المناضل-ة
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 15:03
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
في المغرب، مع كل استحقاق انتخابي (انتخابات مقبلة في سبتمبر 2026)، يتجدد الحديث عن ظاهرة العزوف، وتتكرر الأرقام ذاتها تقريباً، ومثلها التفسيرات المعتادة: فقدان الثقة، وضعف الأحزاب، وابتعاد المواطنين عن العمل السياسي. غير أن هذا النقاش غالباً ما يتوقف عند حدود الظاهرة، بينما تكمن أهميتها الحقيقية فيما تكشفه عن التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع والحياة السياسية على حد سواء.
فالعزوف ليس مجرد موقف من الانتخابات، ولا رد فعل ظرفياً على أداء حكومة أو حزب بعينه؛ بل هو ظاهرة تراكمت عبر سنوات طويلة من السياسات التي أبقت القرار الفعلي بعيداً عن الرقابة العمالية-الشعبية، ومن الوعود التي لم تتحول إلى تحسين ملموس في ظروف العيش، ومن التفاوتات الاجتماعية التي استمرت في الاتساع رغم كل الخطابات الرسمية حول التنمية والإصلاح. لذا، ترسخت لدى قطاعات شعبية واسعة اقتناع بأن تعاقب الحكومات وتبدل الأغلبية والمعارضة لا ينعكسان على واقع الشغل والأجور والخدمات العمومية والحريات.
وقد تعزز هذا الشعور لدى قطاعات واسعة من المواطنين بفعل واقع اجتماعي يزداد قسوة عاماً بعد عام. فالبطالة، في المغرب، ما تزال تمس نحو 13% من السكان النشطين، بينما تبلغ مستويات أعلى بكثير وسط الشباب (أزيد من 37%) وحملة الشهادات (نحو 19%)، و20% لدى النساء، في حين يطال نقص التشغيل ما يقارب 1.2 مليون شخص. وفي الوقت نفسه يتوسع العمل الهش، وتتفاقم أزمات المدرسة العمومية والمستشفى العمومي، وتواصل موجات الغلاء استنزاف القدرة الشرائية للأسر الشعبية. وفي ظل هذه الأوضاع، يجد كثيرون صعوبة في الربط بين الوعود الانتخابية المتكررة وبين واقعهم اليومي الملموس، فتتسع المسافة بين السياسة كما تُقدَّم في الحملات الانتخابية والسياسة كما تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية.
ومع ذلك، يظل اختزال العزوف في فقدان الثقة بالمؤسسات قراءة ناقصة؛ فالمفارقة اللافتة هي أن تراجع المشاركة الانتخابية لا يعني تراجع الاهتمام بالشأن العام أو اختفاء الغضب الاجتماعي. فقد استمرت في غضون السنوات الأخيرة الاحتجاجات القطاعية والمهنية والمحلية، وتواصلت التعبيرات المختلفة عن السخط تجاه البطالة وغلاء المعيشة وتدهور الخدمات العمومية. وهذا يكشف أن الأزمة لا تتعلق بغياب المطالب الاجتماعية أو بانسحاب الناس من الاهتمام بالشأن العام، وإنما باتساع الهوة بين هذه المطالب وبين القنوات السياسية القادرة على تنظيمها وتمثيلها والدفاع عنها.
وتؤكد التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة هذه المفارقة بوضوح. فالفترة نفسها التي شهدت استمرار العزوف الانتخابي شهدت أيضاً أشكالاً متعددة من الاحتجاج الشعبي، من حراك الريف وجرادة إلى معارك الأساتذة المفروض عليهم التعاقد، وحراك التعليم، وطلبة الطب وغيرها من المعارك العمالية والاجتماعية. فبلد يضم أكثر من مليون ونصف مليون عاطل عن العمل، وتلامس فيه بطالة الشباب ثلث القوة العاملة الشابة وأكثر، ليس بلداً يعاني من نقص المطالب أو غياب أسباب الاحتجاج، وإنما من أزمة في تحويل هذا السخط الاجتماعي الواسع إلى قوة سياسية منظمة ودائمة.
هنا تحديداً تظهر الدلالة الأعمق للعزوف؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بأزمة ثقة في المؤسسات القائمة، بل بأزمة ثقة في البدائل المطروحة أيضاً. فحين يتسع السخط الاجتماعي دون أن تتسع في المقابل صفوف القوى القادرة على تأطيره وتنظيمه، وحين تتراكم أسباب الاحتجاج دون أن تتراكم بالوتيرة نفسها أدوات الفعل النضالي الجماعي، يصبح العزوف مؤشراً مزدوجاً: رفضاً للواقع القائم، وصعوبة في رؤية أفق سياسي قادر على تجاوزه.
ومن هذه الزاوية، يفرض العزوف على اليسار أن يطرح أسئلة تتجاوز نقد السياسات الرسمية وحدها. فالعزوف لا يقول شيئاً عن السلطة والمؤسسات فحسب، بل يوجه رسالة إلى القوى التي تدعي تمثيل مصالح العمال والكادحين والشباب؛ ذلك أن الاستياء الاجتماعي الواسع لا يتحول تلقائياً إلى وعي سياسي منظم، كما أن اتساع دائرة المتضررين/ت من السياسات المفروضة لا يقود بالضرورة إلى اتساع نفوذ القوى الساعية إلى تغييرها. فبين الأمرين تبرز مهمة التنظيم ورفع درجة الوعي وبناء الثقة وتطوير أدوات الفعل النضالي الجماعي.
ولا يمكن فصل هذه الأسئلة عن مسار تجارب قوى معارضة تاريخية (تجربة أحزاب الكتلة الديمقراطية)، خلال العقود الأخيرة، رفعت شعارات الإصلاح والتغيير وانتهت إلى مواقع التدبير الحكومي بحصيلة ملموسة كارثية بالنسبة للطبقات الشعبية المسحوقة. حصيلة خيبت التطلعات التي صاحبت ذلك التحول. هكذا، توسع الشعور بأن ما سمي “تناوبا توافقيا” سار على نفس السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي دمرت مكاسب تاريخية. وبالتالي صار العزوف أيضاً تعبيراً عن أزمة تمثيل سياسية راكمت أسبابها عبر الزمن، لا مجرد رد فعل ظرفي على استحقاق انتخابي بعينه.
ولهذا، يبدو النقاش الدائر داخل اليسار حول المشاركة والمقاطعة نقاشاً مشروعاً، لكنه لا يلامس دائماً جوهر المسألة. فالقضية الحاسمة لا تكمن في اتخاذ موقف مجرد من الانتخابات، وإنما في تحديد ما إذا كان هذا الموقف يساعد على بناء القوة السياسية العمالية-الشعبية المستقلة وتوسيع حضورها وتأثيرها داخل المجتمع. فقد تتحول المشاركة إلى مجرد اندماج في قواعد اللعبة القائمة، وقد تتحول المقاطعة إلى موقف احتجاجي معزول عن حركة الجماهير. وفي الحالتين يبقى السؤال نفسه مطروحاً: ماذا نكسب على مستوى تنظيم العمال والكادحين والشباب؟ وما السبيل لتغيير موازين القوى لصالحهم؟
أظهرت التجربة السياسية أثناء العقود الماضية حدود الرهان على المؤسسات، كما أظهرت حدود الاكتفاء بالوقوف خارجها. فموازين القوى لا تُصنع أساساً داخل البرلمان، وإنما تتشكل داخل المجتمع نفسه؛ في أماكن العمل، والنقابات، والأحياء الشعبية، والجامعات، والمدارس، والجمعيات، والحركات الاجتماعية، وفي كل الفضاءات التي يتكون فيها الوعي الجماعي وتتراكم فيها الخبرات النضالية وتنبثق منها أشكال المقاومة والتنظيم.
ومن هنا تبرز إحدى أخطر دلالات العزوف؛ فالفئات الشعبية الأكثر تعرضاً للاستغلال والتهميش والهشاشة هي نفسها الأقل حضوراً في مختلف آليات التأثير السياسي المنظم. والنتيجة أن اختلال موازين القوى الاجتماعية يستمر في إعادة إنتاج نفسه؛ فحين يغيب التنظيم العمالي-الشعبي القادر على تمثيل مصالح الأغلبية والدفاع عنها، تبقى الفئات المالكة للثروة والنفوذ أكثر قدرة على فرض أجندتها وحماية مصالحها، سواء ارتفعت نسب المشاركة أو انخفضت.
كما يكشف العزوف جانباً آخر من الأزمة يتمثل في حدود الهيمنة السياسية السائدة. فحين تتراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات والوعود المتكررة، وتتسع الهوة بين الخطاب الرسمي والتجربة الملموسة للمواطنين، يغدو صعبا إنتاج الاقتناع و”الاندماج السياسي”. غير أن هذه الأزمة لا تفتح الطريق تلقائياً أمام البديل؛ فالفراغ السياسي لا يدوم طويلاً، إذ قد تملؤه السلبية واللامبالاة والانكفاء على الهموم الفردية، أو قد تتقدم لاحتلاله قوى محافظة أو رجعية أو هوياتية تقدم نفسها بديلاً وتستثمر الغضب الشعبي لمشاريع لا تمس جذور الاستغلال والتفاوت الطبقي. بل إن غياب التنظيم العمالي والشعبي قد يسمح بإعادة توجيه هذا السخط ضد مصالح أصحابه أنفسهم، عبر تحويل الأنظار من التناقضات الاجتماعية الحقيقية إلى انقسامات دينية أو ثقافية أو هوياتية. وعندها تصبح مهمة بناء القوة العمالية والشعبية أكثر إلحاحاً وتعقيداً، لأنها لا تواجه النظام القائم وحده، بل تواجه أيضاً مختلف المشاريع التي تسعى إلى احتواء الغضب الاجتماعي وإعادة توجيهه بعيداً عن جذوره الطبقية والاجتماعية. لذا، فإن أزمة الهيمنة لا تتحول تلقائياً إلى فرصة للتغيير، بل تفتح ساحة جديدة للصراع حول أفق هذا التغيير ومضمونه الاجتماعي والسياسي.
وفي هذا السياق، تكتسب المرحلة المقبلة أهميتها؛ فالحملة السياسية المرتبطة بالانتخابات ينبغي ألا تُختزل في الدعوة إلى التصويت أو المقاطعة، بل هي مناسبة لطرح البديل الاجتماعي والديمقراطي، وإبراز مطالب الاستعجال الاجتماعي التي تواجهها الأغلبية الشعبية: الحق في الشغل، ومواجهة البطالة والهشاشة، والدفاع عن الخدمات العمومية، والتصدي لغلاء المعيشة، وتوسيع الحريات الديمقراطية… وهي أيضاً مناسبة للانخراط وسط الفئات الشعبية، والاستماع إلى مطالبها، وربط النضالات المتفرقة بأفق سياسي واجتماعي أشمل.
أما الرهان الحقيقي فيبقى أبعد من نتائج الاقتراع؛ إنه رهان بناء قوة عمالية وشعبية مستقلة، متجذرة في أماكن العمل والدراسة والسكن، وقادرة على التنظيم والتعبئة والدفاع عن مصالح الكادحين/ت المباشرة للكادحين، وحمل مشروع تغيير مجتمعي أوسع وأعمق. قوة تتجسد في الأحزاب المناضلة، والنقابات الكفاحية، والتنسيقيات الميدانية، والجبهات الاجتماعية الواسعة، والعمل الدؤوب داخل الأحياء الشعبية والجامعات والمدارس والجمعيات الثقافية والحقوقية…
وبهذا تحديداً يستعيد النقاش حول المشاركة والمقاطعة معناه الحقيقي؛ فالموقف الانتخابي، أيّاً كان، لا يكتسب قيمته من ذاته، وإنما من موقعه داخل استراتيجية أوسع هدفها بناء التنظيم والوعي والكفاح الجماعي. فالتغيير لا يُقاس بعدد المقاعد التي يجري الفوز بها أو عدد الصناديق التي يجري هجرها، وإنما بمدى تقدم الطبقة العملة والطبقات الشعبية المقهورة على طريق التحول إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على الدفاع عن مصالحها وفرض مطالبها وصنع مستقبلها بنفسها. فحين تعجز الأغلبية الشعبية عن تنظيم نفسها، تبقى موضوعاً للسياسات التي يضعها الآخرون، وحين تنجح في بناء أدواتها المستقلة، تتحول إلى فاعل قادر على تغيير موازين القوى وفتح أفق ديمقراطيا واجتماعيا أرحب.
#المناضل-ة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟