أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - الكتابة الروائية بين الحقيقة والتخييل في العصر الحديث















المزيد.....

الكتابة الروائية بين الحقيقة والتخييل في العصر الحديث


عصام البرّام
أديب وأكاديمي ودبلوماسي

(Essam Albarram)


الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 03:34
المحور: قضايا ثقافية
    


تُعد الرواية من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على استيعاب تحولات الإنسان والمجتمع، لأنها لا تكتفي بسرد الوقائع أو رسم الشخصيات، وإنما تنفذ إلى أعماق التجربة الإنسانية، فتجعل من اللغة فضاءً لاكتشاف الذات والعالم. وقد شهد العصر الحديث تغيرًا جذريًا في مفهوم الكتابة الروائية، فلم تعد الرواية مرآة تعكس الواقع كما هو، ولا مجرد حكاية متخيلة منفصلة عن الحياة، بل أصبحت مساحة يلتقي فيها الواقع بالخيال، وتمتزج فيها الحقيقة بالتخييل في علاقة معقدة يصعب الفصل بين طرفيها. فالكاتب الحديث لا ينقل الواقع نقلاً فوتوغرافيًا، ولا يهرب إلى عالم الوهم، وإنما يعيد بناء الواقع عبر الخيال، ليكشف ما تعجز الوقائع المجردة عن الإفصاح عنه. ومن هنا أصبحت الرواية الحديثة بحثًا دائمًا عن حقيقة أعمق من الحدث، وأكثر اتساعًا من التاريخ، لأنها تسعى إلى التعبير عن الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، وفي صراعه مع الزمن والذاكرة والهوية.
لقد أدرك الروائي الحديث أن الحقيقة ليست معطى ثابتًا، وإنما هي تجربة نسبية تتشكل وفق زاوية النظر، ولذلك لم يعد يهتم بتقديم الحقيقة الواحدة، بل تعددت الأصوات داخل النص، وتنوعت الرؤى، وأصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى. وهكذا تحولت الرواية إلى فضاء للحوار بين الممكن والواقع، وبين ما حدث وما كان يمكن أن يحدث، حتى غدا التخييل وسيلة لاكتشاف الحقيقة، لا وسيلة للابتعاد عنها.
الحقيقة في الرواية الحديثة
لا تعني الحقيقة في الرواية الحديثة التطابق الكامل مع الوقائع التاريخية أو الاجتماعية، بل تعني الصدق الفني والإنساني. فقد يبتكر الروائي مدينة لا وجود لها، وشخصيات لم تعش في الواقع، وأحداثًا لم تقع قط، ومع ذلك يشعر القارئ بأنها أكثر صدقًا من كثير من الوقائع الموثقة، لأنها تعبر عن مشاعر الإنسان وأسئلته الوجودية وهمومه اليومية. إن الحقيقة الروائية تنبع من قدرتها على تمثيل التجربة الإنسانية، لا من مطابقتها الدقيقة للأحداث.
ولهذا السبب لم يعد الكاتب الحديث أسيرًا للتوثيق، بل أصبح يختار من الواقع ما يخدم رؤيته الفنية، ثم يعيد تشكيله وفق بناء تخييلي يمنحه دلالات جديدة. فالواقع داخل الرواية لا يدخل كما هو، وإنما يمر عبر وعي الكاتب وخبرته وثقافته ولغته، فيتحول إلى عالم مستقل يمتلك قوانينه الخاصة. وقد تبدو بعض الروايات وكأنها تستند إلى أحداث تاريخية أو سير ذاتية، لكنها في الحقيقة تعيد إنتاج تلك الوقائع بطريقة تجعلها أكثر عمقًا واتساعًا، لأن الأدب لا يهتم بما وقع فقط، بل بما يكشفه وقوع الأحداث من معانٍ إنسانية.
لقد أصبحت الحقيقة في الرواية الحديثة مرتبطة بالأسئلة أكثر من ارتباطها بالإجابات. فهي لا تدعي امتلاك اليقين، وإنما تدعو القارئ إلى التفكير وإعادة النظر في المسلمات، ولذلك نجد كثيرًا من الروايات الحديثة تترك نهاياتها مفتوحة، وتقدم شخصياتها بوصفها كائنات مترددة ومتناقضة، لأن الإنسان نفسه لا يعيش في عالم تحكمه الحقائق المطلقة، بل في عالم تتعدد فيه التأويلات.
التخييل بوصفه إعادة خلق للعالم
إذا كانت الحقيقة تمنح الرواية جذورها في الواقع، فإن التخييل يمنحها أجنحتها للتحليق خارج حدود الممكن. وليس المقصود بالتخييل اختراع أحداث غريبة أو شخصيات خارقة فحسب، وإنما القدرة على إعادة بناء العالم بطريقة تكشف أبعاده الخفية. فالخيال الروائي لا يناقض الحقيقة، بل يعيد اكتشافها، ويجعلها أكثر ثراءً وعمقًا.
لقد تحررت الرواية الحديثة من القوالب التقليدية، فلم تعد ملزمة بالتسلسل الزمني أو الراوي الواحد أو النهاية المغلقة. وأصبح الكاتب ينتقل بحرية بين الماضي والحاضر، وبين الواقع والحلم، وبين الذاكرة والخيال، ليعبر عن تعقيد التجربة الإنسانية. وهكذا تحول التخييل إلى وسيلة فنية تكشف اضطراب الإنسان الحديث، وتصور انقسامه بين ما يعيشه وما يتمناه، وبين ما يتذكره وما يتخيله.
إن التخييل لا يلغي المرجعية الواقعية، بل يثريها، لأنه يسمح بإبراز الجوانب التي يصعب على التاريخ أو الوثيقة أو التقرير أن تكشفها. فالرواية تستطيع أن تدخل إلى أعماق النفس البشرية، وأن تمنح القارئ فرصة للعيش داخل وعي الشخصيات، وأن تكشف صراعاتها الداخلية وآمالها ومخاوفها. ولذلك فإن الخيال في الرواية الحديثة ليس هروبًا من الواقع، بل وسيلة لفهمه بصورة أكثر شمولًا.
ومن خلال هذا التداخل بين الحقيقة والتخييل، استطاعت الرواية أن تناقش قضايا كبرى مثل الحرب والمنفى والهوية والاغتراب والعدالة والحرية، دون أن تتحول إلى خطاب مباشر أو وثيقة تاريخية. فهي تستثمر الخيال لكي تمنح القضايا الإنسانية بعدًا جماليًا يجعلها أكثر تأثيرًا في القارئ وأكثر قدرة على البقاء.
الرواية الحديثة بين القارئ والواقع
لقد غيّرت الرواية الحديثة طبيعة العلاقة بين النص والقارئ، فلم يعد القارئ متلقيًا سلبيًا ينتظر معرفة الحقيقة من الكاتب، بل أصبح مشاركًا في اكتشافها وتأويلها. فكل قارئ يعيد بناء الرواية وفق خبراته وثقافته وتجربته الخاصة، ولذلك تظل الرواية عملًا مفتوحًا لا ينتهي مع آخر صفحة، وإنما يستمر في الوعي والذاكرة.
وقد ساهم هذا التحول في توسيع مفهوم الكتابة الروائية، فأصبحت تستفيد من التاريخ والفلسفة وعلم النفس والسينما والفنون البصرية، كما دخلت إليها تقنيات جديدة مثل تعدد الأصوات، وكسر التسلسل الزمني، والكتابة داخل الكتابة، والتناص، مما جعل النص الروائي أكثر تعقيدًا وثراءً. ولم يعد الهدف هو رواية الحكاية فقط، وإنما مساءلة معنى الحكاية نفسها، والتفكير في علاقة اللغة بالحقيقة، وفي قدرة السرد على تمثيل العالم.
وفي العصر الحديث، ومع التحولات الرقمية وتغير وسائل التواصل، ازدادت أهمية الرواية بوصفها مساحة للتأمل في الإنسان وسط عالم سريع الإيقاع. فهي تمنح القارئ فرصة للتوقف أمام الأسئلة الكبرى التي قد يغفلها في حياته اليومية، وتجعله يدرك أن الحقيقة ليست دائمًا ما تراه العين، وأن الخيال ليس مجرد وهم، بل أداة معرفية تساعد على اكتشاف ما تخفيه الوقائع.
إن العلاقة بين الحقيقة والتخييل ليست علاقة صراع، وإنما علاقة تكامل وإبداع. فالحقيقة تمنح الرواية صدقها، والتخييل يمنحها حريتها، ومن اتحادهما تولد الأعمال الأدبية الخالدة التي تستطيع أن تتجاوز حدود الزمن والمكان. ولعل سر بقاء الرواية الحديثة يكمن في قدرتها على الموازنة بين الواقع والمتخيل، بحيث يشعر القارئ أنه يعيش عالمًا يعرفه ويجهله في الوقت نفسه، عالمًا يشبه حياته لكنه يكشف له وجوهًا جديدة لم يكن يراها من قبل.
من هنا، يمكن القول إن الكتابة الروائية في العصر الحديث لم تعد تنحاز إلى الحقيقة وحدها ولا إلى التخييل وحده، وإنما جعلت منهما عنصرين متكاملين في بناء العمل الأدبي. فالحقيقة تمنح النص جذوره الإنسانية، بينما يمنحه التخييل آفاقه الجمالية والفكرية. ومن هذا التفاعل الخلاق تنبع قوة الرواية الحديثة، لأنها لا تروي العالم كما هو، بل كما يمكن أن يُفهم ويُتخيل ويُعاش، فتظل الرواية فنًا قادرًا على ملامسة الإنسان في كل زمان ومكان، وعلى الكشف عن حقائق لا تستطيع الوثائق وحدها أن تبلغها، ولا يستطيع الخيال وحده أن يحققها.



#عصام_البرّام (هاشتاغ)       Essam_Albarram#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سؤال القيم في الحضارة المعاصرة
- الإنسان بين الحرية والمسؤولية في عصر التحولات الكبرى
- التربية والثقافة والقيم: مثلث بناء الإنسان
- الأدب العربي بين أصالة التراث وتحديات العصر
- دور الإعلام في فضح أو تغطية الهجمات السيبرانية الدولية
- أهمية التكنولوجيا في تطوير المجتمعات الحديثة
- الأدب والنجاة الثقافية في أوقات التحولات الكبرى
- حين يدافع الأدب عن الإنسان
- ماركس بين الفكرة والجمال .. حين يلتقي الأدب والفن بحركة التا ...
- القراءة... نافذة الإنسان إلى الحياة
- بين وطنٍ وفجر
- الأدب الروائي وتبدلات الحياة العربية
- حين يكتب الماضي نصَّه من جديد .. التناص بوصفه ذاكرة الحداثة ...
- محافظة السليمانية في كردستان العراق .. مدينة الثقافة والأدب ...
- حين أصبحت العزلة لغة العصر
- روبوتات الإعلام… بين تعزيز الأمن المعلوماتي وتهديده
- الثقافة كمساحة لإنقاذ المعنى
- اللغة العربية بين هوية الماضي وتحديات الحاضر
- الفن التشكيلي الكردي: قراءة في ألوان الذاكرة والهوية
- هل يمكن تحديث المجتمع دون المساس بالثوابت؟


المزيد.....




- من سيحضر جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي؟
- 5 قتلى و16 مصاباً بانفجار عبوة ناسفة داخل مقهى قرب القصر الع ...
- إيران تجدد تهديدات هرمز مع انتهاء محادثات الدوحة بتقدم حذر
- بعد 1000 يوم على 7 أكتوبر: تقرير يكشف عودة 92 بالمئة من سكان ...
- وسط انتقادات سياسية.. وثائقي ميلانيا يحقق نجاحا تجاريا ملحوظ ...
- الرئيس اللبناني يطلب ضغطا دوليا على إسرائيل لتنفيذ -صيغة الإ ...
- زيلينسكي مصدوما: دفعنا المال مقابل 200 صاروخ ولم نر شيئا
- الشيباني في بيروت لبحث ملفات مختلفة
- أنقرة.. قمة الناتو وأزمة الإنفاق
- الدوحة: سنواصل الوساطة حتى تحقيق اتفاق


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - الكتابة الروائية بين الحقيقة والتخييل في العصر الحديث