أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن الطوفان)














المزيد.....

درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن الطوفان)


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 09:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين كتبتُ قبل سنوات مقالي "درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا"، كنتُ أنطلق من إيمانٍ راسخ بأن الحصار المفروض على أهلنا في غزة ليس مجرد تدبير تقني أو جدار إسمنتي وأسلاك شائكة تُضرب حول بقعة جغرافية، بل هو في جوهره معركة إرادات واختبار وجودي لمفهوم الكرامة الإنسانية والسياسية لأمتنا العربية والإسلامية. واليوم، ونحن نعيش فصول ملحمة تاريخية غير مسبوقة، أجد نفسي مدفوعاً لإعادة قراءة ذلك النص واستحضار أبعاده، فالدم النازف والفعل المقاوم الأسطوري يعيدان اليوم صياغة هذا الدرس التاريخي، لينتقلا بالأمة من حيز "الدفاع عن النفس" إلى مرحلة "فرض المعادلات وصناعة السيادة".
إن الواقع الراهن قد تجاوز كل الخطوط الحمراء والشرائع الدولية؛ فلم يعد الحصار مجرد منع للإعمار والوقود والمواد الأساسية كما كان في العقود الماضية، بل إننا نعيش اليوم فصلاً مرعباً من "حرب الإبادة الجماعية"، حيث تحول التجويع الممنهج، ومنع حبة القمح وقطرة الماء الروية، ودك المستشفيات إلى سلاح عسكري مباشر ومقصود. هذا التحول البنيوي في عقلية الاحتلال الغاشم لم يعد يستهدف الضغط على الإرادة السياسية للمقاومة فحسب، بل يهدف بوضوح واعتراف علني إلى تهجير الإنسان واقتلاعه من أرضه، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها وسط تواطؤ دولي مخزٍ وعجز إقليمي فاضح.
وفي مقارنتي التاريخية التي تمسكتُ بها، ستبقى "غزوة بدر الكبرى" الشاهد والمبرهن الأزلي على أن قلة العدد وشُح العتاد لم يكونا يوماً عائقاً أمام انتزاع النصر وفك طوق الاستضعاف، شريطة توفر القرار الشجاع والإرادة المستقلة والتوكل الصادق. واليوم، يتجسد هذا الإسقاط التاريخي في أبهى وأعقد صوره؛ فغزة التي عُزلت عن العالم وخُنقت برّاً وبحراً وجوّاً لأكثر من عقدين، لم تقف نادبة حظها على أعتاب المساعدات العسكرية الإقليمية التي لم تأتِ. بدلاً من ذلك، حفرت المقاومة في الصخر، وعجنت الركام، وأعادت تدوير مخلفات القذائف لتصنع ترسانتها المعقدة محلياً تحت الأرض. إن "معجزة التصنيع الذاتي" داخل الأنفاق هي الامتداد المعاصر لروح معركة بدر، حيث تحولت القلة المستضعفة إلى قوة اشتباك تفرض شروطها وتجابه أحدث الترسانات التكنولوجية في العالم.
وهنا، لا بد لي أن أجدد نقدي اللاذع والعميق للأنظمة الرسمية العربية، فالأمر اليوم تجاوز مجرد "التقصير" في إرسال قوافل إغاثية، بل تحول إلى عجز بنيوي مخزٍ، تقف فيه عواصم كبرى عاجزة عن فرض إدخال شاحنة طحين أو تأمين ممر إنساني لإنقاذ الأطفال من الموت جوعاً أمام شاشات البث المباشر. هذا الصمت الرسمي يعكس فجوة سحيقة بين وجدان جماهير الأمة وعواصم قرارها، ويؤكد أن الحصار المفروض على غزة هو في الوقت ذاته حصار مضروب على الإرادة السياسية العربية الرسمية المكبلة بتبعيّتها.
ومع ذلك، فإن هذا الحصار والخذلان قابله التفاف وتلاحم شعبي عارم أعاد الروح إلى الجسد العربي المنهك. وهنا نستحضر بفخر الدور التاريخي والمبدئي للشعوب المغاربية وفي مقدمتها شعبنا العربي في تونس؛ هذا الشعب الذي لم يتأخر يوماً عن نصرة الحق الفلسطيني، فانتفضت شوارعه وساحاته، وتوحدت قواه النقابية والطلابية والمدنية في هبة مستمرة ترفض التطبيع وتجعل من قضية فلسطين قضية وطنية تونسية بامتياز. إن هذا الموقف الشعبي المتأصل يعكس عمق الرابطة القومية والإسلامية، ويثبت أن نبض الجماهير في تونس والمغرب العربي يرفض الامتثال لسياسات الأمر الواقع، ويصر على أن يكون شريكاً في معركة فك الحصار وإسقاط الإبادة.
ومثلما تحرك الشارع المغاربي، حدث تحول جوهري على الصعيد الشعبي العالمي. فإذا كنتُ قد أشدتُ سابقاً بقوافل كسر الحصار التضامنية القديمة، فإننا اليوم نشهد طوفاناً شعبيّاً عالميّاً تجاوز المساعدات الرمزية إلى حراك بنيوي: انتفاضة عارمة في كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية (مثل كولومبيا، والهارفارد، والسوربون)، ومقاطعة اقتصادية شاملة ألحقت خسائر فادحة بالشركات الداعمة للاحتلال، وملاحقة قانونية تاريخية على منصات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مما أسقط ورقة التوت الأخلاقية عن المنظومة الاستعمارية وحلفائها.
لذا، فإنني أتوجه من هنا بصرخة واستنهاض مباشر إلى النخب الفكرية والسياسية والوعي الثقافي في أمتنا العربية: إن دوركم اليوم لا يمكن أن يقف عند حدود التوصيف أو البكاء على الأطلال الإنسانية، أو الانكفاء على التنظير البارد خلف الشاشات. إن النخب مطالبة اليوم بقيادة معركة الوعي، وتفكيك السرديات الانهزامية، وبناء جبهة ثقافية وسياسية صلبة ترفض التبعية وتدعم خيار المقاومة والاعتماد على الذات كممر إجباري وحيد للتحرر. إن سقوط المفاهيم والقيم الغربية تحت أقدام أطفال غزة يفرض عليكم صياغة مشروع نهضوي عربي جديد يستمد قوته من كرامة شعبه وعمق تاريخه، لا من فتات الموائد الدولية.
ختاماً، إن الدرس الأكبر والأعمق الذي أردتُ تأكيده وأعيده اليوم بقوة، هو أن كسر الحصار ليس مطلباً إنسانيّاً يُستجدى على أعتاب المنظمات الدولية أو بالاعتماد على "حسن نوايا" المجتمع الدولي. إن كسر الحصار هو معركة سياسية وعسكرية لانتزاع الحرية والسيادة كاملة. لقد أثبتت هذه الملحمة المستمرة أن الكرامة لا تُوهب بل تُنتزع، وأن الرهان على الضمير الرسمي العالمي هو رهان خاسر وصفري. النصر والتحرير يصنعهما الصمود الأسطوري الحاضن للمقاومة على الأرض، والتلاحم الشعبي العابر للقارات، والإيمان اليقيني بأن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالاعتماد على ذاتها، هي أعتى وأبقى من كل ترسانات الإبادة والخراب.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هدنةٌ بلا ضمير: لبنان يُقتَل والسلطة تُفاوض
- الفجوة المعرفية بين كمال التنزيل وأسطرة -الْوَحْيِ الثَّانِي
- من وحي النكسة: صمود المقاومة وتهافت المظلات الغربية
- طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​ ...
- البنوك الاسلامية وارتباطها بالراسمالية
- هندسة الخنق الاقتصادي والتطبيع بالوكالة: كيف سحقت -دليس- منا ...
- الحدود والتجزئة: جذور التخلف العربي ومسالك الخلاص
- البُعد العروبي في القرآن الكريم ونشأة الأمة العربية
- النفط العربي: نعمة تحوّلت نقمة كيف سرقت الثروة الشعبَ وموّلت ...
- أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً وم ...
- الأراضي العربية المحتلة: فلسطين ليست وحدها
- الدور الصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية من التنافس الاقتصاد ...
- الحج والتقويم الإسلامي: إشكالية الزمان بين النص والاجتهاد
- قناة السويس التاريخ والجغرافيا وبلطجة ترامب
- تزامن استهداف المقاومة في كل من اليمن وغزة
- سوريا في موكب الدمار الشامل
- كيف نفهم السلام العادل في الشرق الاوسط
- الاسلام و الدولة المدنية
- هل يقرا عشاق البخاري كتابه الصحيح بشكل عقلاني
- قراءة في كتاب إعلان النكير على المفتونين بالتصويرتأليف حمود ...


المزيد.....




- أبوظبي تواصل استثماراتها الضخمة في صناعة الترفيه رغم توترات ...
- مباراة كرة قدم أشعلت حرباً بين دولتين
- أكثر من 40 قتيلا في زلزال مدمر ضرب الفلبين وخلّف دمارًا واسع ...
- ترامب: نحن في المراحل النهائية لما سيكون اتفاقاً ممتازاً للغ ...
- سلطنة عمان.. سائح يوثق إطلالة غرفته على مضيق هرمز
- أقمار اصطناعية ترصد آثار الغارات على صور اللبنانية
- هآرتس: حكومة إسرائيل اختلست أكثر من مليار شيكل لشرعنة الاستي ...
- كم مرة أعلن ترمب قرب التوصل لاتفاق مع إيران؟
- مشروع قرار أوروبي أمريكي يطالب إيران بتقديم معلومات عن برنام ...
- من سيراليون إلى أوروبا.. هل تحولت غرب أفريقيا إلى منصة للكوك ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن الطوفان)