أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد محمد هاشم - بلد المليون ازمة: ازمة البانزين انموذجاً















المزيد.....

بلد المليون ازمة: ازمة البانزين انموذجاً


أحمد محمد هاشم
باحث في اللسانيات.

(Ahmed M. Hashim)


الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 17:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تمثّل أزمة البنزين في العراق واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في بلد يُعدّ من أكبر مالكي الثروة النفطية في العالم. فالعراق يمتلك احتياطيات نفطية هائلة، وينتج ملايين البراميل يوميًا، وتدخل إلى خزينته عائدات ضخمة من تصدير النفط الخام، ومع ذلك يجد المواطن نفسه مضطرًا للوقوف ساعات طويلة، وأحيانًا أيامًا متواصلة، أمام محطات الوقود للحصول على البنزين. هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بوصفها أزمة طارئة أو ظرفًا عابرًا، بل هي نتيجة تراكم طويل من سوء التخطيط، وضعف الإدارة، والفساد، وغياب الرؤية الاستراتيجية في التعامل مع قطاع حيوي يمس حياة المواطنين اليومية. إن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص النفط الخام، بل في عجز الدولة عن تحويل هذه الثروة إلى منظومة إنتاجية متكاملة قادرة على تلبية الحاجة المحلية من المشتقات النفطية. فعلى الرغم من امتلاك العراق موارد نفطية ضخمة، ما زال يعتمد على استيراد كميات كبيرة من المشتقات المكررة، وينفق على ذلك مبالغ طائلة كان يمكن أن تُستثمر في تطوير المصافي الوطنية وبناء بنية تحتية صناعية حقيقية. ويرجع هذا العجز إلى محدودية طاقة التكرير المحلية، وتقادم المصافي الرئيسة، وغياب التحديث الجاد، إضافة إلى آثار الحروب والإهمال والفساد الذي طال مشاريع الصيانة والتطوير. وقد تعمّقت هذه الأزمة مع مرور العقود بسبب غياب التفكير الاستراتيجي في إدارة الدولة. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، بُنيت مؤسسات الدولة على أسس هشة، طغت عليها الولاءات السياسية والمناطقية والزبائنية بدل الكفاءة والتخطيط. وبعد عام 2003، لم يؤدِّ التغيير السياسي إلى بناء نموذج إداري أكثر فاعلية، بل نشأت منظومة محاصصة حزبية وطائفية تعاملت مع النفط بوصفه مصدرًا لتوزيع النفوذ والمصالح، لا ثروة وطنية ينبغي استثمارها لبناء اقتصاد مستقر. وهكذا بقي ملف التكرير والمشتقات النفطية بعيدًا عن المعالجة الجذرية، رغم أهميته المباشرة للأمن الاقتصادي والمعيشي.
وخلال السنوات التي شهد فيها العراق ارتفاعًا كبيرًا في عائداته النفطية، كان بالإمكان توجيه تلك الموارد نحو بناء مصافٍ حديثة، وتطوير قطاع البتروكيماويات، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الوقود. غير أن ما حدث فعليًا كان مختلفًا تمامًا؛ إذ ذهبت نسبة كبيرة من الأموال إلى تضخيم الإنفاق التشغيلي، وتوسيع الجهاز الوظيفي، وتمويل شبكات المصالح السياسية، بدل بناء مشاريع إنتاجية طويلة الأمد. ونتيجة لذلك، بقيت المصافي القديمة تعمل بأقل من طاقتها، وظلت أزمة البنزين تتكرر موسمًا بعد آخر من دون حلول حقيقية. كما أن الحرب على تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017 استُخدمت في كثير من الأحيان ذريعة لتبرير الإخفاقات في قطاعات متعددة، ومنها قطاع الوقود والطاقة. غير أن أزمة البنزين أقدم من تلك الحرب وأعمق منها بكثير، فهي تعود إلى خلل بنيوي في التخطيط والإدارة. وحتى بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى وعودة قدر من الاستقرار، لم تظهر خطة حكومية واضحة وملزمة لإعادة بناء قطاع التكرير أو تقليل الاعتماد على الاستيراد. وبدلًا من ذلك، استمرت التصريحات الرسمية التي تعد بالإنجازات الوهمية، بينما ظل الواقع على الأرض يعيد إنتاج الأزمة نفسها.
ولا يمكن فصل هذه المشكلة عن ضعف المؤسسات النفطية الحكومية نفسها. فالكثير من هذه المؤسسات يعاني تضخمًا وظيفيًا وبيروقراطية معقدة، في حين تُستخدم المناصب أحيانًا كأدوات للمحاصصة لا لاختيار الكفاءات. وفي بيئة كهذه، يصبح الموظف الكفء عاجزًا عن إحداث تغيير حقيقي، بينما يتقدم أصحاب الولاءات والعلاقات على حساب أصحاب الخبرة الفنية والإدارية. وهذا الخلل في إدارة المؤسسات العامة ينعكس مباشرة على أداء قطاع حساس مثل قطاع التكرير، الذي يحتاج إلى تخصص عالٍ وإدارة مستقرة وتخطيط دقيق. لا تقتصر آثار أزمة البنزين على مشهد الطوابير أمام محطات الوقود، بل تمتد إلى مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فارتفاع أسعار الوقود في السوق الموازية يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل، ومن ثم ارتفاع أسعار السلع الغذائية ومواد البناء والخدمات. كما تتضرر الورش والمصانع الصغيرة التي تعتمد على المولدات الكهربائية، في وقت يعاني فيه البلد أصلًا من انقطاعات طويلة في الكهرباء، خصوصًا خلال فصل الصيف. وبذلك تتحول أزمة الوقود إلى عامل إضافي يضغط على المواطن، ويزيد من أعباء المعيشة، ويضعف النشاط الاقتصادي.
من أبرز مظاهر الخلل أيضًا غياب الذاكرة المؤسسية في إدارة قطاع النفط. فمع كل تغيير حكومي أو وزاري، تبدأ الخطط من جديد، وتُعاد الدراسات والاجتماعات وكأن الدولة لا تملك تاريخًا إداريًا أو مشاريع قائمة يمكن البناء عليها. ومشاريع البنية التحتية الكبرى، ومنها مشاريع التكرير، لا يمكن أن تنجح بهذه الطريقة؛ لأنها تحتاج إلى استمرارية تمتد لسنوات، وإلى إدارة لا تتغير أولوياتها مع كل دورة انتخابية أو تبدل سياسي. وتزداد الأزمة تعقيدًا بسبب هيمنة الخطاب الشعبوي على القرارات الاقتصادية. فالإصلاحات الضرورية، مثل إعادة هيكلة الدعم أو تنظيم الاستهلاك أو فتح المجال لاستثمارات جادة في التكرير، غالبًا ما تُقدَّم للرأي العام بوصفها إجراءات ضد المواطن، لا خطوات لإصلاح قطاع منهك. ونتيجة لذلك، تفضّل الحكومات تأجيل القرارات الصعبة خوفًا من كلفتها الانتخابية، مع أن استمرار الوضع الحالي يكلف المواطن والدولة أضعاف ما قد تكلفه الإصلاحات الجادة.
أما الحلول، فهي ليست غامضة ولا مستحيلة. فالعراق بحاجة إلى بناء مصافٍ جديدة بطاقات إنتاجية حقيقية، وتحديث المصافي القائمة وفق جداول زمنية معلنة، ومحاربة تهريب الوقود بجدية، وإصلاح بنية الشركات النفطية الحكومية على أساس الكفاءة لا المحاصصة. كما يحتاج إلى تشريعات صارمة تحاسب هدر المال العام في هذا القطاع، وإلى إدارة مؤسسية مستقرة تضمن استمرار المشاريع وعدم توقفها بتغير الحكومات. غير أن العقبة الكبرى لا تتمثل في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على تنفيذها ومواجهة المصالح التي تستفيد من استمرار الخلل.
وقد اعتادت الحكومات المتعاقبة، عند كل أزمة، أن تلجأ إلى خطاب تبريري يحمّل المسؤولية لعوامل مثل ارتفاع الاستهلاك، أو موجات الحر، أو التهريب، أو صعوبة الاستيراد. ومع أن بعض هذه العوامل قد يكون حاضرًا، فإن استخدامها المتكرر لتبرير الأزمة يخفي السبب الأعمق، وهو فشل الدولة في إدارة ملف استراتيجي بهذا الحجم. فغياب المحاسبة الحقيقية، وعدم مساءلة المسؤولين عن الإخفاقات المتكررة، جعلا الأزمة تتجدد بلا ثمن سياسي أو إداري واضح. وفي النهاية، لا تمثل أزمة البنزين مجرد نقص في مادة وقودية، بل تكشف أزمة أوسع في بنية الدولة العراقية. فهي تعكس الفجوة الكبيرة بين الإمكانات الهائلة التي يمتلكها العراق والواقع المتعثر الذي يعيشه المواطن. فبلد يطفو على بحر من النفط، لكنه يعجز عن توفير الوقود لمواطنيه، لا يعاني من شح الموارد، بل من أزمة حوكمة وإدارة ومساءلة. وما لم تُعالَج هذه الأزمة من جذورها عبر إصلاح حقيقي وشجاع، فإن طوابير الوقود ستبقى تتكرر بوصفها دليلًا جديدًا على عجز الدولة عن تحويل ثروتها إلى خدمة عامة تليق بمواطنيها.



#أحمد_محمد_هاشم (هاشتاغ)       Ahmed_M._Hashim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فرضية سابر-وولف: اللغة سجناً للفكر
- كيف نردع إسرائيل؟ الخضوع العربي في ضل الهيمنة الصهيونية.
- المؤسسات التعليمية والتفكير النقدي
- الهرمية السلطوية في المؤسسات التعليمية
- جدلية الأعلام العربي وواقع المشهد العراقي


المزيد.....




- حزب الله يرفض اتفاق وقف إطلاق النار ويطالب بانسحاب كامل لإسر ...
- مجلس النواب الأمريكي يقر مساعدات جديدة لأوكرانيا وعقوبات على ...
- البعثة الأممية بليبيا تنفي وجود برامج لتوطين مهاجرين
- لأول مرة.. استطلاع يكشف تراجع شعبية نتنياهو أمام آيزنكوت
- في زيارة -نادرة-.. رئيس الصين يتوجه إلى كوريا الشمالية الأسب ...
- قدمته رشيدة طليب.. -النواب- الأمريكي يرفض مشروع قرار بشأن صل ...
- مقال في الغارديان: واشنطن وطهران تعتقدان أنهما تنتصران لكنهم ...
- بعد عقود من الانتظار.. هل يفتح لبنان مطاره الثاني في الشمال؟ ...
- ترامب: فكرة اجتماع بوتين وزيلينسكي أمر رائع
- بوتين يعتبر الاتهامات -سخيفة-.. وزيلينسكي يدعوه إلى مفاوضات ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد محمد هاشم - بلد المليون ازمة: ازمة البانزين انموذجاً