|
|
الفجوة المعرفية بين كمال التنزيل وأسطرة -الْوَحْيِ الثَّانِي
الناصر خشيني
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 21:23
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لم يكن القرآن الكريم مجرد كتاب ديني هبط في بقعة جغرافية محددة، بل كان إعلاناً إلهياً حاسماً بانتهاء عهد الوصاية الكهنوتية، وانبثاقاً لـ "طَور الرُّشد البشري". فقد جاء النص القرآني متسقاً مع النضج العقلاني والحضاري الذي بلغتْه الإنسانية إبان ظهور الرسالة المحمّدية؛ فخاطب العقل، وحث على السير في الأرض، وحرّر الوجدان من ربقة الميثولوجيا (الأساطير) القديمة، مقدماً منظومة قيمية وتشريعية تتسم بالمرونة، والسمو، والتنزّه التام عن التشبيه أو التجسيم.
لكن المأساة التاريخية الكبرى تكمن في ذلك "التناقض الفظيع" والبون الشاسع بين جوهر هذا التنزيل الحكيم، وبين ما صُنِع لاحقاً في مختبرات التراث البشري وتدثّر زوراً بعباءة القداسة تحت مسمى "الوحي الثاني". فما إن انقطع الوحي الشفهي برحيل الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى انفتحت الأبواب أمام حركة تحريف ممنهجة، تضافرت فيها المصالح السياسية للسلطة الناشئة مع الخلفيات الثقافية والدينية الوافدة من الموروثات التلمودية، والمدراشية، والقصص الكنسي القديم.
هذا التسلل الممنهج لم يقف عند حدود رواية الحديث النبوي فحسب، بل حوّل منظومة "التراث" بكافة تجلياتها إلى ساحة لإنتاج التناقضات:
في الحديث والسيرة: اسْتُبْدِلتْ شخصية الرسول الإنسانية الرسالية، الشاهدة والمبشرة والنذيرة، بشخصية أسطورية محاطة بخرافات الملاحم والغيبيات الشعبية، والدموية أحياناً، لتوافق النبوءات الإسرائيلية القديمة. في التفسير والفقه: عُطِّلت المقاصد القرآنية الكبرى لحساب تفاصيل فقهية طقوسية ضيقة، وتأويلات قائمة على الروايات التوراتية الوعظية (الإسرائيليات) التي حُشيت بها أمهات كتب التفسير بالمأثور، حتى صُيِّر الدِّين أغلالاً وإصراً بعد أن جاء ليضعها عن البشر. إن هذا الركام التراثي الذي يُدافع عنه "أهل العنعنات" اليوم باعتباره ديناً، لا يمثل حقيقة الإسلام، بل يمثل ارتداداً معرفياً عن "طور الرشد" الذي أسسه القرآن، وعودةً بالبشرية إلى طفولتها الفكرية حيث تروج الخرافة، وينتعش الكهنوت، ويُحجر على العقل؛ وهو ما يستلزم قراءة تفكيكية صارمة لمعرفة الأيدي الخفية التي صاغت هذا التحول، وعلى رأسها الأحبار والموالي الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا الاختراق.
الأربعين يهودياً الذين اخترعوا للمتأسلمين (وحيهم الثاني) الكاتب الأصلي: د. زهير جمعة المالكي (مع التوسع العلمي والتوثيق التراثي والحديث)
لو رجع أهل العنعنات والروايات المذهبية إلى أمهات كتبهم في الجرح والتعديل والتاريخ، لعرفوا بدقة من الذي وضع لهم أسس (وحيهم الثاني) وصاغ لهم الروايات التي نُسبت لاحقاً إلى الرسول. هذا التراث الذي يُحارب الكثيرون اليوم من أجل الحفاظ عليه واعتباره مقدساً موازياً للقرآن، إنما تشكلت نواته الأولى ومساراته العقائدية والتفسيرية على يد مجموعة من الأحبار، والموالي، ومسلمة أهل الكتاب، والقصاصين [1].
فيما يلي تفصيل وتوسع في الشخصيات الأربعين التي رسمت ملامح هذا التحول التراثي:
أولاً: رؤوس الأحبار ومخططو الاختراق العقدي والسياسي . أبو السمؤال الجليلي كبير أحبار الشام في عصره، وهو من الشخصيات التي تذكر القراءات النقدية للتراث أنه لم يسلم حقيقةً بل ظل متمسكاً بخلفيته المعرفية حتى زمن معاوية بن أبي سفيان [2]. يُنظر إليه في القراءات التفكيكية باعتباره واضع اللبنة الأولى والمهندس الخفي لخطة إدخال "التلموديات" (الروايات والقصص المستمدة من التلمود والمدراش اليهودي) في التراث الإسلامي عبر تلاميذه [3].
. ذو قرنات بفتحات الحميري من أحبار اليمن البارزين الذين تصفهم الروايات التراثية بعمق المعرفة، حتى إن كعب الأحبار نفسه قال عنه إنه «أعلم الناس» [4]. تنسب إليه المدارس النقدية دوراً محورياً في صياغة الروايات الأولى التي بررت قمع حروب الردة وتثبيت الرؤية السياسية لانتقال السلطة في الدولة الناشئة. كما زار الشام وكان حلقة الوصل في تأسيس مدرسة "القصاصين" في بلاط معاوية بن أبي سفيان لتحشيد الدعم الأيديولوجي لبني أمية [5].
. كعب بن ماتع (كعب الأحبار) أشهر أحبار اليهود الذين أعلنوا إسلامهم في عهد عمر بن الخطاب. كان تلميذاً لأبي السمؤال الجليلي، وتحول سريعاً إلى مستشار مقرب في الشؤون القصصية والغيبيات في المدينة والشام [6]. يُعد كعب الأحبار القناة الرئيسية التي تدفقت عبرها الإسرائيليات إلى الصحابة؛ حيث كان أستاذاً مباشراً تلقى عنه مكثرون من الرواية مثل أبي هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص [7]. من خلاله، تسللت مفاهيم التجسيم (تجسيد الذات الإلهية)، وخرافات "أرض الميعاد"، وتفاصيل "عذاب القبر" التي لم ترد في القرآن بتلك التفاصيل الأسطورية [8].
. تميم بن أوس الداري راهب مسيحي وقيل إنه كان على دراية بالكتب القديمة والمتاجرة بالخمر قبل إسلامه [9]. هو أول من سمح له عمر بن الخطاب بـ "القصص" وإلقاء المواعظ في المسجد النبوي يوماً في الأسبوع، وزادها عثمان بن عفان إلى يومين [10]. يُعد تميم الداري الصانع الأول في الرواية الإسلامية لخرافة "المسيح الدجال" وأسطورة دابة "الجساسة" في جزيرة غامضة، وهي الرواية التي رواها عنه النبي نفسه فيما يُعرف بحديث الجساسة الشهير، مما يوضح حجم تغلغل قصصه في الرواية [11].
. عبد الله بن سلام من أحبار يهود بني قينقاع في المدينة. حاول إضفاء الشرعية التنبؤية على نفسه داخل النص القرآني, فادعى (وادعى له الرواة لاحقاً) أن آيات مثل: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (الرعد: 43) وآية {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} (الأحقاف: 10) قد نزلتا فيه مكافأة له على إسلامه [12]. وجه الإشكال والمغالطة التاريخية هنا هو أن هاتين السورتين (الرعد والأحقاف) هما سورتان مكيّتان بالإجماع أو الغالب، في حين أن عبد الله بن سلام لم يسلم ولم يسمع به المسلمون إلا بعد الهجرة إلى المدينة، مما يكشف عن عملية "صناعة أسباب نزول" بأثر رجعي لرفع مكانة الأحبار [13].
ثانياً: فقهاء ومؤرخو مدرسة الأثر والإسرائيليات . زيد بن ثابت رغم مكانته الكبيرة في جمع القرآن، إلا أن المدارس النقدية تشير إلى خلفيته المعرفية وثقافته اليهودية؛ حيث تعلم كتابة اليهود (السريانية أو العبرية) في مدارس "بيت المدارس" بالمدينة في أيام معدودة بأمر النبي [14]. يُعزى إليه تأسيس "علم الفروض" (توزيع المواريث) بناءً على آراء واجتهادات حسابية وتنظيمية تأثرت بالمنظومة القانونية السائدة في يثرب، وتوسعت في تفاصيل لم ينص عليها النص القرآني المباشر [15].
. تبيع بن عامر الحميري ابن زوجة كعب الأحبار، وتربى في حجر الصانع الأكبر للإسرائيليات. عُرف في كتب التراث بلقب "تبيع صاحب الملاحم" لشدة ولعه بنقل نبوءات كتب أهل الكتاب حول الحروب والفتن المستقبلية [16]. شارك بشكل موسع في صياغة الملامح الأسطورية لـ "مغازي الرسول" وسيرته الشعبية، محولاً معارك الإسلام الأولى من سياقها التاريخي الواقعي إلى معارك كونية ملحمية تشبه أساطير العهد القديم [17].
. وهب بن منبه أحد التابعين من أهل اليمن، ذو أصول فارسية ويهودية مشتركة. كان متبحراً في كتب الأوائل، ووصفه المحدث المؤرخ محمد رشيد رضا (صاحب تفسير المنار) مع كعب الأحبار بأنهما "منبع الإسرائيليات" ومفسدي التراث التفسيري [18]. يُعد وهب من أوائل من نظروا ونشروا عقيدة "الجبرية" (أن الإنسان مسير لا مخير في أفعاله) مستنداً إلى رؤى توراتية قديمة وظفها بني أمية سياسياً لشرعنة حكمهم [19].
. همام بن منبه شقيق وهب بن منبه وتلميذ أبي هريرة. وضع ما عُرف بـ "صحيفة همام بن منبه" والتي تُعد من أقدم المدونات الحديثية. امتلأت هذه الصحيفة بروايات التجسيم والتشبيه المستعارة مباشرة من سفر التكوين والتلمود، ومن أشهرها حديث: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً»، وهو انعكاس صارخ للفكر الأنثروبومورفي (أنسنة الإله) اليهودي [20].
. عبد الصمد بن معقل بن منبه ابن أخي همام ووهب، دار في ذات الفلك العائلي وحمل ذات الإرث المعرفي المعتمد على روايات وقصص أهل الكتاب، ونقلها إلى أجيال المحدثين اللاحقين باعتبارها سنناً مأثورة [21].
. عبد المنعم بن إدريس بن سنان اليماني ابن بنت وهب بن منبه. كان يروي عن جده قصص الأنبياء ومبتدأ الخلق. ضعفه أئمة الجرح والتعديل مثل الإمام أحمد وابن معين، ووصفوه بأنه "كذاب يضع الحديث" ويختلق الروايات التاريخية والقصصية بالاعتماد على كتب الإسرائيليات الضائعة [22].
. محمد بن إسحاق بن يسار صاحب "المغازي والسير" وإمام السيرة النبوية. كان جده "يسار" من سبايا عين التمر (المسيحيين أو اليهود). طعن فيه معاصروه مثل الإمام مالك بن أنس ووصفه بأنه "دجال من الدجاجلة" لأنه كان ينقل أخبار المغازي والقصص عن أولاد يهود المدينة (مثل أبناء كعب القرظي) ويضمنها في تاريخ الإسلام دون تثبت [23].
ثالثاً: ناقلو الأساطير وصانعو المرويات الغيبية . أبو الجلد الجوني جيلان بن فروة الأسدي (أو البصري)، كان قارئاً مواظباً للكتب القديمة (التوراة والزبور والكتب المنسوبة للأنبياء) [24]. اعتبره المحدثون "ثقة" في روايته، لكن هذه الوثاقة كانت الغطاء الذي مرر من خلاله تفاصيل غيبية هائلة عن بدء الخلق والملائكة ونهاية العالم إلى التابعين في البصرة [25].
. أهبان اليهودي شخصية ارتبط اسمها بوضع المرويات الإعجازية الشعبية، وتحديداً أسطورة "حديث الذئب" الذي تكلم وتنبأ ببعثة النبي، وهي من الروايات التي وُضعت لتعويض النقص في المعجزات المادية الحية في العهد المدني [26].
. بستاني الإسرائيلي شخصية مغمورة في أسانيد بعض كتب التفسير بالمأثور، يُنسب إليه وضع وتفصيل أسماء النجوم الأحد عشر التي رآها النبي يوسف في منامه مسمياً إياها بأسماء عبرية وتلمودية غريبة لا أصل لها في النص القرآني [27].
. تميمة بنت وهب القرظية امرأة من بقايا يهود بني قريظة. نُسب إليها وضع الحديث الشهير في الأحوال الشخصية والطلاق: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، والذي أسس لتشريع "المحلل" وشرائطه الفقهية المعقدة في الفقه الإسلامي [28].
. جبل بن جوال الثعلبي شاعر يهودي أسلم لاحقاً. كان متغلغلاً في الأحداث السياسية لتهجير وإبادة يهود يثرب، وتُشير القراءات النقدية إلى إسهامه في صياغة الأرقام والتفاصيل الأسطورية والمأساوية المحيطة بـ "مذبحة بني قريظة"، حيث ظل يرثي حيي بن أخطب وكبار اليهود ويبث الحكايات الداخلية التي تحولت إلى حقائق تاريخية في كتب السير [29].
. أسد بن كعب من مسلمة اليهود الذين ساهموا في صياغة نبوءات البشارة؛ حيث اخترع أو نقل قصة الحبر اليهودي "ابن الهيبان" الذي قدم من الشام إلى المدينة قبل البعثة وبشر اليهود بأن نبياً سيبعث "بسفك الدماء وسبي الذراري"، وهي مرويات صبغت الدين الجديد بصبغة عنيفة توافق التصورات التوراتية عن نبي الملحمة [30].
. محمد بن مسلمة الأنصاري الذي تولى العمليات الأمنية والاغتيالات السياسية في العهد النبوي (مثل قصة اغتيال كعب بن الأشرف). تشير الروايات التاريخية إلى حذر الإمام علي بن أبي طالب منه وموقف علي الصارم تجاهه؛ حيث يروي ابن قتيبة في "الإمامة والسياسة" أن علياً قال: «وذُنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلتُ أخاه يوم خيبر: مَرحَب اليهودي»، في إشارة رمزية أو حقيقية إلى الروابط والخلفيات المعرفية والاجتماعية التي تحكمت في مواقف بعض الشخصيات [31].
. ثعلبة بن قيس من يهود المدينة الذين دخلوا الإسلام ظاهرياً أو تأخروا، وشاركوا في نقل المرويات المحلية والأعراف التلمودية السائدة في يثرب وصياغتها في قالب أحاديث نبوية شفهية [32].
. يامين بن عمير بن كعب النضري أحد أحبار بني النضير وبيت "المدراش" (بيت همدراش - بيت تدارس التوراة). أسلم وحافظ على ثروته المعرفية، وكان مصدراً أساسياً للأخبار التاريخية المتعلقة بالصراع اليهودي الإسلامي ومؤامرات المدينة في كتب ابن إسحاق والواقدي [33].
رابعاً: الموالي والمدونون الأوائل والثقافة المترجمة . ابن جريج (عبد الملك بن عبد العزيز) أول من دون العلم وصنف التصانيف بمكة. كان جده "جريج" (جورجيوس) عبداً رومياً أو نصرانياً لأم حبيب بنت جبير. اعتمد ابن جريج في تدوينه على التوسع والرواية المرسلة، وأدخل في تفسيره ومصنفاته الكثير من مرويات أهل الكتاب النصرانية واليهودية حول مريم وعيسى وقصص الأنبياء [34].
. جريجرة اليهودي من الشخصيات النقلية الشامية التي نشطت في الترويج لفكرة "مركزية الشام" وأسطورية الأرض المقدسة، مساهماً في نشر عقيدة أن "أرض الميعاد التوراتية" هي ذاتها الأرض المباركة التي يجب أن تتمحور حولها الخلافة الإسلامية الأموية [35].
. محمد بن كعب القرظي كان أبوه كعب من سبايا بني قريظة الذين لم يُقتلوا لصغر سنهم، وأمه من بني النضير. سكن الكوفة ثم المدينة، وكان مفسراً ممتلئاً بالثقافة التلمودية العائلية، وقُبلت تفسيراته الغيبية للقرآن في كتب الطبري وابن كثير بلا مراجعة لخلفيته العائلية النضيرية-القرظية [36].
. نوف بن فضالة البكالي ابن زوجة كعب الأحبار (حميري الشام). كان قاصاً لبلاد الشام، ومثل أبيه الروحي كعب، كان يقول: «إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء»، في إشارة صريحة إلى استخدام "الكتب القديمة" (التي يسميها كتاب الله) للتنبؤ السياسي وتوجيه الصراعات داخل الأمة [37].
. محمد بن سيرين إمام التابعين في البصرة، وكان أبوه سريناً من سبايا عين التمر. يُعد ابن سيرين البوابة التشريعية الأولى التي أدخلت ثقافة "تأويل الأحلام" والغيبيات المنامية إلى صلب الشريعة الإسلامية، مقتبساً طرق التأويل والرموز من الأدبيات البابلية واليهودية القديمة المحيطة بالعراق [38].
. موسى بن نصِير القائد العسكري الشهير، والده نصير كان من سبايا عين التمر أيضاً. تشير الروايات النقدية إلى دور عائلته ومواليه في تمرير الكثير من الثقافات المترجمة؛ حيث نُسبت إلى أمه "النابغة" خطوط اجتماعية وثقافية أثرت في البيئة السياسية الأموية [39].
. يوسف بن الزبير المكي مولى آل الزبير، كان يهودياً فأسلم، وكان رضيعاً للخليفة عبد الملك بن مروان. كان يقرأ الكتب القديمة، ويُعد من القنوات السرية التي غذت البلاط الأموي بالرؤى التنبؤية والقصص التاريخية الإسرائيلية [40].
. حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان، وأصله من سبايا عين التمر (من أصول مسيحية أو يهودية). يُنظر إليه نقدياً باعتباره مخترع أو الصائغ الأساسي للتفاصيل الطقوسية المعقدة في "حديث وضوء النبي" (الصفة الثلاثية والترتيب)، وهي طقوس طهارة بابلية وتلمودية نُقلت بدقة إلى الفقه الإسلامي [41].
خامساً: الموالي والقصاصون وصانعو الملاحم والأساطير . أبو عمرة (مولى الأنصار) من الموالي الذين الروابط الاجتماعية ومجتمع المدينة عُبِّدت لهم الطريق ليكونوا حلقة الوصل في نقل الإرث الثقافي غير العربي وتضمينه في الأحاديث اليومية للصحابة [42].
. عبد الأعلى بن أبي عمرة زوج أخت موسى بن نصير. من رواد الميثولوجيا (الأساطير) الغيبية؛ حيث يُنسب إليه وضع الحديث الفلكي الأسطوري الذي يقول: «إن المجرة التي في السماء هي عرق الأفعى التي تحت العرش»، وهو تصور كوني مأخوذ بالكامل من الأساطير البابلية واليهودية القديمة حول التنانين والحيَّات الكونية [43].
. أبو عبيد (مولى المعلى) من التابعين من الموالي الذين نقلوا الروايات والسنن الفقهية المتاخمة للثقافات المجاورة في العهد الأموي والمدني [44].
. عبيد بن حنين مولى زيد بن الخطاب، كان يروي عن أبي هريرة وزيد بن ثابت، ويُعد من القنوات النشطة في تمرير أحاديث الصفات والقصص التفسيرية ذات الطابع التجسيمي [45].
. أفلح (مولى أبي أيوب الأنصاري) تابع ومولى، نقل مرويات البيئة المدنية المتأثرة بالثقافة اليهودية السائدة قبل الإسلام [46].
. مغيث بن سمي الأوزاعي أبو أيوب الشامي، من كبار القصاصين والمحدثين في الشام، عُرف بتبحره في "الكتب المتقدمة" (التوراة والكتب القديمة)، وكان يحدّث بما يجد فيها من الملاحم والفتن وأمور آخر العالم في بلاط الخلفاء [47].
. عبد الله بن رباح الأنصاري قاص ومحدث مدني ثم بصري، كان يجمع بين القصص الوعظي المستند إلى خلفيات أهل الكتاب والرواية المأثورة [48].
. عبيد الله بن رباح شقيق عبد الله، سار في نفس المسار الروائي التابع لمدرسة القصاصين والموالي الذين شكلوا الوجدان العام للعامة عبر الحكايات الغيبية [49].
. كيسان أبو فروة من سبايا عين التمر. اشتراه عثمان بن عفان ثم أعتقه وجعله حافراً للقبور في المدينة. أسس كيسان عائلة روائية كاملة (آل أبي فروة) تخصصت في صياغة ونقل مرويات التفسير والحديث والمغازي تحت رعاية أموية [50].
. عبد الله بن كيسان ابن أبي فروة، أكمل مسيرة والده في الرواية والاندماج في الآلة الإعلامية الأموية لصناعة الأحاديث والسنن [51].
. الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة حفيد كيسان، وأحد أقوى رجال الدولة العباسية (حاجب المنصور والمهدي). يمثل هذا الخط العائلي ذروة تحول الموالي من سبايا عين التمر إلى صُناع القرار السياسي والمدونين الكبار للتراث الإسلامي، مكرسين المنظومة الروائية (الوحى الثاني) التي صيغت عبر أجيال من أصول غير عربية ممتلئة بالثقافات الإسرائيلية القديمة [52].
الهوامش والمراجع والتخريج التراثي [1] محمد رشيد رضا، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج 1، ص 9-11 (الكلام عن إفساد الإسرائيليات للتفسير).
[2] ابن عساكر، تاريخ دمشق، دار الفكر، ج 68، ص 112 (ترجمة الأحبار في الشام).
[3] محمود أبو رية، أضواء على السنة النبوية، دار المعارف، ط 5، ص 145-148 (تسلل التلموديات).
[4] ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، دار صادر، ج 8، ص 413 (أخبار أحبار اليمن).
[5] الذهبي، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، ج 3، ص 489 (تأسيس مدرسة القصاصين).
[6] ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر، ج 7، ص 445 (ترجمة كعب الأحبار).
[7] ابن كثير، البداية والنهاية، دار هجر، ج 8، ص 114 (أخذ الصحابة عن كعب).
[8] محمود أبو رية، شيخ المضيرة أبو هريرة، دار المعارف، ص 110-115 (أثر كعب في التجسيم وعذاب القبر).
[9] ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، دار الجيل، ج 1، ص 192 (ترجمة تميم الداري وقصة الخمر).
[10] السيوطي، تاريخ الخلفاء، دار القلم، ص 134 (أولية القصص في المسجد).
[11] صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة، حديث رقم 2942.
[12] الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، دار هجر، ج 16، ص 481؛ وج 22، ص 102.
[13] ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، ج 4، ص 312 (نقد مكيّة الآيات ونزولها في ابن سلام).
[14] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب ترجمة الحكام، حديث رقم 7193 (تعلم زيد كتابة اليهود).
[15] ابن قتيبة الدينوري، المعارف، دار الكتب العلمية، ص 243 (تأسيس زيد لعلم الفروض).
[16] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 122 (ترجمة تبيع صاحب الملاحم).
[17] ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 476.
[18] محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 4، ص 234 (منبع الإسرائيليات).
[19] المقريزي، الخطط المقريزية (المواعظ والاعتبار)، دار الكتب العلمية، ج 3، ص 356 (نشأة الجبرية والسياسة).
[20] صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، حديث رقم 6227 (حديث خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً).
[21] ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، ج 6، ص 54.
[22] الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي، ج 13، ص 441 (ترجمة عبد المنعم بن إدريس وتكذيبه).
[23] الذهبي splinter، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، دار المعرفة، ج 3، ص 468 (طعن مالك في ابن إسحاق وروايته عن اليهود).
[24] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 7، ص 213 (ترجمة جيلان بن فروة أبو الجلد).
[25] ابن حجر، تقريب التهذيب، دار الرشيد، ص 142 (رتبة أبي الجلد).
[26] الإمام أحمد، مسند أحمد بن حنبل، مسند أبي سعيد الخدري، حديث رقم 11779 (حديث كلام الذئب).
[27] الثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، ج 5، ص 201 (ذكر أسماء النجوم عن بستاني الإسرائيلي).
[28] صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب لعن المحلل والمحلل له، وحديث تميمة (عسيلتك).
[29] الواقدي، كتاب المغازي، دار الأعلمي، ج 2، ص 512 (أشعار وروايات جبل بن جوال في بني قريظة).
[30] ابن هشام، السيرة النبوية، دار القلم، ج 1، ص 211 (قصة ابن الهيبان ونبوءة سفك الدماء).
[31] ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، دار الأضواء، ج 1، ص 68 (موقف علي من محمد بن مسلمة وقصة خيبر).
[32] ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 453.
[33] البلاذري، أنساب الأشراف، دار اليقظة، ج 1، ص 344 (أخبار يامين بن عمير النضري).
[34] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 6، ص 325 (ترجمة ابن جريج وأوليته في التدوين).
[35] ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج 11، ص 392 (مرويات جريجرة اليهودي في الشام).
[36] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 5، ص 361 (ترجمة محمد بن كعب القرظي ونسبه).
[37] ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 10، ص 432 (ترجمة نوف البكالي ومروياته التنبؤية).
[38] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 606 (ترجمة ابن سيرين وسبي عين التمر وتأويل الأحلام).
[39] ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، دار الثقافة، ج 2، ص 12 (أصول موسى بن نصير).
[40] المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، مؤسسة الرسالة, ج 32، ص 214 (ترجمة يوسف بن الزبير).
[41] صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، رواية حمران عن عثمان، حديث رقم 159.
[42] ابن حجر، الإصابة، ج 7، ص 281 (ترجمة أبي عمرة مولى الأنصار).
[43] الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 124؛ والسيوطي، الدر المنثور، ج 1، ص 89 (حديث المجرة وعرق الأفعى الكونية).
[44] ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ج 9، ص 411.
[45] البخاري، التاريخ الكبير، دار دائرة المعارف العثمانية، ج 5، ص 376 (ترجمة عبيد بن حنين).
[46] ابن حبان، كتاب الثقات، دار الكتب العلمية، ج 4، ص 53.
[47] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 278 (ترجمة مغيث بن سمي الأوزاعي وقراءته للكتب القديمة).
[48] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 5، ص 288.
[49] المزي، تهذيب الكمال، ج 19، ص 41.
[50] ابن قتيبة، المعارف، ص 311 (قصة كيسان أبي فروة وحفر القبور وسبي عين التمر).
[51] الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 2، ص 472 (ترجمة عبد الله بن كيسان آل أبي فروة).
[52] الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، ج 8، ص 143 (دور الربيع بن يونس في الدولة العباسية ونفوذ آل أبي فروة).
#الناصر_خشيني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من وحي النكسة: صمود المقاومة وتهافت المظلات الغربية
-
طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين
...
-
البنوك الاسلامية وارتباطها بالراسمالية
-
هندسة الخنق الاقتصادي والتطبيع بالوكالة: كيف سحقت -دليس- منا
...
-
الحدود والتجزئة: جذور التخلف العربي ومسالك الخلاص
-
البُعد العروبي في القرآن الكريم ونشأة الأمة العربية
-
النفط العربي: نعمة تحوّلت نقمة كيف سرقت الثروة الشعبَ وموّلت
...
-
أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً وم
...
-
الأراضي العربية المحتلة: فلسطين ليست وحدها
-
الدور الصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية من التنافس الاقتصاد
...
-
الحج والتقويم الإسلامي: إشكالية الزمان بين النص والاجتهاد
-
قناة السويس التاريخ والجغرافيا وبلطجة ترامب
-
تزامن استهداف المقاومة في كل من اليمن وغزة
-
سوريا في موكب الدمار الشامل
-
كيف نفهم السلام العادل في الشرق الاوسط
-
الاسلام و الدولة المدنية
-
هل يقرا عشاق البخاري كتابه الصحيح بشكل عقلاني
-
قراءة في كتاب إعلان النكير على المفتونين بالتصويرتأليف حمود
...
-
التفاسير عمل بشري يطغى عليه كل عوامل التاثير البشري الاية 24
...
-
صالح الفوزان وفضائح الفقه المعاصر من خلال كتابه الملخص الفقه
...
المزيد.....
-
بابا الفاتيكان في إسبانيا.. مهاجرون واستقطاب وفضائح مسكوت عن
...
-
نزيف الكنيسة مستمر.. لماذا يفقد الألمان إيمانهم؟
-
مستشار قائد الثورة والجمهورية الإسلامية علي أكبر ولايتي: مخا
...
-
المقاومة الإسلامية: استهدفنا تجمّعاً لآليات وجنود -جيش- الع
...
-
كاتدرائية ساغرادا فاميليا، مهاجرون... ما هو برنامج البابا خل
...
-
مشروع ثقافي جديد بطنجة.. حركة التوحيد والإصلاح تعيد الاعتبار
...
-
أردوغان يعلن اندماج بنوك تركيا الإسلامية ويشيد بالتمويل بالم
...
-
مسئول فلسطيني لـ الشروق: مشروع القانون الإسرائيلي لتقييد الأ
...
-
الوقف السني يوجّه خطباء المساجد للإشادة بملف حصر السلاح
-
المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلقة أبابيل الانقضاض
...
المزيد.....
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
المزيد.....
|