فراس ناجي
باحث و ناشط مدني
(Firas Naji)
الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 16:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كشفت المواجهة الشاملة والحاسمة في الحرب الضارية في المنطقة الان، الضباب الذي كان يلف المشهد الجيوستراتيجي في المشرق طوال عقود. فما يحدث اليوم هو معركة وجودية بين مشروعين: إسرائيل الكبرى بقيادة التحالف الإسرائيلي-الأمريكي، ومحور المقاومة بقيادة إيران.
بعد سقوط الدولة العثمانية، تشكّل النظام الجيوسياسي في المنطقة وفق الرؤية البريطانية-الفرنسية في اتفاقية سايكس-بيكو، فكان المشرق بأكمله - دول الهلال الخصيب العربية والخليج العربي ومصر مع تركيا وايران – تحت سيطرة الغرب، الذي وعد يهود أوروبا بوطن قومي في فلسطين. في البداية، كان رد الفعل ضد المشروع الغربي-الصهيوني في المشرق من خلال حركة التحرر الوطني تحت راية القومية العربية؛ فنجح جمال عبد الناصر في تشكيل تحالف من الدول العربية بإطار عمل جيوسياسي ودفاعي مشترك خاض ثلاثة حروب ضد اسرائيل في 1956، 1967، و1973. لكن هزيمة التحالف العربي في حرب 1967، وخروج مصر من الصراع مع إسرائيل عبر اتفاقية كامب ديفيد التطبيعية في 1978، أدّى الى تفكك هذا التحالف بعد غزو العراق للكويت في 1990، وتأسيس مسار اخر للتطبيع مع اسرائيل من خلال مؤتمر مدريد في 1991 تحت شعار مبادلة الأرض بالسلام. منذ ذلك الحين، فقدت جميع الدول العربية في المشرق قدرتها للدفاع عن نفسها وصارت تحت الهيمنة الأمريكية ومسلوبة الاستقلال السيادي.
أمّا إسرائيل، فقد تغيرت استراتيجيتها بعد معركة طوفان الأقصى لتسعى الى التوسع على الأرض في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا لتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى، وبالتالي فرض سيادة إسرائيل الإمبراطورية على المنطقة بتفويض من الرئيس الأمريكي ترامب الذي يعمل على تشكيل امبراطوريته الأمريكية الجديدة. هذه ليست نظرية مؤامرة أو رؤية أيديولوجية متحيزة، بل واقع حقيقي مثبت بتصريحات ووثائق التحالف الإسرائيلي-الأمريكي نفسه. فقد صرّح توم باراك – مندوب أمريكا الى المنطقة – بأن الحدود التي وضعتها اتفاقية سايكس-بيكو لا معنى لها في نظر إسرائيل، بينما يبدي مايك هاكابي - سفير أمريكا في إسرائيل – دعمه لحق إسرائيل التوراتي في السيطرة على أراضٍ تمتد "من النيل إلى الفرات"؛ أما نتنياهو، فهو يقول انه "في مهمة تاريخية وروحية" مرتبطة برؤية إسرائيل الكبرى. هذه الرؤية تتكامل مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي ترى إسرائيل "نموذجا مثاليا" للدول الحليفة في استخدام القوة العسكرية المفرطة والضربات الاستباقية لفرض مناطق النفوذ. الإمبراطورية الإسرائيلية القادمة تشمل ثلاثة محاور استراتيجية: تحالف الأقليات مع الهويات الفرعية لتفتيت دول المنطقة لإبقائها ضعيفة ومجزأة وتأمين حدود إسرائيل؛ تطوير الاتفاقيات الابراهيمية لعام 2020 الى تحالف شرق أوسطي بقيادة اسرائيل يتضمن نظام دفاعي متكامل بتنسيق استخباراتي وعسكري مع أمريكا وتكامل تكنولوجي للأمن السيبراني؛ وتحالف إقليمي موسع يشمل ممرات اقتصادية ويطوق الشرق الأوسط يضم إسرائيل والهند وقبرص واليونان بالإضافة الى دول أخرى اسيوية وافريقية.
في مقابل ذلك، عملت ايران منذ الغزو الأمريكي للعراق في 2003 على تنفيذ استراتيجية دفاعية تحت عنوان "محور المقاومة" لحماية أمنها القومي من هجوم أمريكي مماثل أو مواجهة قادمة مع إسرائيل. فنجحت في بناء تحالفات اقليمية مع قوى محلية مقاومة للمشروع الإسرائيلي-الأمريكي مثل حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان، وفصائل المقاومة الإسلامية في العراق، وجماعة الحوثيين في اليمن. كذلك وقعت ايران "اتفاق بكين" في اذار 2023 لتطبيع العلاقات مع السعودية وتفعيل اتفاقية التعاون الأمني بينهم، وأعقب ذلك مقترح التحالف البحري الإقليمي الذي يهدف إلى تأمين الممرات المائية في الخليج والمنطقة دون الحاجة لقوات أجنبية.
اذن العائق الرئيسي أمام المشروع العدواني التوسعي للتحالف الإسرائيلي-الأمريكي هو ايران ومحور المقاومة الذي تراه إسرائيل تهديداً رئيسياً لوجودها بحد ذاته. لذا فنتيجة هذه الجولة من الحرب الإسرائيلية-الامريكية على ايران هي حاسمة في تشكيل ملامح الحقبة القادمة في المنطقة فيما ينسدل الستار فيها على المشاهد الأخيرة من حقبة سايكس-بيكو التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى. فلمصلحة أي مشروع تسير هذه الحرب لحد اليوم: امبراطورية إسرائيل الكبرى أم التحالف الإقليمي الذاتي بقيادة ايران؛ وما هي حظوظ كل طرف في تحقيق أهدافه الآنية والاستراتيجية؟
بالنسبة الى إسرائيل وأمريكا، تعتمد استراتيجيتهم القتالية على "التفوق النوعي من بُعد" لاستنزاف القدرات القتالية الإيرانية من خلال التكنولوجيا عبر الاعتماد أساساً على القوة الجوية والصاروخية، والقنابل المخترقة للتحصينات بالإضافة الى الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف الحيوية آلياً وقصفها بسرعة فائقة لشل حركة القيادة والسيطرة الإيرانية. لقد شنت أمريكا وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة واسعة النطاق، استهدفت المواقع العسكرية الإيرانية ومواقع الدفاع الجوي، مع أجزاء كبيرة من خطوط إنتاج ومخازن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. كما ألحقت خسائر فادحة شملت تصفية جزء كبير من القيادة الدينية والسياسية والعسكرية للبلد مع استهداف المدن الإيرانية (من ضمنها جرائم حرب مثل قصف مدرسة ميناب الابتدائية للبنات) والمواقع الثقافية والمنشآت الاقتصادية.
لكن الحملة الجوية للتحالف الإسرائيلي-الأمريكي، وعلى الرغم من قدرتها التدميرية العالية، فشلت في ثلاث مستويات: أولا في خلق الاضطراب الداخلي في ايران اللازم لإضعاف النظام السياسي والتأثير على أداءه في الحرب بدليل تطور الرد الإيراني مع استمرار الحرب والنجاح في تحقيق أهدافه المحددة، وثانيا في التأثير على القوة الصاروخية الايرانية والقصف بالمسيّرات بدليل استمرار القصف على إسرائيل والقواعد الامريكية في الخليج، وثالثا في تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، بدليل استهداف ايران لناقلات النفط المرتبطة بالغرب لكن مع السماح بمرور الناقلات الصديقة.
من الجهة الأخرى، فعّلت ايران فورياً نظام قيادة وسيطرة لامركزي مع خلايا عمل وخطة تعاقب قيادية من أربع مستويات لتلافي الفراغ نتيجة الضربات الإسرائيلية-الأمريكية؛ ما أدّى الى ردها الصاروخي السريع بعد اقل من ساعتين على بدء الحرب. ثم تم انتخاب السيد مجتبى خامنئي خلفاً لوالده مرشد الثورة الإيرانية السيد علي خامنئي الذي قُتل في الضربة الأولى للحرب. كذلك ردّت ايران على الهجوم بصورة واسعة وحاسمة؛ فسيطرت على مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي الذي يزوّد العالم ب 20% من امداداته النفطية و33% من تجارة الأسمدة بالإضافة الى الغاز الطبيعي. وقصفت بالصواريخ والمسيرات الأصول العسكرية الاسرائيلية، بالإضافة الى القواعد والمصالح الامريكية في الخليج، بل وحتى المصالح الاقتصادية والبنية التحتية لدول الخليج نفسها اعتماداً على مدى استهداف الأعداء لها.
لقد حققت ايران نجاحات على مستويات متعددة: فعسكريا لا تزال تحتفظ بقدراتها الأساسية من الصواريخ البالستية والفرط صوتية والطائرات المسيّرة والزوارق القتالية في مدن تحت الأرض محصنة ضد القصف التقليدي، بينما نجحت في تدمير محطات الرادار الامريكية المتطورة ثاد، ما يتيح لها الاستهداف الناجح لبنك أهدافها المتزايد والمتنوع. كما ان استمرار حزب الله في اطلاق الصواريخ على إسرائيل من لبنان يفتح جبهة أخرى على إسرائيل ويظهر تماسك محور المقامة رغم الخسائر الكبيرة؛ اقتصادياً، نجحت ايران في السيطرة على مضيق هرمز كبوابة انتقائية لمرور ناقلات النفط والمواد الكيمياوية للدول الصديقة فقط. وكذلك في استهداف البنية التحتية للتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي المرتبطة بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية مثل الهجوم على مراكز الحوسبة السحابية لشركة أمازون في البحرين والامارات، مع التهديد باستهداف الشركات العالمية الأخرى مثل مايكروسوفت وجوجل وإنفيديا وأوراكل وبالانتير. أما سياسياً – وهنا ربما التأثير الأهم – فقد نجحت ايران في اثارة التساؤلات الجدية حول جدوى التحالف الاستراتيجي مع أمريكا بعد ان فشلت القواعد الامريكية في حماية دول الخليج من الاستهداف الإيراني، بل تحول وجود هذه القواعد الى عبء استراتيجي بدل من توفير الضمان الأمني.
لقد تصاعد الصراع بين الطرفين الى حرب وجودية حاسمة، وهي حالة غير مسبوقة في التاريخ الحديث للتدخل الغربي-الصهيوني في المنطقة. لكن يبدو ان عامل الزمن هو لصالح ايران؛ فرغم تعرض بنيتها التحتية العسكرية للتدمير الممنهج والخسائر الكبيرة في مختلف القطاعات، الا انها أثبتت قدرتها على فرض واقع ميداني يجعل كلفة الحرب على الطرف الاخر وحلفاءه في الخليج تفوق بكثير المكاسب العسكرية المحققة حتى الان. فاستمرار الحظر البحري واستهداف البنية الاقتصادية لدول الخليج العربي سيؤدي الى تفاقم أسعار الطاقة والتضخم العالمي، تعطل الخدمات السحابية لشركات عالمية، أزمة في الغذاء العالمي بسبب النقص الحاد في الأسمدة، بالإضافة الى اضطراب أسواق الأسهم العالمية بسبب احتمال سحب دول الخليج لأجزاء من استثماراتها الخارجية. كذلك يبدو انه لا يزال هناك نوع من التوازن الاستراتيجي المؤلم بين الطرفين الذي يمنع التحالف الإسرائيلي-الأمريكي من اللجوء الى الخيارات التصعيدية المفرطة لحسم الموقف عسكرياً مثل تدمير البنية التحتية ومنشآت الطاقة الايرانية، او الاستهداف الكامل للمؤسسات الحكومية والخدمية؛ وذلك بسبب تهديد ايران وقدرتها على التعامل بالمثل بالنسبة لإسرائيل ودول الخليج.
لقد انعكس واقع ميزان القوة في الميدان على مطالب كل طرف لوقف الاعمال العدائية تجاه الطرف الاخر، فأمريكا تحاول ان تجد مخرجا لوقف القتال بأسرع وقت تظهر فيه منتصرة ولو بصورة غير حاسمة، بينما أعلنت ايران ان قرار وقف الحرب يرجع لها فقط وليس لأمريكا أو اسرائيل، واشترطت لذلك انهاء وجود القواعد الامريكية في المنطقة ودفع التعويضات للأضرار الناجمة عن الحرب، وانهاء العقوبات عليها.
رغم ذلك، ليس من السهل على أمريكا الخروج من هذه الحرب وفق الشروط الإيرانية، فهذا يعني ليس فقط خسارة نفوذ أمريكا في الشرق الأوسط واضاعة ترليونات الدولارات من استثمارات دول الخليج في امريكا، بل أيضا تداعيات عالمية تهدد استراتيجية ترامب لإعادة بناء عظمة أمريكا في العالم. هذا الضغط وبتشجيع من إسرائيل، قد يدفع أمريكا الى خيارات تصعيدية قصوى لفرض واقع جديد لصالحهم، لكنها خيارات صعبة وخطيرة قد تشمل الغزو البري، او حتى استخدام قنابل ذات قدرة تدميرية غير مسبوقة مثل الرؤوس النووية التكتيكية. لكن مثل هذا التصعيد للحرب قد يجر الى تدخل القوى العظمى الأخرى مثل الصين وروسيا التي يمكن ان يمثل مثل هذا التصعيد تهديداً كبيراً لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة. في المقابل، يمكن ان يؤدي الضغط الداخلي في أمريكا بسبب التدهور الاقتصادي نتيجة الحرب على ايران الى اجبارها على قبول تسويات واقعية مُرّة.
ان من الوهم الاعتقاد بأن هذا الصراع المدّمِر منذ 2023 سينتهي بأن تبقى نفس موازين القوة ومعايير القيم هي التي ستضبط الحقبة القادمة. فيبدو اننا سنمّر بمرحلة انتقالية جذرية كما كانت مرحلة الحرب العالمية الأولى جذرية في تشكيل واقع القرن الماضي. ان نجاح محور المقاومة بقيادة ايران في تحقيق نوع من توازن القوة الملفت ضد العدوان الإسرائيلي-الأمريكي على المنطقة منذ 2006 – خاصة الأداء المذهل في معركة طوفان الأقصى وحرب وحدة الساحات التي تلتها – هو بالتأكيد يفوق أداء تحالف الدول العربية القومي في القرن الماضي؛ ما يستدعي دراسة نقاط القوة في تجربة محور المقاومة بغض النظر عن نتيجة الحرب الحالية في المنطقة.
لا يبدو انه لدى دول وشعوب المشرق العربي في المستقبل المنظور خيارات افضل من تشكيل رؤية لبناء نظام أمن جماعي ذاتي للمنطقة يشمل تركيا وايران، واتخاذ كل الإجراءات المطلوبة لتحرر بلدان المنطقة من التسلط والسيطرة الغربية بكل ابعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية، مع مقاطعة إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية كقضية مركزية لكل دول المنطقة. كلما بدأنا بالتصدي لتغلغل الغرب في شؤوننا وبالعمل على تحرر وصيانة استقلال وسيادة بلداننا، كلما ننتقل من حالة الوهم الى حالة التعامل مع الواقع الجديد.
#فراس_ناجي (هاشتاغ)
Firas_Naji#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟