نورالدين الطويليع
الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 06:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يقتضي الهدف الإقناعي الذي تسعى إليه الدعاية توظيف خطاب مؤثر اعتمادا على لغة مفهومة وبسيطة، تحمل معانيَ قوية قادرة على تحريك الجماهير وبث الحماس فيها ودفعها إلى الفعل الذي يحرض عليه الدعائي، يقول فريدريك نيتشه بهذا الصدد: "اللغةُ جيشٌ متحركٌ من الاستعارات والكنايات والتشبيهات المجسَّمة" .
ويعمد الدعائيون في سياق عملهم الدعائي إلى استعمال لغة مؤثرة، مع الحرص على تضمينها بعض الغموض الذي يمنحهم فرصَ المناورة، ويجعل الأفق مفتوحا، ويدخل في هذا السياق كذلك الاكتفاء بإظهار جانب من الحقيقة، وإخفاء بعض المعلومات، أو كشف أجزاء منها فقط، بما يخدم هدفهم في توجيه الرأي العام وضبط إيقاعات استجاباته، كما تقتضي البلاغة الدعائية العمل على إعادة صياغة الأحداث والوقائع في إطار يجعلها في خدمة الفاعل السياسي.
نتناول في هذا السياق مقطعا من برنامج "مع الرمضاني" بثت القناة الثانية حلقته يوم الأربعاء 27 ماي 2026، واستضاف فيه الإعلامي "رضوان الرمضاني" كريم زيدان وزير الاستثمار وانتقائية السياسات العمومية، ويرتبط هذا المقطع بإجابة الوزير عن سؤال سبب اختياره الترشحَ في إقليم اليوسفية للانتخابات التشريعية رغم أنه ينتمي إلى منطقة سوق أربعاء الغرب البعيدة جغرافيا عن هذا الإقليم، ونتساءل:
إلى أي حد كان الوزير مقنعا في خطابه الدعائي؟
هل كانت اللغة الموظفة مناسبة للمقاس الدعائي؟
ما الاستراتيجيات الموظفة في خطاب الوزير؟
هل كان للتمويه البلاغي حضور في هذا الخطاب؟
ما التوجيه الحجاجي الذي مارسه الباث من أجل ضمان إذعان الجمهور؟
كيف يمكننا التمييز بين الخطابي والجماهيري في خرجة الوزير؟
نشير بداية إلى أن المتحدث ارتأى أن يوظف لغة مؤثرة ذات طابع عاطفي، يرتبط بالوطنية وحب الوطن وخدمته، وهو يسعى من وراء هذا التوجه إلى طمأنة المتلقين وضمان حجز مساحةِ قبولٍ لديهم، وهذه من سمات الخطاب السياسي الدعائي الذي يتسم بالتلاعب اللغويManipulation Linguistic)) المُؤَسَّسِ على توظيف"الإحالات والتضمينات والأفعال والصفات، واستخدام أو إنتاج عبارات يمكـن مـن خلالها التلاعب بأفكار الجمهور أو المتلقين" ، وبواسطة هذا التلاعب الذي انتقى فيه المتحدث كلماته وحددها، تأتى له أن يذهب بعيدا في خطابه الدعائي، وأن يتنصل من كل ما من شأنه أن يورطه في الحديث عن الخصوصيات اليوسفية، وما يرتبط بها من إكراهات ومسؤولية حكومية جسيمة.
ونستعرض بعجالة في ما يلي بعض الاستراتيجيات الحجاجية التي استعان بها لتحقيق مبتغاه الدعائي، وَوَضَعَ لَبِنَاتِ التواصلِ الأول مع ناخبين، لم تربطه بهم أي صلة من قبل.
1ـــ استراتيجية ممارسة التأثير العاطفي بانتقاء الكلمات
استغل المتحدث فرصة مروره في هذا البرنامج الحواري، وسعى إلى استثمارها دعائيا من أجل التأثير العاطفيً في المتلقي من خلال تصوير عملية الترشح بوصفها خدمة للوطن، تتساوى في ذلك كل مدن المغرب وأقاليمه وجهاته، واستجابة للتوجيهات الملكية الرامية إلى خدمة كل التراب الوطني، هنا تستعين الذات المتحدثة بخاصية الانتقاء الحجاجي، فالترشح والبحث عن مقعد برلماني وإضافة رقم إلى حصيلة حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يراهن على ضمان قيادة الحكومة من جديد، كلها أمور غُيِّبَتْ وجرى شطبها، لتغيب معها المصلحة الشخصية، وتظهر بالمقابل صورة سياسي، يقدم نفسه متطوعا لخدمة قطعة من الوطن... تتجه هذه الانتقائية إلى التضليل، وتتجه إلى إخفاء حقائق أساسية بهدف توجيه القناعات، وتعتمد على الشحن العاطفي المكثف، مع حرص واضح على تجنب النقاش العقلاني المعقد (التهرب من الإجابة الواضحة والصريحة عن سؤال (علاش اختاريتي اليوسفية؟).
يبدو جليا في سياقٍ هذه سماتُه ميلُ المتحدثِ إلى استغلال التحيزات المسبقة للجماهير التي تستهويها كلمة "خادم"، وترى في صاحبها النموذج والمثال الذي يخالف ما ترسخ في أذهانها من تمثلات سلبية عما يمكن أن يجنح إليه المرشح الانتخابي من ميل إلى خدمة مصلحته الشخصية والانصراف عن هموم المواطنين، فهذه الكلمة الفضفاضة تُجَمِّلُ صورةَ صاحبها دون أن تكلفه دفعَ فاتورة تحققها مستقبلا، فإذا كان الأثر المطلوب المتمثل في الإذعان آنيا، يحصل عليه الخطيب لحظة التلفظ بالخطاب، فإن الوعد المقدم لا يشكل أي ضغط على صاحبه، ولن يُظهرَهُ مستقبلا بمظهر الناكث لوعده إن هو أخل بها، لأنه لم يقدم وعدا ماديا مرتبطا بالتنمية، تُجلي الأيام مدى صدقيته، وإنما هو كلام عن الذات، يمكنه أن يكرره كلما التقى بمخاطَبيه، ويمكن أن يجني في كل لقاءٍ التصفيقَ والمدح والثناء، ويعود السبب في هذه المساحة المريحة للذات إلى الاختيار الحجاجي المبني على الغموض والتخلص من الإطار الضيق والواضح والإجرائي للوعديات القابلة للقياس ومدى التحقق، يقول غوستاف لوبون: "إن قوة الكلمات مرتبطة بالصور التي تثيرها، وهي مستقلة تماما عن معانيها الحقيقية. والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكل دقيق هي التي تمتلك أحيانا أكبر قدرة على التأثير والفعل" ، ويستدل غوستاف لوبون على ذلك بكلمات من قبيل: ديمقراطية ــــ اشتراكية ــ مساواة ــــ حرية... "فمعانيها من الغموض بحيث إننا نحتاج إلى مجلدات ضخمة لشرحها. ومع ذلك فإن حروفها تمتلك قوة سحرية بالفعل، كما لو أنها تحتوي على حل لكل المشاكل" ، وهذا ما نلمسه في خطاب الباث الذي كرر كلمات الوطن ــ بلادنا ــ نخدم البلاد، وأعفى نفسه بالمقابل من أي وعد مادي ملموس.
يتجلبب هذا التوجه بالمصلحة الوطنية، ويُبْعِد المصلحة الذاتية ويلغيها إلى الحد الذي يوهم المتلقي أنه يستمع إلى متطوع بمواصفات وطنية استثنائية، تدفعه إلى الترشح، وتحفزه على ركوب موجتها لأجل الوطن، لا لأجل الذات، بل إن الذات يُختار لها أن تكون صاحبة رسالة وهدف نبيلين، لا علاقة لهما بالمقعد الانتخابي، وهذه الوظيفة التمويهية تكفلها اللغة التمويهية، وتضمن تحققها بنسبة نجاح عالية، محققة بذلك وظيفة التلاعب العاطفي Affective Manipulation)) بالجماهير، وحملها من ثمة على الإذعان والدخول في جمع الحشود، لأن "التلاعب في الخطابات السياسية لم يختفِ من المجال العام الديمقراطي، إلى درجة، يُمكن اعتباره معها جزءًا جوهريًا منه" ، وهذا التلاعب هو الذي حذا بالوزير إلى الاستعاضة عن كلمة الترشح بكلمة الخدمة في إطار ما يسميه محمود أمين العالم "الإزاحة الأيديولوجية والإسقاط الأيديولوجي" .
2 ـــ استراتيجية التكيف مع الفئة الناخبة
وفي هذا السياق يقول كل من بيرلمان وتتيكا: "يجب أن تصمم الحجة الفعالة حسب الجمهور المفترض(...)، قد تؤدي صورة غير مناسبة للجمهور، سواء نتيجة للجهل أو لظروف غير متوقعة، إلى عواقب سيئة للغاية...، لذلك، تُعَدُّ معرفة الجمهور الذي نرغب في كسبه شرطًا أساسيًا لكل حجة فعالة" ، وهذا معيار حجاجي، يجعل اللغة في خدمة الخطاب وخدمة مرسله، استند إليه المتحدث واعتمد عليه، لرغبته الأكيدة في الإقناع والتأثير، وتحقيق التوافق مع الجماهير، ويبدو هذا الاختيار في تقديم الوزيرِ نفسَه بوصفه "يتيم الأبوين"، مع ما يرتبط بذلك من معاني الحرمان والمعاناة من قسوة الحياة وشظف العيش، وهو يراهن بهذا التوجه على تحقيق التماهي مع ناخبيه الذين تعاني أغلبيتهم الساحقة من الفقر والحرمان، وقد يعمد إلى المقارنة بين هذا المرشح اليتيم، ومرشحيهم المعروفين بغناهم ووضعهم الاجتماعي المتميز، وإذا انضاف هذا الإحساس إلى وصف الخادم الذي حرص الوزير على ربطه بنفسه، فإن هذا من شأنه أن يقوي الحضور الدعائي للذات المتحدثة، ويجعلها متماهية مع واقع إقليم، يَطَّرِدُ وصفُهُ باليتيم، وَوَصْفُ عاصمتِه ب "يتيمة المدائن" في مواقع التواصل الاجتماعي.
ننوه إلى أن هذا الاستدعاء لم يكن اعتباطيا، وقد مارس فيه الباث تمويها بلاغيا، خالف فيه اللغة عن قصد وسبق إصرار، فاليتيم لا يسمى كذلك إلا إذا فَقَدَ والدَه وهو لم يصل بَعْدُ إلى سن الرشد ، وهذا لا ينطبق على الوزير الذي توفي والدُهُ بعد سنوات من سفره إلى الخارج، وقد عمد إلى تقمص صفة اليُتْمِ من أجل رسم إيتوس، يلائم طبيعة الفئة المستهدَفَة ويستهويها، ويضعها في دائرة التأثير والإذعان.
يمكن موضعة هذا التوجه في وصف الذات باليُتْمِ في دائرة تقنية الكبح الحجاجية التي تمنع انصراف خيال الجماهير إلى الربط بين مهمته الوزارية، وبين ما يرتبط بها من غنى ويسر، ليزول التمثل، وترسخ في الذهن صورة اليتيم، وغايته الخطيب الحجاجية هي دعوة الجماهير إلى الخضوع له والإعراض عن الآخرين، وهي دعوة يمكن اختزالها كالآتي: اتبعوني أنا اليتيم الذي يلتقي وإياكم في دائرة اجتماعية واحدة، ولا تتبعوا غيري ممن تعرفون ترفهم ونفوذهم الاجتماعي والسياسي، وهنا تبدو مساحة الخطاب التلاعبية واسعة في كلام المتحدث الذي يسعى إلى صناعة وعي معلب، يتحكم فيه ويوجهه، اعتمادا على معرفته بميولات المخاطَبين وأسلوب تفكيرهم، وهذا ما أشار إليه "ميشيل مايير" بقوله: "القدرة على الحجاج بأسلوب جيد، ومن ثَمَّ الإقناع، تتطلب معرفة ما يحرك الشخص الذي نتحدث إليه؛ أي ما يثير مشاعره" .
3 ــــ استراتيجية رسم إيتوس الذات المتشبعة بقيم المواطنة والولاء
يقول محمد مشبال: "أهمية الإيتوس تتضاعف أكثر في الحقل السياسي، وآية ذلك أن الخطيب الأكثر إقناعا وتأثيرا في هذا الحقل ليس هو الأكثر حشدا للحجج والبراهين، وإنما هو الأقدر على بناء صورة جيدة لذاته، تجذب العقول وتأسر القلوب، وتجعل الآخر منقادا لِعَظَمَةِ هذه الذات وطريقتها في التقديم والإقناع" ، وقد اعتمد الوزير في هذا السياق على ما يسميه "توين فان دايك" ب "استراتيجية تقديم النفس إيجابا" ، وجعل من مسألة ترشحه بإقليم اليوسفية حدثا جديرا بالاهتمام، قدم فيه ذاته تقديما يخدمها، ويرسم عنها صورة إيجابية، تُبْعِدُ عنها أي اتهام بالرغبة في انتقاء المكان لوجود حظوظ وافرة أو غير ذلك في انتزاع المقعد البرلماني: "شوف، اللي عاش 35 سنة خارج أرض الوطن ما تيبقاش يفرق ما بين سوق لاربع، ولا ما بين الرباط، ولا طنجة، ولا زاكورة، ولا جرسيف، ولا تاشي حاجة، تيولي يفكر في المغرب، أنا تنفكر في المغريـــــــــب، ملي تنوصل لطنجة تنحس براسي دخلت لبلادي"
حرص المتحدث على حشد عناصر دعائية وحجاجية متنوعة في سياق الترويج للذات المتشبعة بقيم الوطنية وحب المغرب حرصا منه على تماسك خطابه ونجاعته، ومن أبرز العناصر الموظفة بهذا الصدد نذكر ما يلي:
أ ـــ استراتيجية لعبة الأرقام (35 سنة خارج أرض الوطن)
هذه الاستراتيجية يسميها "فان دايك" ب"الاستراتيجية الحقائقية" ، وهذا الرقم يعزز إيتوس الذات الخبيرة المتمكنة من التكنولوجيا الغربية، ويساعدها في تبرير أحقيتها بالمقعد الانتخابي، ويغري الناخبين بالتصويت عليها طمعا في استفادة إقليمها من خبرتها التي صقلتها عقود من العمل بالخارج، ولا تخلو هذه الاستراتيجية من تعريض بالمنافسين، بوصفهم مرشحين يفتقدون إلى هذه التجربة، كما تتضمن مقارنة ضمنية، تسعى الذات إلى أن تظفر فيها باستقطاب الناخبين، ولسان حالها يقول: أنا بحكم هذه التجربة أنظر إلى المغرب بعين واحدة، والآخرون يفتقدون إلى هذه الرؤية، ولا يخرجون عن نطاق الانتماء الجغرافي الضيق، يقول "فان دايك" في هذا السياق:"عادة ما تتحد استراتيجية تقديم النفس إيجابا باستراتيجية تقديم الآخرين سلبا، أو استراتيجية الانتقاص من الآخرين ضمن الخطاب السياسي وصنوف الخطابات الأيديولوجية الأخرى" .
ب ـــ استعمال ضمير المتكلم (أنا تنفكر في المغريـــــــــب)
نؤكد بداية على القيمة الحجاجية للضمائر، فهي "ليست مجرد نيابة نحوية، بل هي أصوات حجاجية تُؤَمِّنُ التفاعلَ والاختلاف والانسجام بين المواقف في الخطاب الحجاجي" ، ويعد ضمير المتكلم أقواها وأكثرها حجاجية في السياق الذي نتحدث عنه، فهو ضمير حضور، يتيح للمتحدث إثبات ذاته والدفاع عن وجهة نظره وفرض وجوده، يقول محمد زهير:"اختيار الضمير ليس مجرد استعمال لصيغة لغوية، ولكنه اختيار لصياغة موقف والتعبير عنه...موقف يهم القائل ويرغب في تصريفه إلى الغير" ، فعبارة "أنا تنفكر في المغريـــــــــب" تحقق للشخصية وجودها، وتمنحها السطوة والتحدي، فالمد الحجاجي الذي وظفه الوزير وهو ينطق بكلمة المغرب، اتساقا وانسجاما مع كلمة "أنا" يخدم هدفه الانتخابي مشروعه الدعائي، بوصفه مرشحا يحمل بعدا نظريا يتجاوز النظرة الضيقة المنحصرة في دائرة الانتماء الضيقة "فألف المدّ التي ينتهي بها الضمير" أنا" يترافق نطقها مع رفع الرأس" في مقابل الضمير "أَنْتَ" الذي يفتقد إلى هذا المد، "مما يعني إبقاء الآخر في حالة أدنى من حالة الأنا". يحيلنا هذا التقابل بين الضميرين إلى الثنائية الضدية الضمنية التي تضمنها هذا المقطع من حوار الوزير، فقد حرص على تأكيد حضور الذات، واستغل المناسبة ليموضعها في دائرة القبول، ويُخرج المنافسين من هذه الدائرة، وكلمة التفكير هنا تحيل على الانشغال والاهتمام، وقد وردت بصيغة المضارع الدال بدوره على الحضور والاستمرارية، وهذه رسالة مشفرة إلى المنافسين، ودعوة مكشوفة للمواطنين من أجل التصويت عليه، ويمكن تجسيد هذه الرسالة في القياس المضمر الآتي: ــــ أنا الوزير كريم زيدان "تنفكر" في المغرب ــ من يفكر في المغرب يحتاج إلى من يُدَعِّمُهُ ليستمر في خدمته ـــ إذن من واجبكم أن تصوتوا عَلَيَّ، وإلا فإنكم ستكونون ضد المغرب وضد خُدَّامِهِ.
وتتضح معالم هذا التوجيه الحجاجي المؤسَّسِ على التمويه البلاغي من قِبَلِ الوزير في ردف كلامه السابق بالنفي "راه ذيك العصبية القبلية ما قابلينهاش"، استدعاء النفي هنا يُبَئِّرُ الثنائية الضدية (أنا وطنيٌّ، أنظر إلى المغرب بعين واحدة، والمنافسون محكومون بالعصبية القبلية)، ويُثَبِّتُ حضور الذات في مقابل إقصاء الآخر، وغاية المتحدث من هذا الحشد اللغوي هو التحكم في وعي الجماهير وتوجيهها الوجهة التي تخدم مقاصده، فالنفي الذي يعده بيرلمان "ردا على إثبات فعلي أو محتمل حصوله من قبل الآخر" يعد"عاملا حجاجيا يحقق به الباث وظيفة اللغة الحجاجية المتمثلة في إذعان المتقبل وتسليمه عبر توجيهه بالملفوظ إلى النتيجة ن" .
هذا الحضور للنفي في سياق الإثبات يدخل في ما يسمى "حجة من باب أولى" في إطار توجيه دعائي، مشدود بثنائية الهدم والبناء، فالنفي يتأسس على هـدم الفكرة السائدة (التصويت لصالح ابن المنطقة)، وتشييد فكرة جديدة على أنقاضها (التصويت لمن ينادي بفكرة الوطن)، وهنا يحضر القياس المضمر كذلك، ويمكن تأويله كما يلي:
ـــ المقدمة الكبرى: خدمة الشعب والوطن تحتاج إلى الروح الوطنية التي لا تميز بين منطقة أو أخرى من مناطق المغرب.
ــــ المقدمة الصغرى: العصبية القبلية لا تحقق هذا المبتغى.
ــــ النتيجة: ضرورة التصويت على من يتوفر فيه شرط الخدمة الوطنية.
وقد لجأ المتحدث، من أجل تثبيت النتيجة، إلى الاستدلال عليها بواسطة المثال، وهي حجة "يؤتى بها لتأكيد الفكرة المطروحة، أو لدحض خلاف بارز أو متوقع البروز في إحدى الفرضيات الحجاجية ، فاستدعاؤه للجندي الذي يدافع عن الوطن، ووسمه إياه بالشهم يحقق رغبته الدعائية "ذاك الشهم اللي تيدافع على الحدود المغربية، القوات المسلحة المغربية، واش هو من تلك الجهة اللي واقف فيها وتِيحْمِي البلاد؟ حتى هو غاتلقاه جاي من الخميسات، ولا من سوق لاربع، ولا من طنجة..."، يسعى المتحدث بضربه لهذا المثال المتمثل في حماية الجندي المغربي لحدود وطنه، وتجنده للدفاع عن الحمى رغم انحداره من مناطق بعيدة إلى لفت الانتباه إليه، وعقد علاقة مشابهة بينه وبين هذا الجندي، واكتساب صفة "الشهم" بناء على ذلك، ولتوضيح هذا التوجه نقدم الخطاطة الآتية:
لازم ضرورة التجند لخدمة الوطن اقتداء بالجندي دلالة وضعية
يستلزم التخلي عن فكرة العصبية القبلية
ملزوم التصويت لمن وضع نفسه موضع هذا الجندي دلالة استدلالية
فالمسار الاستدلالي الذي سلكه الباث لا يخلو من غايات حجاجية، كما هو موضح في هذه الخطاطة، وتتويجه بالتمثيل الذي يعد وجهُ الشبهِ فيه عقليا، يجعل المتلقي مسلما بالفرضيات المقدمة، اعتمادا على ما يلمسه من دقة الاستدلال بالتمثيل الذي يؤدي "دورًا هامًا في الحجاج بسبب المعاني التي يولدها انطلاقا من المشابهة، كما يسمح بتنظيم الموضوع ووضعه في إطار مفاهيمي" محدد، يضفي على الموضوع دلالات جديدة، لم يكن ليكتسبها في الحالة الانفرادية، وهذا مظهر آخر من مظاهر المناورة الخطابية المعتمدة على دمج عناصر الحجاج العقلي في الخطاب الاستهوائي، واتخاذه دعامة مكملة للخطاب العاطفي.
وخلاصة هذا التوجه يمكن إجمالها في رغبة المتحدث في إقناع المخاطَبين بأنه "شهم" قياسا على شهامة الجندي للقاسم المشترك بينهما، المتمثل في اختيار منطقة غير مسقط الرأس للدفاع عنها، ف"الاستدلال بواسطة التمثيل إنما هو بناء بنية واقعية، تسمح بإيجاد أو إثبات حقيقة بفضل تشابهٍ في الصلات" ، وهذه مناورة خطابية يروم صاحبُها تعزيز إيتوس الإنسان النبيل الحريص على وطنه، واستبعاد فكرة الترشح والانتخابات والرغبة في الظفر بالمقعد الانتخابي من أذهان الناخبين، ليسهل إدخالهم ضمن الحشد بناء على تمثل صورة مميَّزَةٍ له، ف"لأن الإيتوس صورة يبنيها المتلقي للكاتب انطلاقا من الخطاب" ، فإن المخاطَبين سيتكفلون ببناء صورة السياسي الوطني، ويستدعون اعتمادا عليها كل قيم الوطنية، ويصدرون عنها في اتخاذ الموقف الذي يرونه مناسبا تجاهه، فالإيتوس "يُبنى بواسطة المستمع الذي يعزو هذه الصفة الأخلاقية أو تلك إلى الخطيب بناء على دلائل نصية" .
وقد استعان المتحدث لتأكيد أطروحته بحجة السلطة التي "تُسْتَثْمَرُ فيها هيبة شخص أو مجموعة أشخاص لدفع المُخَاطَب إلى تبني دعوى ما" ، وتظهر معالم هذه الحجة في استدعاء جلالة الملك: "سيدنا، الله ينصرو، عاطينا واحد الإطار، نخدمو البلاد، ما قالش نتا وزير سير خدم سوق لاربع، ولا انت الوزير الفلاني اخدم المنطقة ديالك"، هنا يبلغ الحجاج مداه، وتتجه المناورة الحجاجية إلى إحكام القبضة على المُخاطبين المعنيين بالتصويت، فالسلطة المستَند عليها تضعهم في دائرة ضيقة، يمكن تأويل معناها كالآتي: أنا أخدم الوطن استجابة للرغبة الملكية، واختياري إقليم اليوسفية نابع من حرصي على تطبيق التوجهات الملكية وتنزيلها على أرض الواقع، فعليكم أن تنخرطوا بدوركم في هذا التوجه، وتصوتوا عليَّ، حتى لا تكونوا خارج الرؤية الملكية.
ومن شأن هذه المناورة البلاغية أن تضع المخاطَبين في دائرة الإقناع الضيقة التي تفضي بها إلى الإذعان والخضوع، ف"لإقناع المخاطَب، ينبغي وضعه في موقع؛ بحيث يجد نفسه أمام استحالة رفض ما يعرض عليه من مقترحات. وللمصادقة على هذه الاستحالة، ينبغي أن تكون المقترحات قريبة قدر الإمكان من رأي عام معين، يتخذ في أغلب الأحيان صيغة توافقية للرأي السائد" .
وقد دعم المتحدث كلامه بالاستفهام الإنكاري قائلا: ""هذاك اللي هاز وتيدافع على الحدود ديالنا، تيدافع على المغرب، وجالس في ظروف صعبة، وبعيد على البلاد ديالو... كذلك رجال الأمن، وِجِي وزير يقول لك خاصني نمشي لْمْدِينْتِي؟"
ويؤدي الاستفهام في هذا السياق وظيفة الحجة التي تبدو أكثر إنجازية وقدرة على الإقناع من استعمال الأسلوب الخبري المباشر، كأن يقول: "الوزير مثله مثل الجندي ورجال الأمن يخدمون الوطن بغض النظر عن الانتماء الجغرافي"، فتوظيف الاستفهام الإنكاري يأتي في سياق الصورة الذاتية وربط الاستجابة بالإثارة، وتحويل السؤال ومتعلقاته إلى جواب مفحم، يبئر صورة السياسي المتشبع بخدمة وطنه، المنكر لتخلف الوزير عن هذه الخدمة في صورتها الشاملة ، وهو يسعى بذلك إلى حمل المخاطب على الاقتناع بدعايته، واستدراج الناخب إلى دائرة الخضوع والإذعان، فهذا المنحى الاستفهامي "يدعم العملية الإقناعية، كونه يعلي من شأن المتكلم...، فيكسب الخطاب مصداقية ونجاعة، ويحمل المخاطب على تصديق ما جاء به" .
ونتساءل هنا: هل توفق الوزير في خرجته الإعلامية؟ وإلى أي حد استطاع أن يرسم إيتوسه في مخيال المواطن اليوسفي؟ وهل هذا الخطاب يلائم طبيعة تفكير هذا المواطن ونفسيته؟
4 ـــ حديث الوزير بين الخطابي والجماهيري
يمكننا أن نقول إن الوزير استطاع أن يؤدي مهمته الدعائية بكثير من النجاعة من الناحية الخطابية، فقد حرص على حشد عناصر دعائية وحجاجية متنوعة، فبالإضافة إلى الموجهات الإثباتية، وظف التكرار وانتقاء الألفاظ والمبالغة، وَرَبَطَ السبب بالنتيجة، حرصا على تماسك خطابه ونجاعته، ونَحَتَ إيتوسَه بمختلف أدوات "التجميل السياسي"، واستعان بخطاب عاطفي من أجل ترسيخ صورته التي أراد لها أن تكون مميَّزَة.
أما من الناحية الجماهيرية فقد ابتعد الوزير كثيرا عن مبتغاه، وأخفق في تحقيق نصر دعائي، من شأنه أن يجلب للذات غنائم الحشد الجماهيري، لأنه تحدث بكلام عام مُوَجَّهٍ إلى النخبة، وهذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر في الميزان الجماهيري إذا قِسْنَاه باستجابات المواطن اليوسفي الذي يحتاج إلى من يدغدغ مشاعره بالحديث عن تهميش المنطقة وحرمانها من العدل المجالي، وعدم تمكينها من استكمال شروط بناء إقليم، مَرَّ على إنشائه عقد ونصف، دون أن يشهد افتتاح مصالح إقليمية متعددة، مما جعله في وضعية المُعَلَّقَة، وغرس الإحباط في نفوس أبنائه، وعمق الشعور بالإقصاء لديهم، والخطاب المتعالي للوزير سيأتي بنتائج سلبية، وسيجعل الاستجابة عكسية.
في سياقٍ هذه سماتُه، ومن أجل تحقيق الاستجابة الجماهيرية المطلوبة كان حريا بالمتحدث الاستعانة بحجة الوقائع التي تعد من أقوى عناصر الحجاج، وأن يقرنها بخطاب عاطفي موجه إلى الجمهور الخاص المتعطش إلى سماعِ خطابِ قائدٍ، يتحدث بلغته، ويحمل سمات المنقذ، ويتقمص دور الغيور عليه، الحريص على رد الاعتبار إلى إقليمه وإخراجه من عنق الزجاجة التنموي.
هذا التوجه العام في خطاب الوزير ليس وليد جهل بالخطاب الجماهيري، وليس نابعا من قصور معرفي، وإنما أملته ظروف الأمر الواقع المُكَبِّلَة، فالخوض في موضوع تهميش الإقليم وعاصمته لا يستقيم، لأنه سيكون وبالا على صاحبه، بوصفه وزيرا في الحكومة، واستدعاؤه الوقائعَ غير ممكن، لأن الوزارة التي يقودها لم تقدم للإقليم أي مشروع، ولهذا استعان السيد الوزير بأسلوب "التعمية الخطابية" للهروب إلى الأمام، واختار خطابا حالمًا، يحضر فيه استعراض الذات، وتغيب عنه الفعالية الجماهيرية، وهذا ما نلمسه في ردود مواقع التواصل الاجتماعي التي صبت في غالبيتها في دائرة عدم الاقتناع، وهكذا "مثلما تكون اللغة سببا في ارتفاع شأنِ سياسيٍّ ما، فإنها قد تكون سببا في انهياره وسقوطه" ، فكلما كانت اللغة وفق المقاس الحجاجي تأتى للدعائي تحقيق غرضه الإقناعي، وكلما شَطَّتْ عن هذا الهدف كان الإخفاق مصيرا محتوما، مع ما يترتب عنه من إهدار فرص تحقيق التغلغل السياسي وتمكين الذات من فرض سيطرتها وإثبات كيانها في الواقع السياسي.
المصادر والمراجع
1. أوليفيي روبول، مدخل إلى الخطابة، ترجمة رضوان العصبة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء ـ المغرب، الطبعة الأولى 2017.
2. توين فان دايك، الخطاب والسلطة، ترجمة غيداء العلي، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2014
3. الحسين بنوهاشم، نظرية الحجاج عند شاييم بيرلمان، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2014.
4. رانيا فوزي عيسى، الخطاب السياسي وتشكيل قناعات الجمهور، مجلة آفاق اجتماعية، العدد الخامس، شتنبر 2023.
5. ـشيماء عثمان محمد، بلاغة الإقناع في مقالات غازي القصيبي ـ الاستفهام نموذجا، مجلة آداب البصرة، العدد 77، سنة 2016.
6. عادل عبد اللطيف، الحجاج في الخطابة السياسية، ضمن كتاب بلاغة الحجاج وتحليل الخطاب، كلية اللغة العربية، مراكش، يناير2016.
7. عزالدين الناجح، العوامل الحجاجية في اللغة العربية، مكتبة علاء الدين، صفاقس ــ تونس، الطبعة الأولى 2011.
8. عمار علي حسن، المجاز السياسي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 486، شتنبر2021.
9. غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة وتقديم هاشم صالح، دار الساقي، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 1991.
10. محمد زهير، دراسة حجاجية لمقدمة ديوان الخليل، ضمن كتاب التحليل الحجاجي للخطاب، إشراف أحمد قادم وسعيد العوادي، دار كنوز المعرفة، عمان ــ الأردن، الطبعة الأولى 2016.
11. محمد سالم محمد الأمين الطلبة، الحجاج في البلاغة المعاصرة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2008.
12. محمد مشبال، في بلاغة الحجاج ــــ نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات، دار كنوز المعرفة، عمان ـــ الأردن، الطبعة الأولى 2017
13. محمود أمين العالم، الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر، دار الثقافة الجديدة.
14. نعيمة الواجيدي، الإيقاع الإبداعي في شعر أبي تمام ـــــ دراسة أسلوبية في مستويات الصوت، المعجم، البديع، التركيب، عالم الكتب الحديث، إربد ــــ الأردن، الطبعة الأولى 2020.
15. وليد العناتي، تحولات اللغة في الخطاب السياسي، مجلة أفكار، العدد 270، يوليوز 2011.
المراجع الأجنبية
1. Caroline Ollivier-Yaniv, Discours politiques, propagande, communication, manipulation
2. Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca. Traité de l argumentation : La nouvelle rhétorique. 5e éd., Bruxelles, Éditions de l Université de Bruxelles, 1988
3. Christelle Reggiani, Initiation à la rhétorique, Hachette Education Ancrages, Septembre 2001, p 14
4. Michel Meyer, Aristote et les principes de la rhétorique contemporaine, in Aristote Rhétorique, ed. livre de poche 1991
#نورالدين_الطويليع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟