أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - مسلم عقيل - أيلي وحسن














المزيد.....

أيلي وحسن


مسلم عقيل

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 08:18
المحور: السياحة والرحلات
    


طفولتنا هي أول محطةٍ للحياة، التي انطلق منها قطار العمر.

في إحدى سنين طفولتي، كنتُ صديقًا لفتاةٍ منزلها قريبٌ من المحلة التي أسكن فيها. كنا في الصباح نذهب يوميًّا معًا إلى المدرسة. كانت أيلي صديقتي المقرّبة تنتظرني دائمًا عند خروجها من المدرسة لنعود معًا إلى المنزل.

عند عودتنا كنا نحاول، أنا وأيلي، حلَّ لغز مكعب روبيك، فكلٌّ منا كان يحاول مراتٍ كثيرة حتى يفقد الكثير من الدقائق من عمره وهو يحاول حلَّه.

وفي صباح اليوم التالي، مررتُ بمنزل أيلي متأخرًا وأنا أطرق الباب سريعًا مناديًا: "هيا يا أيلي، أسرعي، لقد تأخرنا عن الدرس الأول". فسارعنا إلى المدرسة راكضين على أقدامنا، لأننا لم نكن نملك المال للذهاب في الحافلة.

وصلنا متأخرين، وقد فاتتنا الحصة الأولى، ولم يستقبلونا بسبب التأخير، فعاقبونا ليومٍ كامل. عدنا أنا وصديقتي حزينين نتحدث مع بعضنا: ما ذنبنا؟ هل عدم امتلاكنا للمال شيءٌ سيئٌ إلى هذا الحد؟ أم أن المحطة التي لا تستقبل ركابها بسبب عدم امتلاكهم المال هي الأكثر سوءًا؟

وقد توقفتُ هنا قليلًا عن السير بالقرب من سكة القطار التي تقع قرب الشارع الخلفي للمدرسة، وبدأتُ أنظر إلى الركاب وهم يحملون نظرةً غريبةً لنا، وكأننا لم نستحق أن نحصل على مقعدٍ برفقتهم.

ثم أكملنا طريقنا إلى المنزل، أنا وأيلي. وعندما وصلتُ إلى المنزل جلستُ أحدث نفسي بأنني قد تلقيتُ الدرس الأول، وهو أن الحياة بلا مال تجعل كثيرًا من الدروس التي تأتي بعدها بلا جدوى.

فقررتُ حينها أن أترك الدراسة، وأبدأ بالعمل، وأعتمد على نفسي، حتى وإن كنتُ صغيرًا؛ فهذا لا يعني أنني غيرُ قادرٍ على تحقيق أحلامي.

ذهبتُ إلى بيت صديقتي وتكلمت معها برغبتي أنني أرغب بترك الدراسة، وأريد أن أحصل على عملٍ حتى أستطيع مقاومة الفقر الذي يرافقني منذ الصغر. فبعد أن عجزت عن إقناعي بعدم ترك الدراسة، تحدثت مع والدها لكي يصطحبني معه إلى المدينة حتى أقوم بالعمل معه في الفندق. فوافق والد أيلي وأخذني معه للعمل.

بدأتُ العمل، واستمررتُ في عمل الفندق حتى مرَّت ثلاث سنوات وأنا أعمل مع والد أيلي في الفندق. وفي إحدى الليالي، عند طريق عودتي من المدينة إلى البيت، بدأتُ أفكر في السفر. أصبحت هذه الأفكار تراودني كثيرًا: لم لا أسافر وأنا وحيدٌ هنا؟ ما الذي أخسره وأنا لا أملك شيئًا غير حقيبتي؟

عدتُ إلى المنزل والتعب قد أهلكني، فذهبتُ إلى السرير لكي أستريح قليلًا. وحينما استيقظتُ في الصباح كنت قد اتخذتُ قرارًا بفكرة السفر. يجب أن أسافر، فغيّرتُ ملابسي.

وذهبتُ إلى بيت صديقتي لكي أخبرها بأنني قد قررت أن أسافر. صُدمت أيلي بالخبر وتفاجأت: "ماذا تقول أنت يا حسن؟ لقد تركت الدراسة وذهبت للعمل من أجل أن تجمع المال وتسافر وتترك كل شيء خلفك، أم ماذا؟"

لقد قمتُ باحتضانها وهمستُ بأذنها بصوتٍ هادئٍ: "عزيزتي، يجب عليَّ أن أسافر، أرجوكِ أن تتفهمي أمري."

بكت أيلي وتعانقنا بشدة. كانت تظن أنه الوداع الأخير. لم يكن هناك لقاءٌ قريب بعد أن ودعنا بعضنا، والحزن مرسومٌ على جباهنا.

ذهبتُ إلى البيت، وأحضرتُ كل ما أحتاج إليه من أغراضي الخاصة، وبدأتُ رحلتي بين محطةٍ وأخرى، وغربةٌ بقلبي توهجت.

حينها أدركتُ أن قطار العمر قد سار مسرعًا بي بين طفولةٍ وشبابٍ ضاعا من يدي، وصديقةً فقدتُها في غربتي.

وبعد مرور ثلاثة أيام من الرحلة، وصلتُ متعبًا إلى أوروبا. كان هناك صديقٌ ينتظرني، وقد جهز لي عقدَ عملٍ لكي أحصل على إقامةٍ. بدأتُ حياةً جديدةً، وفي أول يومٍ وصلتُ فيه إلى أوروبا كانت الوجوه غريبةً لم تكن مألوفةً إليَّ.

لقد عملتُ في شركةٍ للسفر والسياحة، واستمررتُ في هذا العمل خمسةَ أعوام. حينها قمتُ بشراء منزلٍ صغير، وسيارةٍ أذهب بها إلى العمل. أصبحت حياتي هنا تسير بشكلٍ جيد، لكن ما زلتُ وحيدًا في هذا البلد.

وطوال الفترة التي أعمل بها في الشركة، كنتُ أحدق كثيرًا في وجوه الناس، متأملًا رؤيةَ مَن اشتقتُ إليهم في غربتي. كنتُ قليلَ التواصل مع أيلي بسبب ظروفي التي أمر بها وحيدًا.

أخبرتني أيلي بأنها قررت أن تتزوج يوم الأحد المقبل. حينها أصابني بعض الحزن؛ فصديقةُ طفولتي لم أستطع الحضور في زفافها.

والآن، بعد أن أدرك حسن أن الحياة قد تغرَّبت به، وأن صديقته أيلي تزوجت، أيقن أن الحياة عبارةٌ عن دروس، وثمنُ هذه الدروس ما نُفنيه من أعمارنا.

فالطفولةُ هي أجملُ محطةٍ في قطار العمر، فلولاها لشاخ بنا الزمانُ سريعًا. وحزنت أيلي كثيرًا على صديقها الذي سارع في اجتياز أولِ محطةٍ في حياته، ليصبح وحيدًا في غربته.

[رواية قصيرة عن الطفولة، والفراق، والغربة.]



#مسلم_عقيل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا أحلم إذن أنا حي
- زورقٌ من خيال
- إلى قرة عيني
- أنيسة الغربة
- إلى أحرار العراق


المزيد.....




- صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
- الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة ...
- روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
- -الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني ...
- قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م ...
- ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا ...
- حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا ...
- تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
- الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
- وزارة الصحة  الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس ...


المزيد.....

- قلعة الكهف / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - مسلم عقيل - أيلي وحسن