أحمد محمد هاشم
باحث في اللسانيات.
(Ahmed M. Hashim)
الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 19:43
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يبدو سؤال “من أين جاءت اللغة؟” بسيطًا، لكنه يفتح واحدًا من أعقد أبواب البحث في الإنسان. فاللغة ليست مجموعة أصوات وكلمات فحسب، بل نظام يتيح لنا تنظيم الخبرة، وبناء المعرفة، ونقلها بين الأفراد والأجيال. ولهذا ظل أصلها طويلًا موضوعًا للفلسفة واللاهوت والتخمين أكثر منه موضوعًا للبحث التجريبي. وفي سنة 1866 نصّت الجمعية اللغوية في باريس صراحة على أنها لا تقبل أية مداخلة تتعلق بأصل اللغة أو بإنشاء لغة عالمية؛ وهو قرار يعكس مقدار ما كان يحيط بالموضوع من فرضيات يصعب اختبارها علميًا. لكن الحظر لم ينه السؤال. فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين عاد البحث فيه بقوة بفضل تطور اللسانيات، وعلم النفس المعرفي، وعلم الأعصاب، والوراثة، والأنثروبولوجيا التطورية. ومع ذلك، لا توجد اليوم إجابة واحدة متفق عليها؛ لأن كلمة «أصل اللغة» تشير في الحقيقة إلى مجموعة أسئلة: متى ظهرت القدرة على تركيب الجمل؟ كيف تطورت أعضاء النطق والتحكم العصبي فيها؟ كيف أصبحت الإشارات رموزًا ذات معنى؟ وكيف تحولت قدرة فردية إلى نظام اجتماعي تتوارثه الجماعات؟ لذلك لا يمكن لأي تخصص منفرد أن يقدم القصة كاملة.
الفطرة والتطور: مساران لتفسير نشأة اللغة
بدأت اللسانيات الحديثة بالتمييز بين اللغة بوصفها نظامًا اجتماعيًا وبين الأشياء التي تشير إليها. فقد أكد فردينان دي سوسير أن العلاقة بين «الدال» و«المدلول» اعتباطية في الغالب: لا توجد رابطة طبيعية تلزم البشر بأن يسموا الشجرة بهذا الصوت تحديدًا، والدليل اختلاف الكلمات من لغة إلى أخرى. وهذه الفكرة تفسر جانبًا مهمًا من اللغة، وهو أن معانيها وقواعد استعمالها تُحفظ داخل الجماعة وتنتقل بالتعلم. أما التحول الأكبر في دراسة القدرة اللغوية فجاء مع نعوم تشومسكي ونشوء اللسانيات التوليدية، لا «البنيوية» كما يقال أحيانًا. رأى تشومسكي أن الطفل لا يتعلم اللغة بمجرد التقليد؛ لأنه يستطيع في سنوات قليلة إنتاج جمل جديدة وفهم تراكيب لم يسمعها حرفيًا من قبل. ومن هنا ظهرت فكرة أن العقل البشري يمتلك استعدادًا فطريًا لاكتساب اللغة، وأن اللغات المختلفة تستند إلى مبادئ معرفية مشتركة، حتى وإن اختلف الباحثون لاحقًا في طبيعة هذه المبادئ وحدودها.
ساعدت هذه الرؤية على تفسير سرعة اكتساب الأطفال للغة وإبداعهم فيها، لكنها لا تعني بالضرورة أن اللغة ظهرت كاملة في طفرة واحدة. وفي مقال مؤثر نشره مارك هاوزر ونعوم تشومسكي وتكومسه فيتش سنة 2002، ميّز الباحثون بين «ملكة اللغة بالمعنى الواسع» التي تضم أجهزة الإدراك والذاكرة والنطق، و«ملكة اللغة بالمعنى الضيق» التي قد تتمثل في القدرة الحسابية على بناء تراكيب هرمية متكررة. وقد طرحوا احتمال أن تكون بعض مكونات اللغة قد تطورت أصلًا لوظائف أخرى، ثم اندمجت في النظام اللغوي. لذلك فموقف تشومسكي المعاصر أكثر تعقيدًا من القول إن اللغة ظهرت فجأة بلا مقدمات؛ فهو يشدد على خصوصية البنية الذهنية، لكنه لا ينكر أن مكوناتها ترتبط بالتاريخ البيولوجي للإنسان. أثار هذا الاتجاه نقاشًا واسعًا حول «القواعد الكلية» وحدودها. ومن أشهر الأمثلة دراسة دانيال إيفيريت للغة البيراها في الأمازون، إذ جادل بأن ثقافة الجماعة تقيد بعض أنماط التعبير وأن اللغة لا تظهر فيها العودية النحوية بالصورة التي افترضها بعض التوليديين. لم يحسم هذا الجدل المسألة؛ فقد اعترض باحثون على تحليل إيفيريت وعلى استنتاجاته. لكنه أظهر بوضوح أن دراسة اللغة لا يمكن أن تعزل البنية الذهنية عن الاستعمال الثقافي والاجتماعي. في المقابل، ينطلق علماء التطور من مبدأ الاستمرارية: القدرات المعقدة لا تظهر عادة من فراغ، بل تنشأ من تعديل قدرات أقدم. وكان تشارلز داروين قد اقترح أن اللغة ترتبط بأشكال سابقة من التواصل الصوتي، وأن الانتقاء الطبيعي والاختيار الجنسي يمكن أن يسهما في تطور التحكم بالصوت والتعلم والتواصل. وفي العصر الحديث دافع ستيفن بينكر وبول بلوم عن أن تعقيد اللغة وتخصصها يجعلانها مرشحة قوية لأن تكون تكيفًا تشكل تدريجيًا بالانتقاء الطبيعي؛ لأنها منحت الجماعات البشرية مزايا في التعاون، والتحذير، والتعليم، وتنسيق العمل، وبناء العلاقات الاجتماعية. قدمت الوراثة أدلة مهمة، لكنها كثيرًا ما عُرضت بصورة مبالغ فيها. أشهر مثال هو جين FOXP2 الذي ارتبطت طفراته لدى بعض الأفراد باضطرابات شديدة في تخطيط حركات الكلام وبجوانب من المعالجة اللغوية. وقد أظهرت دراسات أن النسخة البشرية من البروتين تختلف في موضعين من الأحماض الأمينية عن نسخ عدد من القردة العليا، كما وُجد أن إنسان نياندرتال كان يحمل التغيرين نفسيهما. لكن FOXP2 ليس «جين اللغة»؛ فهو عامل نسخ يؤثر في شبكات واسعة من الجينات وفي دوائر عصبية مرتبطة بالتعلم الحركي، كما أن اللغة تعتمد على عدد كبير من الجينات والعمليات النمائية والبيئية. أهميته أنه يوضح كيف يمكن لتغيرات بيولوجية محدودة أن تؤثر في أنظمة عصبية تسهم في الكلام، لا أنه يقدم مفتاحًا منفردًا لأصل اللغة.
وتضيف الأحافير قرائن أخرى، لكنها تظل غير مباشرة. فقد عُثر في كهف كبارة على عظم لاميّ لإنسان نياندرتال يشبه في شكله العظم المقابل لدى الإنسان الحديث، وهو ما يدعم احتمال امتلاكه جهازًا صوتيًا قادرًا على إنتاج طيف واسع من الأصوات. غير أن تشابه العظم لا يثبت وحده وجود لغة نحوية، تمامًا كما أن حجم الدماغ أو شكل الجمجمة لا يسمحان لنا بقراءة الجمل التي كان صاحبها قادرًا على تكوينها. اللغة لا تتحجر؛ ولذلك يعتمد الباحثون على تجميع قرائن من التشريح القديم، والحمض النووي، والأدوات، والسلوك الرمزي، والمقارنة مع الإنسان والحيوان. كما تكشف المقارنات الحيوانية أن بعض مكونات اللغة ليست حكرًا كاملًا على البشر. فهناك أنواع تتعلم أصواتًا جديدة، وأخرى تفهم تسلسلات أو علاقات اجتماعية معقدة. إلا أن الإنسان يجمع بين التعلم الصوتي أو الإشاري، والرمزية، والقدرة على بناء تراكيب مفتوحة، والنية المشتركة، والتعليم الثقافي التراكمي بدرجة لا نجدها مجتمعة لدى نوع آخر. وهذا يرجح أن اللغة لم تنشأ من عامل واحد، بل من التقاء عدة قدرات تطورت في أزمنة مختلفة ثم عملت معًا.
نحو فهم تكاملي لأصل اللغة
يبدو التعارض التقليدي بين «الفطري» و«المكتسب» أقل حدة عندما نميز بين القدرة على اللغة وبين اللغة التي يتكلمها الفرد. فالطفل يولد بدماغ وجهاز سمعي وحركي مهيأين للتعلم، لكنه لا يولد متكلمًا بالعربية أو السواحيلية؛ إذ يحتاج إلى جماعة لغوية وتفاعل مستمر. وبالمثل، لا تستطيع الثقافة أن تنشئ اللغة في كائن يفتقر إلى القدرات العصبية اللازمة، كما لا تكفي الجينات وحدها لإنتاج مفردات وقواعد من دون استعمال اجتماعي. من هذا المنظور، يمكن تصور أصل اللغة بوصفه عملية تطور مشترك بين البيولوجيا والثقافة. فزيادة التعاون وتقاسم الغذاء وتربية الأطفال ونقل المهارات خلقت ضغوطًا لمزيد من الدقة في التواصل. وفي الوقت نفسه، كلما تحسنت القدرة على التعلم والتذكر والتحكم بالصوت والإشارة، أصبحت الجماعات قادرة على بناء نظم رمزية أكثر تعقيدًا. ثم بدأت اللغة نفسها تؤثر في مسار التطور، لأن الأفراد الأقدر على تعلم النظام المشترك واستخدامه حصلوا على مزايا اجتماعية ومعرفية. وهكذا لم تكن الثقافة مجرد نتيجة للدماغ، بل أصبحت بيئة انتخابية تعيد تشكيله عبر أجيال طويلة.
كذلك لا يلزم أن تكون اللغة قد بدأت كلامًا صوتيًا خالصًا. فالإيماءات، وتعبيرات الوجه، والإيقاع، والمحاكاة، والأصوات ربما عملت معًا في مراحل مبكرة. وحتى اليوم تعتمد المحادثة على النظر وحركة اليد ونبرة الصوت إلى جانب الكلمات. هذا يجعل البحث عن «اللحظة الأولى» للغة أقل فائدة من البحث عن المراحل التي تراكمت فيها الرمزية، والقدرة على الجمع، والتعلم الاجتماعي، والتحكم الإرادي في الإشارة والصوت. أما السؤال: هل اللغة أداة للتواصل أم أداة للتفكير؟ فالأرجح أن الفصل الصارم بين الوظيفتين مضلل. اللغة تنظم التفكير والتخطيط والذاكرة في الإنسان، لكنها لا تُكتسب ولا تستمر خارج التواصل مع الآخرين. وربما تطورت بعض عملياتها الداخلية قبل استخدامها اللغوي، في حين صقل التفاعل الاجتماعي بنيتها ووسع وظائفها. وهذا يفسر لماذا تظل اللغة في آن واحد قدرة بيولوجية، ونظامًا معرفيًا، ومؤسسة ثقافية.
لا يملك العلم حتى الآن تاريخًا نهائيًا لأصل اللغة، وربما لن يستطيع تحديد يوم أو جيل بدأت فيه. لكن البحث الحديث تجاوز كثيرًا من التخمين القديم. فقد أصبح واضحًا أن اللغة لا تُفسَّر بجين واحد، ولا بعضو تشريحي منفرد، ولا بقاعدة عقلية معزولة، ولا بالحاجة الاجتماعية وحدها. إنها حصيلة تفاعل طويل بين الدماغ والجسد والجماعة والثقافة. وعليه، فإن الخلاف بين اللسانيين وعلماء الأحياء لا ينبغي أن يُعرض بوصفه معركة ينتصر فيها طرف ويلغى الآخر. اللسانيات تكشف البنية التي يجب تفسيرها، والوراثة وعلم الأعصاب يوضحان شروطها البيولوجية، والأنثروبولوجيا تبحث في ضغوط الحياة المشتركة، وعلم النفس يدرس كيفية اكتسابها واستعمالها. وكلما اقتربت هذه التخصصات من بعضها، تحول سؤال «من أين جاءت اللغة؟» من لغز فلسفي مطلق إلى برنامج علمي متعدد المستويات، ما زالت أجزاء كثيرة منه مفتوحة، لكنه أصبح أكثر دقة وقابلية للاختبار.
المصادر
• الجمعية اللغوية في باريس. (1866). النظام الأساسي للجمعية، المادة الثانية: عدم قبول المداخلات المتعلقة بأصل اللغة أو إنشاء لغة عالمية.
• De Saussure, F. (1916/1983). Course in General Linguistics. Duckworth.
• Darwin, C. (1871). The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex. John Murray.
• Pinker, S., & Bloom, P. (1990). Natural language and natural selection. Behavioral and Brain Sciences, 13(4), 707–784. https://doi.org/10.1017/S0140525X00081061
• Lai, C. S. L., Fisher, S. E., Hurst, J. A., Vargha-Khadem, F., & Monaco, A. P. (2001). A forkhead-domain gene is mutated in a severe speech and language disorder. Nature, 413, 519–523. https://doi.org/10.1038/35097076
• Enard, W., et al. (2002). Molecular evolution of FOXP2, a gene involved in speech and language. Nature, 418, 869–872. https://doi.org/10.1038/nature01025
• Hauser, M. D., Chomsky, N., & Fitch, W. T. (2002). The faculty of language: What is it, who has it, and how did it evolve? Science, 298(5598), 1569–1579. https://doi.org/10.1126/science.298.5598.1569
• Everett, D. L. (2005). Cultural constraints on grammar and cognition in Pirahã. Current Anthropology, 46(4), 621–646. https://doi.org/10.1086/431525
• Krause, J., et al. (2007). The derived FOXP2 variant of modern humans was shared with Neandertals. Current Biology, 17(21), 1908–1912. https://doi.org/10.1016/j.cub.2007.10.008
• Arensburg, B., et al. (1989). A Middle Palaeolithic human hyoid bone. Nature, 338, 758–760. https://doi.org/10.1038/338758a0
• Fitch, W. T. (2010). The Evolution of Language. Cambridge University Press.
• Hauser, M. D., Yang, C., Berwick, R. C., et al. (2014). The mystery of language evolution. Frontiers in Psychology, 5, 401. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2014.00401
#أحمد_محمد_هاشم (هاشتاغ)
Ahmed_M._Hashim#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟