيع أو أشهر.
بل إن الزمن الاجتماعي نفسه يعاد تنظيمه وفق إيقاع المنافسات الرياضية. تؤجل الاجتماعات، وتعدل ساعات العمل، وتزدحم المقاهي، وتتغير عادات الأسر، وتصبح مواعيد المباريات علامات زمنية تضبط الحياة اليومية لملايين الناس.
ولا يعني ذلك أن هذا الاستعراض سلبي في ذاته، لكنه يدفعنا إلى التساؤل: ماذا يحدث عندما تستحوذ ظاهرة واحدة على هذا القدر من الانتباه الجماعي؟ وما الذي يتراجع إلى الخلفية في المقابل؟
إن الانتباه، في المجتمعات المعاصرة، أصبح موردا نادرا، وربما أحد أهم أشكال السلطة. وكلما احتلت قضية مساحة أوسع من اهتمام الناس، تقلصت تلقائيا المساحة المتاحة لقضايا أخرى. وهنا لا يتعلق الأمر بنظرية مؤامرة، بل بمنطق اشتغال المجال العمومي نفسه، حيث تتنافس القضايا على جذب الاهتمام والاحتفاظ به.

كرة القدم بوصفها صناعة رأسمالية

إلى جانب بعدها الرمزي والإعلامي، أصبحت كرة القدم واحدة من أكبر الصناعات في العالم. فهي لم تعد قائمة على المنافسة الرياضية وحدها، بل على منظومة اقتصادية معقدة تتداخل فيها حقوق البث، والاستشهار، والاستثمار، والرعاية التجارية، وصناعة المعدات الرياضية، والسياحة، والمضاربات المالية، وأسواق انتقال اللاعبين. ومن هنا تبدو أفكار بيير بورديو ذات أهمية خاصة. فالرأسمال لا يقتصر على المال، بل يتخذ أشكالا متعددة: رأسمالا رمزيا، وثقافيا، واجتماعيا. وكرة القدم أصبحت فضاء تتفاعل داخله هذه الأشكال جميعها.
فاللاعب لم يعد مجرد رياضي، بل تحول إلى علامة تجارية عالمية. والنادي لم يعد مجرد جمعية رياضية، بل أصبح مؤسسة اقتصادية متعددة الأنشطة. أما المشجع، فلم يعد مجرد متفرج، بل تحول إلى مستهلك دائم، يشتري القمصان، والاشتراكات، والمنتجات، والتجارب المرتبطة بعالم كرة القدم.
وهكذا، تصبح اللعبة جزءا من اقتصاد عالمي ضخم، حيث لا تُنتج المباريات الأهداف فقط، بل تُنتج أيضا الأرباح، والقيمة السوقية، والنفوذ الرمزي، وأسواقا جديدة للاستهلاك.
غير أن هذا التحول الاقتصادي لا يلغي بعدها الشعبي، بل يستثمر فيه. فكلما ازداد الارتباط العاطفي للجماهير بفرقها ومنتخباتها، ازدادت القيمة الاقتصادية لهذا الارتباط، وتحول الانتماء نفسه إلى مورد اقتصادي قابل للاستثمار.
إن هذه الحقيقة لا تنتقص من جمال اللعبة، لكنها تذكرنا بأن ما يبدو، في ظاهره، فرجة بريئة، هو أيضا جزء من منظومة اقتصادية وسياسية وثقافية بالغة التعقيد.


إعادة تشكيل الأولويات الجماعية

إذا كانت كرة القدم قد تحولت إلى ظاهرة اجتماعية كلية، وإلى أحد أبرز تجليات مجتمع الاستعراض، فإن السؤال السوسيولوجي الأهم لا يتعلق باللعبة في حد ذاتها، بل بما تنتجه داخل المجتمع من آثار تتجاوز المستطيل الأخضر.
فما يثير اهتمام الباحث ليس عدد الأهداف المسجلة، ولا هوية الفريق الفائز، وإنما الكيفية التي تعيد بها هذه الظاهرة تنظيم الاهتمام الجماعي، وتوزيع الانفعالات، وترتيب الأولويات داخل الفضاء العمومي.
من الطبيعي أن تخرج الشعوب للاحتفال بانتصار منتخبها الوطني، وأن تعيش لحظات استثنائية من الفرح الجماعي والاعتزاز بالانتماء. فهذه المشاعر جزء من الحياة الاجتماعية، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها أمرا سلبيا في ذاتها.
غير أن السوسيولوجيا تبدأ من النقطة التي يتوقف عندها الانفعال. فهي لا تسأل: لماذا يفرح الناس؟ بل تسأل: لماذا تتجه هذه الطاقة الجماعية نحو موضوع معين أكثر من غيره؟ وكيف تتشكل أولويات المجتمع؟ ومن يساهم في إعادة ترتيبها؟
عندما نرى ملايين الأشخاص يخرجون إلى الشوارع احتفاء بفوز رياضي، بينما تبدو التعبئة الاجتماعية أكثر محدودية عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل التعليم، أو الصحة، أو البطالة، أو العدالة الاجتماعية، أو البحث العلمي، فإن الأمر لا يتعلق بإدانة الفرح، وإنما يطرح سؤالا سوسيولوجيا مشروعا حول آليات توجيه الاهتمام الجماعي.
فالمجتمعات لا تتحرك فقط وفق حاجاتها الموضوعية، بل أيضا وفق ما تعتبره جديرا بالاهتمام. وهذه الأولويات ليست معطى طبيعيا، وإنما هي نتاج سيرورات اجتماعية وثقافية وإعلامية وسياسية معقدة.
وهنا تكتسب أفكار أنطونيو غرامشي أهمية خاصة. فالهيمنة، في تصوره، لا تقوم أساسا على الإكراه، بل على القدرة على بناء القبول، وصناعة الرضا، وتوجيه المخيال الجماعي نحو أولويات تبدو بديهية وطبيعية.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال لا يتعلق بكون الناس يحبون كرة القدم، فهذا أمر مفهوم ومشروع، وإنما يتعلق بما إذا كانت بعض القضايا الأخرى أصبحت تجد صعوبة متزايدة في منافسة هذه الظاهرة على اهتمام الرأي العام.
عندما تصبح الرياضة أولوية استراتيجية للدولة لا يتوقف التحول عند المجتمع، بل يمتد إلى الدولة نفسها.
ففي العقود الأخيرة، لم تعد الرياضة مجرد قطاع من قطاعات السياسات العمومية، بل أصبحت في عدد من الدول رافعة للدبلوماسية، وأداة من أدوات القوة الناعمة، ومدخلا لتعزيز الصورة الدولية، وجذب الاستثمار والسياحة.
ولا شك أن هذا التوجه يحمل جوانب إيجابية عديدة، خصوصا عندما يكون جزءا من رؤية تنموية متكاملة. غير أن السؤال يطرح نفسه عندما تتحول المشاريع الرياضية الكبرى إلى مركز تدور حوله مختلف السياسات العمومية.
في الحالة المغربية، برز خلال السنوات الأخيرة تعبير "حكومة المونديال" في الخطاب الإعلامي والسياسي، في إشارة إلى حجم التعبئة المؤسساتية المرتبطة بالتحضير لاستضافة كأس العالم 2030.
ولا يتعلق الأمر هنا بنقد استضافة هذا الحدث العالمي، ولا بالتقليل من أهميته الاقتصادية أو الدبلوماسية أو الرمزية، وإنما بالتساؤل حول موقعه ضمن سلم الأولويات الوطنية.
لقد بنت أمم كثيرة مكانتها الدولية من خلال التعليم، والجامعة، والبحث العلمي، والتصنيع، والابتكار، وبناء اقتصاد منتج. أما اليوم، فإن بعض الدول أصبحت تراهن، بدرجات متفاوتة، على الرياضة باعتبارها إحدى بوابات تعزيز حضورها الدولي.
ولا تعارض السوسيولوجيا هذا الاختيار في حد ذاته، لكنها تدعو إلى طرح سؤال التوازن.
هل يمكن للقوة الرمزية أن تعوض القوة الإنتاجية؟ وهل تستطيع الملاعب، مهما بلغت جودتها، أن تقوم مقام الجامعات؟ وهل يمكن لبطولة عالمية، مهما كان أثرها الإيجابي، أن تحل محل مشروع وطني طويل النفس في التعليم والبحث العلمي والعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية؟
ليست هذه الأسئلة دعوة إلى المفاضلة بين الرياضة والتنمية، وإنما دعوة إلى التفكير في العلاقة بينهما، وفي الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الرياضة إلى رافعة ضمن مشروع تنموي شامل، لا إلى مشروع يبتلع بقية المشاريع.

خاتمة

ليست القضية، في نهاية المطاف، قضية كرة قدم، ولا اعتراضا على الفرح الجماعي الذي تصنعه، ولا انتقاصا من الإنجازات الرياضية التي تمنح الشعوب لحظات نادرة من الوحدة والاعتزاز والانتماء.
القضية تتعلق بالموقع الذي أصبحت تحتله كرة القدم داخل البنية الرمزية للمجتمع والدولة، وبالوظائف الجديدة التي تؤديها في تشكيل الوعي الجماعي، وإعادة توزيع الانتباه، وترتيب الأولويات، وصناعة الإجماع.
لقد أصبحت كرة القدم، أكثر من أي وقت مضى، مرآة تعكس تحولات المجتمعات الحديثة، بما تحمله من تداخل بين الاقتصاد والسياسة والإعلام والثقافة والهوية. ولذلك، فإن التفكير فيها لم يعد ترفا فكريا، بل أصبح مدخلا لفهم المجتمع نفسه.
إن وظيفة السوسيولوجيا ليست أن تنافس الجماهير في حماسها، ولا أن تصادر حقها في الفرح، وإنما أن تفسر كيف تتشكل الظواهر الكبرى، وكيف تُصنع المعاني، وكيف يُعاد توزيع الاهتمام الجماعي، وكيف تتحول بعض القضايا إلى مركز المجال العمومي، بينما تتراجع قضايا أخرى إلى هامشه.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا ليس: هل نحن مع كرة القدم أم ضدها؟ بل هو: أي مجتمع نريد أن نبنيه. مجتمعا تكون فيه الرياضة إحدى روافع التنمية، وعنصرا من عناصر القوة الناعمة ضمن منظومة متوازنة من الأولويات، أم مجتمعا تتحول فيه الرياضة نفسها إلى البوصلة التي يعاد على أساسها ترتيب سلم الأولويات، وتوجيه الانتباه الجماعي، وصياغة المخيال العام؟



#عزيز_الديش (هاشتاغ)       Aziz_Ddich#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- احتجاجات الداخل الأمريكي واختبار الاصطفاف المغربي: قراءة في ...
- الجدل حول تصريح الجامعي كشف أزمة أعمق : من يحتكر الكلام باسم ...
- اختطاف عزيز غالي... حين تختبر السيادة المغربية على مذبح التط ...
- السوسيولوجيا في زمن الهيمنة الرمزية: مقاومة التطبيع المعرفي ...
- رسالة تضامن مع الاستاذ سعيد ناشيد - المغرب-
- أزمة التقسيم الترابي بالمغرب: نموذج اقليم بولمان
- المغرب: تأملات فيما أتت به مساعي الوساطة الجديدة اتجاه الريف ...


المزيد.....




- المظاهرات ضد -البديل- بألمانيا ـ خرج الشجعان.. ولكن إلى متى؟ ...
- حزب البديل يُشعل الساحة السياسية بخطة -المئة يوم- في ساكسوني ...
- زعيم حزب فرنسي يدعو إلى إسقاط نظام زيلينسكي
- مذكرة تفاهم سورية – قطرية والشرع يبحث مع الخليفي تعزيز العلا ...
- واشنطن لطهران.. الاتفاق حصرا بشروطنا
- ترامب يعلن إتمام فحص بدني -مثالي- في والتر ريد ويطلب اختبارا ...
- نيويورك تايمز: شركة هيلسينغ تنتج مسيرات جوية لأوكرانيا في مص ...
- -مسودة عُمانية لتنظيم حركة الملاحة-.. مسقط وطهران تتفقان على ...
- ديلي تلغراف: حرب أوكرانيا تستنزف الناتو
- هانتر بايدن يكسب قضية التشهير في المحكمة ويفوز بتعويض 1.7 مل ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزيز الديش - هل أصبحت كرة القدم أكبر من الرياضة؟