أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - للاإيمان الشباني - حينما تتحول العلاقة إلى سجن بلا جدران














المزيد.....

حينما تتحول العلاقة إلى سجن بلا جدران


للاإيمان الشباني

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 22:50
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست العلاقات الزوجية بما تحمله من مودة ورحمة مجرد عقد يجمع بين رجل وامرأة، فهي ميثاق إنساني عميق، يقوم على الحوار والاحتواء والاحترام والتقدير المتبادل، وحين يغيب هذا الحوار، ويحل الصمت محل الكلمة، والجفاء محل المودة، تتحول العلاقة شيئاً فشيئاً إلى فضاء بارد، تخبو فيه المشاعر، وتذبل فيه الأحلام، حتى يصبح البيت قائماً بجدرانه، لكنه فاقد لروحه.
إن الصمت الزوجي قد يكون في كثير من الأحيان إعلاناً صامتاً عن انهيار التواصل، وانطفاء الرغبة في الإصلاح، واستسلام أحد الطرفين أو كليهما لفكرة أن الآخر لم يعد يعني له شيئاً، وحين يصبح الصمت لغةً يومية، ويتحول التجاهل إلى أسلوب حياة، فإن العلاقة تدخل مرحلة الاحتضار، وإن بقي الزوجان تحت سقف واحد.
إن أخطر أنواع الصمت ذلك الذي لا ترافقه نظرة حانية، ولا ابتسامة عابرة، ولا سؤال عن الحال، ولا اهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي كانت يوماً تصنع دفء العلاقة. فحين يمر الزوج بجوار زوجته وكأنها غريبة، أو تعيش الزوجة إلى جانب زوجها وكأنه مجرد شخص يشاركها المكان، يكون كل منهما قد بدأ في بناء جدار غير مرئي يفصل بين قلبين كانا يوماً نابضين بالمحبة.
والعلاقة السامة تبدأ غالباً حين تتوقف الكلمات الجميلة، ويغيب الإصغاء، وتُهمل المشاعر، ويُستبدل الحوار بالصمت، والاهتمام باللامبالاة، عندها يشعر أحد الطرفين بأنه أصبح غير مرئي، وأن وجوده وعدمه سواء، فتتسلل إلى نفسه مشاعر الوحدة وهو يعيش مع شريك حياته، وتلك من أقسى صور الوحدة التي قد يعيشها الإنسان.
وقد يظن البعض أن الصمت يجنّب الخلافات، لكنه في الحقيقة يؤجلها فقط، ثم يحولها مع مرور الوقت إلى تراكمات نفسية يصعب تفكيكها. فالكلمات التي لا تُقال تبقى حبيسة الصدور، وتتحول إلى ألم، ثم إلى فتور، ثم إلى نفور، وربما إلى كراهية صامتة لا يسمعها أحد، لكنها تُرى في الملامح، وتُقرأ في العيون، وتنعكس في تفاصيل الحياة اليومية.
وتزداد خطورة العلاقة السامة حين يكون الأبناء شهوداً عليها. فالطفل لا يتعلم الحب من الكتب، فهو يقرأه في نظرات والديه، وفي طريقة حديثهما، وفي احترام كل واحد منهما للآخر. فإذا نشأ في بيت يخلو من الحوار، ويغمره الصمت، ويهيمن عليه التوتر، فإنه يحمل تلك الصور إلى داخله دون أن يشعر، فتتشكل شخصيته على الخوف، أو القلق، أو الانطواء، أو العدوانية، وربما يفقد ثقته في معنى الأسرة والاستقرار.
وحين يكبر هؤلاء الأبناء، كثيراً ما يعيدون إنتاج ما عاشوه. فمنهم من يدخل الحياة الزوجية وهو يخشى الحوار لأنه لم يتعلمه، ومنهم من يعتبر الصمت وسيلة للعقاب، ومنهم من يظن أن التجاهل جزء طبيعي من العلاقة، فيكرر المشهد ذاته مع شريك حياته، وكأن الألم ينتقل من جيل إلى آخر، ما لم يتوقف أحدهم ليكسر هذه الحلقة المؤلمة ويؤسس لعلاقة صحية تقوم على الاحترام والتفاهم.
وقد ينجح بعض الأبناء في تحويل معاناتهم إلى درس عميق، فيقررون أن يبنوا حياة مختلفة، وأن يجعلوا الحوار أساساً لعلاقاتهم، والاحترام منهجاً في تعاملهم، فيصححون ما اختل في الماضي، ويؤسسون مستقبلاً أكثر استقراراً لأنفسهم وأبنائهم، لكن هذا النجاح يحتاج إلى وعي، وإلى شجاعة في مواجهة آثار الماضي، وعدم الاستسلام لها.
إن العلاقة الزوجية لا تحتاج إلى الكمال، وإنما تحتاج إلى الصدق. ولا يشترط أن يتفق الزوجان في كل شيء، ولكن من الضروري أن يعرف كل منهما كيف يختلف باحترام، وكيف يعبر عن مشاعره دون تجريح، وكيف ينصت قبل أن يتكلم، وكيف يعتذر إذا أخطأ، ويغفر إذا استطاع. فالكلمة الطيبة قد تُحيي قلباً أوشك على الانطفاء، والابتسامة الصادقة قد تهدم جداراً بناه الصمت خلال سنوات.
إن البيوت لا تنهار بسبب كثرة الخلافات وحدها، وإنما تنهار حين يفقد الطرفان الرغبة في الإصلاح، ويصبح الصمت بديلاً عن الحوار، والتجاهل بديلاً عن الاهتمام، والبرود بديلاً عن المودة. فهناك بيوت يعلو فيها النقاش، لكنها تبقى عامرة بالمحبة، وهناك بيوت لا يُسمع فيها صوت، لكنها تعيش موتاً بطيئاً لا يراه إلا من يسكنها.
إن الحب يذبل بالإهمال، ويختنق بالتجاهل، ويحتضر بالصمت الطويل. لذلك فإن المحافظة على العلاقة هي مسؤولية مشتركة، تتطلب جهداً يومياً، وحرصاً دائماً على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، مهما اشتدت الخلافات، ومهما تعقدت الظروف.
وفي النهاية، تبقى الأسرة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الحياة. فإذا امتلأت بالمودة، خرج منها أفراد يعرفون الحب ويحسنون العطاء. أما إذا سيطر عليها الصمت القاتل والعلاقة السامة، فإن آثارها لا تتوقف عند الزوجين، بل تمتد إلى الأبناء، ثم إلى المجتمع بأسره. ولهذا فإن إنقاذ العلاقة ضرورة إنسانية وأخلاقية، لأن الكلمة التي تُقال في وقتها قد تُنقذ قلباً، وتحفظ أسرة، وتمنح جيلاً كاملاً فرصة أن يتعلم أن الزواج سكن ورحمة، لا عزلة ووحشة، وأن المودة تُحفظ بالحوار، والاحترام،



#للاإيمان_الشباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتحول العلاقة إلى سجن دون أسوار
- تعلم كيف تصمت
- قررت ان أتكلم
- تاريخ يحكى
- خفايا الصمت
- علمنا الدهر (من ديواني :امرأة من زمن آخر)
- امينة كانوني قراءة نقدية لكتاب (الرواية العربية المعاصرة لعب ...
- ما الحق وما الواجب
- الاعتكاف في رمضان
- الحب والتسامح
- الانسان بطبعه يحب أن ينتصر لنفسه
- بالصيام يتجلى النور في القلب (روحانيات)
- فضل الصيام وتوابه(روحانيات)
- الاستعداد لرمضان (روحانيات)
- كيف تكمل صيامك
- توطئة لكتاب سعاد بيكة
- الفرق بين المقدمة التمهيد المدخل فالتوطئة
- حين تسكنني الكلمة
- الحب في الفلسفة والدين
- التربية الجنسية


المزيد.....




- ترامب يستبق قمة الناتو باتصال مع بوتين
- كونستانتينوفكا.. ضربة للناتو قبيل القمة
- 250 شمعة.. وكالة الانباء الصينية تهنئ الولايات المتحدة بعيد ...
- نتنياهو.. تراجع الشعبية وأزمة الانتخابات
- تحطم طائرة مائية في النهر الشرقي بنيويورك
- موسكو: انخراط الغرب حوّل عمليتنا إلى حرب
- أوروبا تتوجه لتركيا لشراء أجهزة التكييف
- عون: لست معجبا بإسرائيل
- الحوثيون يعلنون استمرار تشغيل مطار صنعاء دون إذن التحالف ويج ...
- فايننشال تايمز: الاستخبارات الأمريكية تساعد أوكرانيا على تخط ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - للاإيمان الشباني - حينما تتحول العلاقة إلى سجن بلا جدران