|
|
قراءة الرفيق فهد لكارل ماركس: من النظرية الكلاسيكية إلى التجسيد العملي في الواقع العراقي
فالح الحمراني
الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 20:15
المحور:
الارشيف الماركسي
لم تكن الماركسية في وجدان يوسف سلمان يوسف (الرفيق فهد) ترفاً فكرياً أو مادة للسجال الأكاديمي، بل كانت "مرشداً للعمل" وسلاحاً لتغيير بنيوي في مجتمع عراقي يرزح تحت وطأة شبه المستعمرة والإقطاع. بدأ فهد قراءته لكارل ماركس في أواخر عشرينيات القرن الماضي من خلال أمهات الكتب باللغة الإنجليزية التي كان يجيدها، ثم صقل هذه المعرفة عبر دراسته الأكاديمية والحزبية في "جامعة كادحي الشرق" بموسكو في منتصف الثلاثينيات. تميزت قراءته بكونها قراءة تطبيقية توطينية، سعت إلى تحويل الماركسية من سياقها الأوروبي الصناعي إلى سياق شرقي وعربي محلي. ركز الرفيق فهد في كتاباته وكراساته التثقيفية على أعمال ماركسية محددة، واعتبرها الركيزة الأيديولوجية لبناء الحزب: • "بيان الحزب الشيوعي" (1848): كان هذا الكتاب بمثابة "الإنجيل الثوري" لفهد. لم يكتفِ بقراءته، بل قام بترجمة أجزاء منه وتلخيص مفاهيمه وتوزيعها على حلقات العمال الأولى في الناصرية والبصرة. اتخذ من شعار البيان "يا عمال العالم اتحدوا" أساساً لأولى منشوراته السياسية عام 1932. • "رأس المال" ونظرية فائض القيمة: ركز فهد على التفسير الاقتصادي لماركس، وتحديداً كيف يستولي الرأسمالي (أو الشركات الاحتكارية الأجنبية في حالة العراق) على جهد العامل (فائض القيمة). وظّف هذا المفهوم لتعريف العمال العراقيين بحقوقهم المسلوبة. • كتابات ماركس حول الدولة والصراع الطبقي: (مثل "الثامن عشر من برومير" و*"الحرب الأهلية في فرنسا"*). استوعب فهد من هذه الأعمال أن الدولة ليست كياناً محايداً، بل هي أداة في يد الطبقة المهيمنة لقمع الطبقات الأخرى، وهو ما صاغه لاحقاً في كراسه الشهير "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية". تميزت قراءة فهد لثلاث أفكار ماركسية كبرى وطبقها على الواقع العراقي: 1. المادية التاريخية وجدلية التطور آمن فهد بمقولة ماركس إن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للتاريخ (البناء التحتاني)، وأن الأفكار والسياسة والقوانين هي (بناء فوقي). لكنه قرأها قراءة مرنة؛ فرأى أن المجتمع العراقي لم يمر بمرحلة الرأسمالية الصناعية كاملة، بل هو مجتمع هجين تجمع بنيته الاقتصادية بين الإقطاع العشائري، والرأسمالية الكولونيالية التابعة (الشركات البريطانية والنفط). لذا، استنتج أن الثورة في العراق يجب أن تمر بمرحلة "الثورة الوطنية الديمقراطية" قبل الانتقال إلى الاشتراكية. بينما كان السياسيون التقليديون في العراق يرون في النخبة أو العشائر قادة المجتمع، التقط فهد نبوءة ماركس حول دور "البروليتاريا" (الطبقة العاملة). أدرك فهد أن العمال في مشاريع النفط، والموانئ، والسكك الحديدية في العراق هم الطبقة الأكثر تنظيماً وقدرة على قيادة التغيير، رغم صغر حجمهم العددي آنذاك مقارنة بالفلاحين. طبق فهد مفهوم "الأممية البروليتارية" لماركس من خلال الدمج بين القضية الوطنية العراقية والقضايا العالمية. كان يرى أن تحرر العامل العراقي من الاستعمار البريطاني هو جزء من المعركة العالمية ضد الإمبريالية، وضمن هذا الإطار جاءت وصيته الشهيرة برفع راية "ماركس وأنجلز ولينين". لم يترك فهد الأفكار حبيسة المجلدات، بل نقلها إلى الشارع والمعمل عبر خطوات عملية غيرت وجه التاريخ السياسي للعراق: • تأسيس "حزب لينيني الطراز": جسّد فهد فكرة ماركس حول ضرورة وجود أداة سياسية مستقلة للطبقة العاملة. أعاد بناء الحزب الشيوعي العراقي على أسس "المركزية الديمقراطية"، محولاً إياه من حلقات مثقفين معزولة إلى حزب جماهيري منظم بخلايا حديدية. • تنظيم الحركة النقابية والعمالية: ترجم فهد أفكار كتاب "رأس المال" عملياً عبر النزول إلى القواعد العمالية. ساهم الحزب تحت قيادته في تنظيم أكبر الإضرابات العمالية في تاريخ العراق (مثل إضراب عمال النفط في "كاوورباغي" 1946، وإضرابات عمال السكك والموانئ)، انتزاعاً للحقوق الاقتصادية وتعميقاً للوعي الطبقي. • ربط النضال الطبقي بالنضال الوطني: في كراسه "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" (1944)، فرّق فهد عملياً بين الماركسية الثورية والاشتراكية الإصلاحية؛ حيث قاد الحزب للمشاركة في وثبة كانون 1948 ضد معاهدة "بورتسموث" الاستعمارية، مجسداً فكرة أن الشيوعيين هم طليعة الديمقراطية والتحرر الوطني. • الثقافة والوعي الجماهيري: أسس جريدة "القاعدة" والمجلات الحزبية لتبسيط الماركسية؛ فصارت المفاهيم الماركسية المعقدة تُشرح بلغة بسيطة يفهمها العامل والفلاح العراقي الأمي، مما خلق بيئة ثقافية يسارية امتد أثرها لعقود. ةيقدم كراس "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية"، الذي أصدره الرفيق فهد عام 1944، وثيقة فكرية وتجذيراً نقدياً اعتمد فيه بشكل مباشر على المنهج الماركسي-الينيني لتحديد هوية ومسار الحركة الشيوعية في العراق. جاء هذا الكراس رداً على محاولات تصفية الحزب وتحويله إلى منظمة إصلاحية مهادنة للنظام الملكي والوجود البريطاني. الدفاع عن نقاء النظرية الماركسية وضد "التحريفية" • فرز الهوية الطبقية: اعتمد فهد في كراسه على الأطروحة الماركسية الكلاسيكية الصارمة التي تميز بين "الاشتراكية العلمية" و"الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية". • مواجهة الانتهازية: هاجم فهد الأفكار التي تحاول إفراغ الماركسية من مضمونها الثوري، موضحاً أن "الاشتراكية الديمقراطية" في السياق العالمي والعراقي ما هي إلا واجهة لبرجوازية صغيرة تسعى للمساومة مع السلطة وتخدير وعي الجماهير. مفهوم "الحزب اللينيني" كأداة للتغيير • المركزية الديمقراطية: استند الكراس إلى كتابات لينين (المستمدة من النظرية التنظيمية لماركس) ليؤكد أن الحزب الشيوعي ليس نادياً للمثقفين أو صالوناً للنقاش الفكري، بل هو منظمة ثورية حديدية قائمة على الانضباط والمركزية الديمقراطية. • طليعة البروليتاريا: شدد فهد على أن القيادة يجب أن تكون بيد الطبقة العاملة وعناصرها الأكثر وعياً، وليس بيد النخب البرجوازية التي يسهل شراؤها من قبل السلطة الحاكمة. . تفكيك طبيعة "الدولة" والنظام الملكي في العراق • أداة قمع طبقية: تطبيقاً لكتاب ماركس "الحرب الأهلية في فرنسا" وكتيب لينين "الدولة والثورة"، حلل فهد في الكراس الدولة العراقية آنذاك، مبيناً أنها ليست جهة محايدة لرعاية مصالح الجميع، بل هي أداة بيد تحالف (الإقطاع العشائري، البرجوازية الكومبرادورية، والاستعمار البريطاني) لقمع كادحي العراق. • رفض الأوهام البرلمانية: أوضح فهد أن المراهنة على تغيير النظام الملكي من داخل مؤسساته وصناديق اقتراعه المزيفة هي وهم؛ مبرزاً ضرورة النضال الجماهيري المنظم لخلق موازين قوى جديدة. تحديد ملامح "الثورة الوطنية الديمقراطية" • حرق المراحل ومراعاة الواقع: في هذا الكراس، قدم فهد قراءة مرنة للماركسية تناسب بلداً نامياً كالعراق؛ فرغم تمسكه بالاشتراكية كهدف نهائي، إلا أنه أوضح أن المهمة الراهنة والملحة للحزب هي "الثورة الوطنية الديمقراطية". • التحالفات الطبقية: حدد فهد حلفاء الطبقة العاملة في هذه المرحلة وهم: الفلاحون (الذين يمثلون الأغلبية الساحقة ويعانون من بطش الإقطاع)، والبرجوازية الوطنية الصغيرة المتضررة من الاحتكارات الأجنبية، شريطة أن تحتفظ البروليتاريا بقيادة هذا التحالف لضمان عدم انحرافه. الصدى والواقع العملي للكراس تحول هذا الكراس من مجرد كراس نظري إلى "دستور عملي" للشيوعيين العراقيين: • تطهير صفوف الحزب: حسم الكراس الصراع الفكري الداخلي، وأدى إلى تماسك الحزب الشيوعي العراقي والتفافه حول قيادة فهد، ممهداً الطريق لنموه كأكبر قوة سياسية يسارية في البلاد. • النزول إلى الشارع: كان الكراس الدافع الأساسي وراء تبني الحزب لسياسة الخط الصدامي والجماهيري، وهو ما تجلى لاحقاً في قيادة إضرابات العمال الكبرى و"وثبة كانون" المجيدة عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث الاستعمارية. إن عبقرية الرفيق فهد تنحصر في أنه لم يتعامل مع نصوص كارل ماركس كنصوص جامدة أو مقدسة، بل كدليل استرشادي صهر فيه خصوصية المجتمع العراقي. لقد استطاع من خلال هذه القراءة العملية والمنظمة أن يحوّل "الماركسية" من بضعة كتب أجنبية مهربة في الموانئ، إلى قوة سياسية واجتماعية كبرى هزت العرش الملكي والنفوذ البريطاني، ودفع حياته ثمناً لها على أعواد المشنقة عام 1949 وهو يهتف بحياة الحزب والطبقة العاملة.
#فالح_الحمراني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من مقالة فردريك انجلز: كيف لايجوز ترجمة ماركس
-
كوريا الديمقراطية تختار السلام المسلح
-
خروتشوف في مواجهة عبادة الشخصية: كيف تم إعداد تقرير -حول عبا
...
-
افاق التطورات في اليمن
-
العراق عشية انتخابات مجلس النواب
-
الخيار الأوحد لتسوية الملف النووي الايراني
-
الديمقراطية غير الناضجة
-
-صقور الاتحاد الأوروبي- يؤججون الصراع في أوكرانيا لخمس سنوا
...
-
التهديد الإرهابي العالمي التوقعات لعام 2025
-
ترامب لترغيب السعودية بالتطبيع مع إسرائيل
-
العالم بانتظار التحولات والتطلع للتغيير
-
مشاكل المجمع الصناعي العسكري الأمريكي على خلفية المواجهة الم
...
-
هل تتحول الإمارات العربية المتحدة فخ للإسرائيليين؟
-
في خلفيات التغييرات الكبيرة على العقيدة النووية الروسية
-
قراءة الكسندر دوغين للتطورات في المنطقة
-
داعش يعيد هيكلة تنظيماته على نطاق عالمي
-
في أبعاد زيارة بوتين لكوريا الديمقراطية وفيتنام
-
هل ستوقظ عبارات ماريا زاخاروفا الضمير العربي
-
روسيا ترد
-
الحزب الشيوعي الروسي يحضر للمشاركة في في انتخابات 2024 الرئا
...
المزيد.....
-
كيف تُصفِّي الحكومة آخر شبكات أمان الفقراء
-
أوليانوف يرد بسخرية على تصريح قائد سلاح الجو الألماني بخصوص
...
-
قفزة تاريخية بثروات الأغنياء: 336 مليار دولار في يوم واحد وف
...
-
قناطر: الجنديُّ الماركسيُّ قربَ ميناء المعقل
-
ينبغي أن يكون المناهضون للرأسمالية في طليعة النضال من أجل ال
...
-
لتخليص العالم من الوقود الأحفوري، ينبغي القضاء على الرأسمالي
...
-
-نيويورك بوست- تكشف تفاصيل جديدة عن مخطط مرعب لتصفية -النخب
...
-
Women as the Primary Bearers of War
-
The New Left in the Sixties, Part One
-
Washington is Ruining Its Own World Cup
المزيد.....
-
كراسات شيوعية:مشاكل الحزب العالمي للثورة وإعادة بناء الأممية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نص محاضرة(نحوإعادة النظرفي مكانةتروتسكي في تاريخ القرن العشر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المهم هو تغييره .. مقدمة إلي الفلسفة الماركسية - جون مولينو
/ جون مولينو
-
مقالات موضوعية في الفلسفة الماركسية
/ عائد ماجد
-
كراسات شيوعية(الأممية الرابعة والموقف من الحرب ) ليون تروتسك
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الحزب الماركسي والنضال التحرري والديمقراطي الطبقي واهمية عنص
...
/ غازي الصوراني
-
حول أهمية المادية المكافحة
/ فلاديمير لينين
-
مراجعة كتاب (الحزب دائما على حق-تأليف إيدان بيتي) القصة غير
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
مايكل هارينجتون حول الماركسية والديمقراطية (مترجم الي العربي
...
/ أحمد الجوهري
-
وثائق من الارشيف الشيوعى الأممى - الحركة الشيوعية في بلجيكا-
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|