أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى الهلالي - الأصابع بوصفها ذاكرةً جريحة: التأنيس الرمزي وإدانة الإرهاب في مجموعة -أصابع الأوجاع العراقية- للكاتب حسب الله يحيى















المزيد.....

الأصابع بوصفها ذاكرةً جريحة: التأنيس الرمزي وإدانة الإرهاب في مجموعة -أصابع الأوجاع العراقية- للكاتب حسب الله يحيى


بشرى الهلالي

الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 21:28
المحور: الادب والفن
    


الأصابع بوصفها ذاكرةً جريحة: التأنيس الرمزي وإدانة الإرهاب في مجموعة "أصابع الأوجاع العراقية" للكاتب حسب الله يحيى
تقوم مجموعة "أصابع الأوجاع العراقية" للقاص حسب الله يحيى على تقنية سردية لافتة تتمثل في تأنيس الأصابع وتحويلها من عضو جسدي يؤدي وظيفة بيولوجية محددة إلى كائن رمزي نابض بالحياة والذاكرة والمشاعر. فلا تعود الأصابع مجرد أداة للمس والإمساك والإشارة، بل تتحول إلى بطل دلالي جامع يحمل أوجاع العراقيين وآثار الحروب والإرهاب والطائفية والخراب الذي أصاب الإنسان والمكان معًا. ومن خلال هذا التوظيف الرمزي ينجح الكاتب في بناء خطاب إنساني وفني يدين العنف دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.
تمثل الأصابع نقطة الاتصال الأولى بين الإنسان والعالم، فهي وسيلة اللمس والتعرف والتواصل، وقد تغني أحيانًا عن النظر نفسه. لذلك يحمّلها الكاتب عبئًا دلاليًا كبيرًا، فتغدو مرآة للمشاعر العميقة وللتحولات النفسية التي تعصف بالشخصيات. ففي قصة "أصابعي لم تعد أصابع"، تتحول الأصابع إلى كائن متمرد يرفض الانصياع لصاحبه بعد تجربة قاسية في دائرة الطب العدلي. وهناك، وسط مئات الجثث التي كانت تصل يوميًا خلال سنوات الحرب الطائفية، تفقد الأصابع براءتها بعدما أُجبرت على ملامسة الموت والتعرف إلى الضحايا. لم يعد العجز هنا جسديًا، بل نفسيًا ووجوديًا، فالأصابع التي لامست الخراب فقدت قدرتها على العودة إلى حياتها الطبيعية، وأصبحت، كما يصفها السارد، "مثيرة للجدل والبلاء" في حياته. ومن خلال هذا التأنيس يرسم الكاتب صورة إنسان فقد سيطرته على ذاته في زمن أصبح فيه مصير البشر مرتهنًا لقوى الموت والخوف.
وتتجلى ثنائية الحياة والموت بوضوح في قصة "أصابع الدفء والقتل." ففي لحظة انفجار مروعة تتشبث أصابع الرضيع بأمه دلالة على الحياة والأمان، بينما تقف في الجهة المقابلة أصابع الإرهابي التي ضغطت زر التفجير. هنا تصبح الأصابع علامة أخلاقية فارقة بين مشروعين متناقضين: مشروع الحياة الذي تمثله الأمومة والحنان، ومشروع الموت الذي تمثله الأيديولوجيات المتطرفة. ولا يحتاج الكاتب إلى وصف الدماء أو الجثث بقدر ما يكتفي بالمفارقة بين أصابع تمنح الدفء وأخرى تصنع الفاجعة.
وتتكرر صورة الفقد الإنساني في قصة "أصابع الشهداء في كل مكان" حين يحاول الجد الإجابة عن أسئلة الطفل برهان بشأن والده الشهيد. فحين يعجز الواقع عن تقديم تفسير مقنع للموت، يلجأ الخيال إلى منح الأصابع حياة جديدة، فتتحول إلى أشجار تنمو في أرض الوطن. ولا يبدو هذا التخييل محاولة لتجميل الموت بقدر ما هو مقاومة لعبثيته ومحاولة للحفاظ على معنى التضحية وسط واقع قاسٍ لا يقدم أجوبة شافية.
أما في قصة "أصابع سبايكر" فيبلغ الرمز ذروة مأسويته. فالأصابع التي تبرز من التراب تتحول إلى أدلة جنائية وشهود على واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها العراق الحديث. يبحث الآباء عن أبنائهم بين المقابر الجماعية، وتغدو الأصابع بوابات تقودهم إلى الحقيقة. إنها ترفض الاختفاء تحت التراب وتنهض لتشهد على الجريمة التي حاول القتلة طمسها. وهنا تتحول الأصابع إلى صوت الضحايا الذين عجزوا عن الكلام، وإلى رمز للذاكرة التي لا يمكن دفنها.
ولا يتوقف الخراب عند حدود الإنسان، بل يمتد إلى الحضارة ذاتها. ففي قصة "أصابع حارس المتحف" تصبح الأصابع شاهدة على تدمير الإرث الثقافي والإنساني. فالحارس الذي اعتاد أن يلامس القطع الأثرية بحب وعناية يقف عاجزًا أمام تحطيمها على أيدي المتطرفين. تخونه أصابعه وتتجمد حركتها، ولا يبقى له في النهاية سوى حفنة من الرماد. إن تدمير الآثار هنا ليس فعلاً مادياً فحسب، بل محاولة لاغتيال الذاكرة الجماعية ومحو هوية المدينة وتاريخها.
ويستمر هذا البعد الحضاري في قصة "أصابعي في سور نينوى"، حيث تتحول الأصابع المبتورة إلى شهداء يحتفظ بهم صاحبها في ذاكرته ويزور قبرهم كما يزور الأحبة. فهذه الأصابع كانت جزءًا من مشروع الحفاظ على التراث، ولذلك تكتسب قيمة تتجاوز بعدها الجسدي. وعندما يُفجّر سور نينوى يخشى الرجل على قبر أصابعه كما يخشى على ذاكرته ومستقبله، لأن الأصابع أصبحت حلقة وصل بين الماضي والحاضر.
وفي "أصابع الست باسمة" تكتسب الأصابع بعدًا مقاومًا. فالمعلمة التي ترفض إنزال العلم العراقي تدفع ثمن موقفها بقطع يدها. هنا تتحول الأصابع إلى رمز للحرية والانتماء الوطني، وإلى شكل من أشكال المقاومة المدنية في مواجهة الطغيان والإرهاب. وهي مفارقة لافتة أن تتحقق البطولة على يد امرأة وأصابعها العادية، بينما يعجز الآخرون عن اتخاذ الموقف ذاته.
وتتناول المجموعة أبعادًا أخرى للألم الإنساني بعيدًا عن الإرهاب المباشر. ففي "أصابعي الخشنة"، فتصبح الأصابع مرآة للفقر والعمل الشاق، بينما تجسد في "كفن لها ولأصابعي" و"فجر أصابعها" خسارة الحب والموت الشخصي. أما في "أصابع بلون الأمنيات" فتتحول الأصابع إلى رمز للانتظار الطويل الذي يستهلك العمر حتى تعجز عن الإمساك بالأحلام نفسها. وفي "أنفاس لأصابعي" يبلغ التأنيس مداه حين يصبح الإصبع المبتور كائنًا منفصلًا عن جسده، شاهداً على واقع الخطف والابتزاز والموت الذي عاشه العراقيون سنوات طويلة.
ومن القصص اللافتة أيضًا "أصابع القط" التي يضع فيها الكاتب الإنسان والحيوان داخل دائرة واحدة من الخوف والرعب. فالاحتجاز والخطر يحولان الكائنات جميعًا إلى ضحايا تبحث عن النجاة. أما في "أصابعي وأصابع الديك" فتتحول الأصابع إلى وسيلة لاستعادة الشعور بالقدرة والحياة في مواجهة الشيخوخة والوهن، بينما تختزل قصة "الخسفة" جوهر المجموعة كلها حين يشعر البطل أن جسده بأكمله تحول إلى أصابع تتشبث بالمستحيل في محاولة للخروج من القبر الذي أُلقي فيه حيًا.
وتكمن القيمة الفنية للمجموعة في نجاح حسب الله يحيى في تحويل عضو صغير من الجسد إلى شخصية رمزية جامعة تتنقل بين القصص وتحمل دلالات متعددة، فهي أصابع الشهيد والطفل والأم والعامل والعاشق وحارس المتحف والمفقود. لكنها في النهاية أصابع العراق نفسه، تحمل ذاكرته المثقلة بالحروب وأحلامه المؤجلة وخساراته المتراكمة.
وبذلك لا يبدو تأنيس الأصابع مجرد حيلة بلاغية أو استعارة عابرة، بل استراتيجية فنية متكاملة تجعل من الأصابع معادلًا موضوعيًا للإنسان العراقي الجريح. إنها تشير بالاتهام إلى الإرهاب والطائفية والجهل والخراب، وفي الوقت نفسه تتمسك بالحياة والذاكرة والمقاومة. ومن خلال هذا الرمز المبتكر ينجح حسب الله يحيى في تقديم شهادة سردية مؤثرة على مرحلة من أكثر مراحل العراق قسوة، حيث أصبحت الأصابع وحدها قادرة على رواية ما عجزت الكلمات عن قوله.



#بشرى_الهلالي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وجوه الخراب: بانوراما الشخصيات وسيرة المجتمع العراقي في عرضح ...
- سيرة الفراغ في مقهى يتآكل بصمت: قراءة وجودية في ضوء جان بول ...
- ديمقراطية المطبخ
- الإسلام السياسي والإسلام الروحاني: صراع على روح الدين
- حين تُغلق الجهات الأربع: هل ما زال -أعلى- ننظر إليه؟
- -وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا ...
- التفاهة: خيار مجتمع أم صناعة سياسة؟
- نستغيث بك فالنتاين في يومك
- احذروا.. الحرب القادمة شيعية شيعية..
- (صباح) فلسفة
- ثورة عاشق
- مدرسة دين امريكية تطبخ تمن وقيمة في الحسينية
- فصيلة الخنساء
- لقاء مع آخر
- رحال
- دمك (أميمة) فضح صبغ شواربهم
- كاتم فرح
- الاغلبية الصامتة.. السكوت علامة الرضا.. وصمتكم هو مايريدونه
- لاتبيعونا
- تقويم


المزيد.....




- بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في ...
- وفاة العازف التاريخي لأم كلثوم
- موقع التصوير هذا يقف وراء الكثير من أفلام الغرب الأمريكي.. ه ...
- الراب يربح الرهان.. -آيس جيرجيرت- النجم الأكثر شعبية في روسي ...
- تساؤلات حول شرعية التمثيل... الناخبون أقلية في كانتون بازل- ...
- رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر ...
- رومانسي- كوميدي.. إطلاق الإعلان الترويجي لفيلم -أحبك من زمان ...
- -باك رومز-.. من أسطورة رقمية إلى ظاهرة سينمائية
- من الحرب إلى الأرشيف الحي.. -احكيلي يا جنوب- يوثق ذاكرة لبنا ...
- مصر: استقالة وزيرة الثقافة بعد حكم نهائي ضدها في قضية الملكي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى الهلالي - الأصابع بوصفها ذاكرةً جريحة: التأنيس الرمزي وإدانة الإرهاب في مجموعة -أصابع الأوجاع العراقية- للكاتب حسب الله يحيى