فراس ناجي
باحث و ناشط مدني
(Firas Naji)
الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 08:28
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
فيما يبدو إن الحرب في المنطقة ستستمر على وتيرة منخفضة رغم احتمالات التصعيد، يتفاقم الصراع لاستقطاب القوى الفاعلة فيها بين رؤيتين: رؤية امبريالية توسعية تسعى لتفتيت دول المنطقة واحتكار مواردها، وأخرى تكاملية تحفّز التنمية الإقليمية المشتركة. في هذه الظروف، تُستخدم الممرات الاقتصادية إما كسلاح لخدمة أجندة أطراف الصراع، فتنزلق المنطقة الى معسكرات متصارعة وساحات صراع؛ أو كممرات تنمية مشتركة تكافح الانقسامات والتهميش، فتتحول الجغرافيا الى منصة للتعاون المتبادل، والأمن والاستقرار.
تاريخياً، مثّل مشروع سكة حديد برلين-بغداد في 1903، سابقة لعسكرة الممرات ودورها المحوري في الصراع الجيوسياسي العالمي لإعادة تشكيل موازين القوى وصياغة النظام الدولي. فعبرها سعت الإمبراطورية الألمانية لتأمين الوصول البري المباشر الى نفط الخليج العربي، وبالتالي كسر تهديد الهيمنة البريطانية على البحار. لكن بريطانيا اعتبرته تهديداً وجودياً لمصالحها الاستعمارية، فكان أحد أسباب دخولها في الحرب العالمية الأولى.
أما اليوم، فتعمل شبكات واسعة من الممرات الاقتصادية على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي من خلال بناء تحالفات طويلة الأمد وتأمين سلاسل الإمداد لحماية الأمن القومي. ولعل مبادرة الحزام والطريق الصينية التي طوّرت مفهوم الممر الاقتصادي ليشمل أنظمة تنمية للتكامل الصناعي والتوسع في البنية التحتية الرقمية والطاقة، هي السبّاقة في هذا المجال والأضخم في التاريخ الحديث. فقد استثمرت منذ 2013 ما قيمته 1.4 ترليون دولار في التنمية والبنية التحتية في أكثر من 60 دولة في أربع قارات شملت الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة وشبكات الطاقة والاتصالات.
وعلى عكس التجارب الغربية في هذا المجال – مثل أوروبا الامبريالية في القرن التاسع عشر، أو خطة مارشال الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية – لم تطلب الصين من الدول التي تستثمر فيها ضمانات عسكرية، أو شروطاً سياسية، أو خلق أسواق تابعة؛ بل كان الهدف الرئيسي هو تصدير فائض القدرات الإنتاجية لديها، وتأمين سلاسل التوريد، وخلق أسواق مستقبلية. مع ذلك، فمبادرة الحزام والطريق تخدم الأغراض الجيوسياسية للصين من خلال خلق التبعية الاقتصادية للدول المستضيفة، والتطويق الجيوسياسي لخصوم الصين مثل الهند وأمريكا؛ بالإضافة الى خلق منظومة عالمية بديلة مثل مجموعة بريكس بدل ال G7، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وبنك التنمية الجديد، البديلين للبنك الدولي، ونظام CIPS البديل لشبكة SWIFT للتحويلات المالية البنكية. فكيف تواجه أمريكا هذا التهديد الجيو-اقتصادي والتحدي الجيوسياسي من الصين؟
منذ الانفتاح الصيني على أمريكا والغرب بعد زيارة الرئيس الأمريكي نيكسون في 1972، نشأ تحالف استراتيجي بين أمريكا والصين يخدم الصين اقتصادياً من جهة، ويخدم أمريكا جيوسياسياً لعزل الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي من جهة أخرى. لكن التحول الأكبر كان عندما دعمت أمريكا دخول الصين في منظمة التجارة العالمية في 2001 ما أدى الى اندماج الصين الاقتصادي في نظام العولمة الغربي الذي يخدم الهيمنة الامريكية الأحادية على العالم؛ فتحولت الصين الى مركز تصنيع عالمي يمد الأسواق الغربية بمنتجاته الرخيصة بما يوفر للغرب وخاصة أمريكا الأرباح الاقتصادية، ويساعد في كبح التضخم، ودعم الدولار كعملة احتياطية عالمية. لكن هذا الوضع بدأ بالتغير مع دورة رئاسة ترامب الأولى الذي أعلن الصين كمنافس استراتيجي لأمريكا واعتبارها التهديد الأكبر للمصالح الأمريكية، فاستخدم الرسوم الجمركية وقيود العمل للشركات الصينية في أمريكا، كأداة للضغط على الصين.
أما اليوم، فرؤية أمريكا الى الصين هي مُركّبة وتشمل استراتيجيات مختلفة على مستويات متعددة. فأمريكا أصبحت تدرك إن انحدارها الاقتصادي يحول دون إدامة منظومتها العالمية للهيمنة، وإن قواعد النظام العالمي التي وضعها الغرب بقيادتها لم تعد تؤمّن مصالحها. فأخذت تستخدم قوتها العسكرية والاقتصادية المجردة لإعادة تشكيل الوضع الجيوسياسي العالمي لصالحها، وتسعى للتحول من عقيدة "الشرطي العالمي" الحامي لتنفيذ قواعد النظام العالمي، الى عقيدة السيادة الامبريالية بما يحاكي عقيدة الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر. فحسب استراتيجيتي الأمن والدفاع القومي لأمريكا المنشورة مؤخراً، تسعى أمريكا للسيطرة على خطوط التجارة العالمية، وسلاسل الامداد، ومصادر الطاقة من خلال استخدام القوة ومناطق النفوذ بدون الاخذ بضوابط النظام الدولي. ولعل أوضح تطبيق لهذه الرؤية الأمريكية هو مشروع "أمريكا الشمالية الكبرى" الذي أعلنه وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث في آذار الماضي والذي يتوافق مع أطماع ترامب بالاستحواذ على غرينلاند وكندا والمكسيك وفنزويلا؛ حيث يهدف الى خلق خريطة جيوسياسية جديدة تشمل كل الأراضي من القطب الشمالي الى الجزء الشمالي من أمريكا الجنوبية، ويتضمن السيطرة الأمنية واستغلال الموارد فيها. كذلك تُعدّ إسرائيل عبر هذه الرؤية الامريكية - حسب استراتيجيتها للدفاع القومي في 2026 – "الحليف المثالي" لإيمانهم المشترك بمبدأ "السلام عبر القوة" (أو عملياً: العدوان لفرض السيادة)، ولمبادرتها لتأمين المصالح الأمريكية "بدعم حاسم ولكنه محدود من أمريكا".
ولفهم وتحليل استراتيجيات أمريكا لتحقيق أهدافها هذه، لابد من العودة الى النظريات الجيوسياسية الكلاسيكية مثل "قلب العالم" للبريطاني هالفورد ماكندر والتي طوّرها الأمريكي زبغنيو بريجينسكي؛ فيمكن عدّ الإمبراطورية الأمريكية الجديدة – كما كانت الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر – كقوة بحرية تسعى للسيطرة على خطوط التجارة العالمية الرئيسية ومصادر الطاقة. ولتحقيق ذلك تعمل على بناء قاعدة محصنة لها، واستخدام القوة عند الحاجة، مع كسر أو تطويق أي تكتل برّي أوراسي منافس كالذي يمكن ان يشكله مثلث الصين-روسيا-ايران، والذي يربط قلب بر أوراسيا بالمياه الدافئة ومصادر الطاقة العالمية.
من هذا المنظور الاستراتيجي الطويل الأمد، تشّن أمريكا حرب باردة جديدة ضد الصين بإستراتيجيات متعددة، تشمل التطويق العسكري والجيوسياسي من خلال التحالفات، وفك الارتباط التكنولوجي لحماية الامن القومي الأمريكي مثل تقييد صادرات أشباه الموصلات، رقائق الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا فائقة الدقة. كذلك يمكن عدّ الحرب الروسية-الأوكرانية، وحرب التحالف الأمريكي-الإسرائيلي على ايران والمنطقة، كجزء من الصراع الأمريكي الصيني غير المباشر، والذي تسعى فيه أمريكا الى تفكيك أي محاولة لإنشاء محور صيني-روسي-إيراني يمكن ان يشكل كتلة أوراسية متكاملة ممتدة برياً خارج نطاق الهيمنة البحرية الامريكية.
ومن هذا المنظور ايضاً، تُستخدم الممرات الاقتصادية لخدمة الأغراض الجيوسياسية. فالممر من الصين الى غرب آسيا ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية يصل بين مدينة شيان الصناعية والتاريخية في الصين الى ميناء أبرين الإيراني الجاف القريب من طهران، ومنها الى تركيا، وإلى الخليج العربي وأفريقيا، والى أوروبا ايضاً. كذلك يربط الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني مدينة شينجيانغ في غرب الصين الى ميناء غوادر لتوفير وصول بحري سريع بين الصين والبحر العربي. أما ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، فيمتد من سانت بطرسبرغ الروسية الى ميناء تشابهار الإيراني على البحر العربي، ويوفر الربط عبر السكك الحديدية والطرق البرية والبحرية بين أوروبا والهند التي تستثمر في ميناء تشابهار وتديره حسب اتفاقيتها مع إيران. تعمل هذه الممرات البرية على تقليص أوقات الشحن، بالإضافة الى تجاوز المخاطر والعقد الجيوسياسية في النقل البحري.
هنا، واجهت أمريكا هذا التهديد نحو التكامل الأوراسي على عدة مستويات: أحدها يشمل مشاريع للبنية التحتية منافسة لمبادرة الحزام والطريق مثل "الشراكة من اجل البنية التحتية والاستثمار العالميين" في 2025 الذي يخصص 100 بليون دولار للاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتطوير السكك والموانئ ومشاريع الطاقة ومراكز التصنيع عالية التقنية في مختلف انحاء جنوب وجنوب شرق اسيا؛ كذلك توسيع الممرات وخطوط الطاقة التي تخدم تطويق التكامل الاوراسي مثل خط انابيب نفط باكو-تبليسي-جيهان الذي يخدم أوروبا واسرائيل، وممر زنغزور الاقتصادي الذي يصل تركيا بالدول الناطقة بالتركية في اسيا الوسطى، لكن تعتبره ايران يقوّض أمنها القومي.
أما الممر الاقتصادي "الهند-الشرق الأوسط-أوروبا"، الذي تم إعلانه في أيلول 2023، فيبدأ من الهند، فالإمارات كنقطة العبور البري ثم السعودية والأردن الى ميناء حيفا في إسرائيل، قبل الوصول عبر البحر الى أوروبا. ويتكامل هذا الممر مع المشروع الغربي للطاقة في شرق المتوسط، الذي يعتبر أحد أكبر حقول الغاز في العالم، حيث وقعت شركة شيفرون الامريكية مؤخراً صفقات مع إسرائيل وسوريا واليونان وقبرص لاستغلال حقول الغاز في شرقي المتوسط وبالتالي لربط أوروبا بشريان الطاقة هذا كبديل دائم لخط انابيب الغاز الروسي الى أوروبا نورد ستريم. وتهدف هذه المنظومة الجيو-اقتصادية الإقليمية الى السيطرة على خطوط التجارة العالمية، وسلاسل الامدادات، ومصادر الطاقة في المنطقة، والى تحويل إسرائيل إلى مركز استراتيجي لتدفقات التجارة والطاقة في غرب آسيا.
تتكامل خريطة الصراع الجيو-اقتصادي هذه مع الحرب الباردة التي تشنها أمريكا على الصين، ومع العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على المنطقة والذي يهدف الى إعادة تشكيل الجغرافية السياسية فيها، وبناء واقع اقتصادي يخدم هذا التحالف الامبريالي ويوظف التابعين في المنطقة لمصلحته. لقد دخل هذا الصراع مع استمرار صمود إيران وسيطرتها على مضيق هرمز، مرحلة حرجة لم تعد فيها الممرات الاقتصادية مجرد مسارات تجارية بل تحولت الى خطوط مواجهة جيوسياسية تتشابك فيها طموحات التكامل القاري الأوراسي مقابل استراتيجيات التوسع الامبريالي والتطويق. فكيف أثّرت الحرب على إيران، على صراع الممرات في المنطقة، وهل أصبح مشروع طريق التنمية العراقي فرصة استراتيجية أم تهديد جيوسياسي؟ هذا ما ستحاول المقالة القادمة الإجابة عنه.
#فراس_ناجي (هاشتاغ)
Firas_Naji#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟