أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات غير المؤسسية؟ - مقال رأي















المزيد.....

الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات غير المؤسسية؟ - مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 14:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الدولة الحديثة، لا يفترض أن يكون الحق مكافأة تمنحها السلطة، و لا منّة يقدمها الموظف، و لا فرصة يحصل عليها المواطن إذا امتلك علاقة أو واسطة أو قدرة على المناورة. الحق، في معناه القانوني و السياسي، هو استحقاق ثابت يرتبط بالمواطنة، لا بالموقع الاجتماعي أو الانتماء أو القرب من مركز القرار. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الدولة موجودة شكلاً، و غائبة مؤسسياً. عندها تتحول الحقوق اليومية، مثل التوظيف، و العلاج، و التعليم، و إنجاز المعاملة، و الحصول على خدمة بلدية، إلى امتيازات غير معلنة، لا يحصل عليها المواطن لأنه مواطن، بل لأنه يعرف الطريق المختصر إلى داخل النظام.
هذه ليست مشكلة أخلاقية فقط، بل مشكلة بنيوية. فالمجتمعات غير المؤسسية لا تعاني من نقص القوانين بقدر ما تعاني من ضعف قابلية القانون للتطبيق المتساوي. قد توجد نصوص دستورية جميلة، و لوائح إدارية مفصلة، و خطابات رسمية عن العدالة و الإصلاح، لكن المواطن لا يقيس الدولة بالنصوص، بل بتجربته اليومية معها. عندما يحتاج إلى معاملة بسيطة فيجد نفسه مضطراً إلى البحث عن قريب أو صديق أو وسيط، فإنه لا يتعامل مع مؤسسة، بل مع شبكة نفوذ. و عندما يرى أن فرصة العمل لا تُحسم بالكفاءة، بل بالانتماء و القرب و القدرة على الوصول، فإنه لا يعود يرى الدولة كضامن للحقوق، بل كسوق مغلق للامتيازات.
في العراق، تظهر هذه الإشكالية بصورة واضحة بسبب تضخم العلاقة بين المواطن و الدولة من جهة، و ضعف الاقتصاد المنتج من جهة أخرى. فالدولة ليست مجرد جهة تنظيمية، بل هي رب العمل الأكبر، و الممول الأكبر، و الموزع الأكبر للموارد. و لذلك تصبح الوظيفة العامة، في وعي قطاعات واسعة من المجتمع، ليست مجرد عقد عمل، بل ضمان اجتماعي و اعتراف رمزي و حماية من تقلبات السوق. تشير بيانات البنك الدولي إلى أن البطالة في العراق ما زالت مرتفعة، مع تسجيل معدل بطالة يقارب 13.5% في عرض البنك الدولي عن العراق، بينما تظل بطالة الشباب أكثر إلحاحاً في قواعد بياناته الخاصة بالفئة العمرية 15–24 سنة . في مثل هذا السياق، لا تعود الوظيفة حقاً منظماً أو نتيجة لمنافسة عادلة، بل تتحول إلى غنيمة اجتماعية يتنافس عليها الناس بأدوات غير مؤسسية.
الأخطر أن المواطن يتكيف مع هذا الخلل. في البداية يحتج على غياب العدالة، ثم يتعلم قواعد اللعبة، ثم يبدأ باستعمالها. هنا تتكون المفارقة: المواطن يرفض الواسطة عندما تكون ضده، و يقبلها عندما تعمل لصالحه. يرفض المحسوبية حين تحرمه من فرصة، و يراها “تدبيراً” حين تساعده على إنجاز معاملة أو تعيين قريب. بهذا المعنى، لا تفسد الدولة المواطن فقط، بل يساهم المواطن، بفعل الحاجة و الخوف و ضعف البدائل، في إعادة إنتاج الدولة غير المؤسسية. و مع الزمن، تصبح الواسطة لغة اجتماعية طبيعية، لا انحرافاً عن القاعدة.
تحول الحقوق إلى امتيازات يرتبط أيضاً بضعف الثقة العامة. في المجتمعات المؤسسية، لا يحتاج المواطن غالباً إلى معرفة اسم الموظف، لأن النظام نفسه يكفي. أما في المجتمع غير المؤسسي، فمعرفة الشخص أهم من معرفة الإجراء. الثقة لا تكون في القانون، بل في العلاقة. و حين تنخفض الثقة بالمؤسسات، يرتفع الطلب على العلاقات الخاصة. لذلك تصبح الشبكات العائلية و الحزبية و المناطقية أدوات حماية بديلة عن الدولة. هي لا تظهر لأن المجتمع يحب الفوضى، بل لأنها تؤدي وظيفة تعويضية في فراغ الدولة العادلة.
الفساد هنا ليس مجرد رشوة مالية. إنه أوسع من ذلك. إنه تحويل المجال العام إلى مجال خاص. عندما تُدار الخدمة العامة بعقلية الامتياز، تصبح المدرسة الجيدة لمن يستطيع الوصول، و المستشفى الأفضل لمن يمتلك واسطة، و العقد الحكومي لمن يملك حماية، و المنصب لمن ينتمي إلى شبكة نافذة. و لهذا لا تكفي محاربة الفساد عبر الشعارات أو حملات موسمية. فمؤشر مدركات الفساد لعام 2024 منح العراق درجة منخفضة، إذ تذكر صفحة منظمة الشفافية الدولية أن العراق حصل على 28 من 100 و جاء في المرتبة 136 من بين 182 دولة، و هذا يعكس استمرار مشكلة عميقة في إدراك نزاهة القطاع العام . الرقم لا يشرح كل شيء، لكنه يضيء جزءاً من الصورة: حين تكون النزاهة ضعيفة، تصبح الحقوق قابلة للتفاوض.
و لا يمكن فصل هذه القضية عن بنية الإنفاق العام. عندما تتوسع الرواتب و التحويلات و التعيينات بلا إصلاح إداري حقيقي، تصبح الدولة أكثر عرضة للتحول إلى جهاز توزيع لا جهاز حكم. صندوق النقد الدولي حذر في تقريره عن العراق عام 2024 من أن السياسات المالية القائمة تزيد هشاشة العراق أمام أسعار النفط، و دعا إلى ضبط فاتورة الأجور و تعزيز الإيرادات غير النفطية مع حماية الاحتياجات الاجتماعية و الاستثمارية الأساسية . المعنى السياسي لهذا التحذير واضح: دولة تعتمد على الريع و التوظيف العام لإدارة الرضا الاجتماعي ستجد صعوبة في بناء مواطنة قائمة على الحقوق المتساوية.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من نقطة بسيطة لكنها صعبة: جعل الإجراء أقوى من الشخص. أي أن يعرف المواطن ما له و ما عليه من دون أن يحتاج إلى وسيط. هذا يتطلب شفافية في التعيينات، و رقمنة بمعنى التحول الإلكتروني لا مجرد شراء أجهزة، و نشر معايير الخدمات، و تقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن و الموظف، و بناء نظام شكاوى قابل للتتبع، و ربط الترقية الإدارية بالأداء لا بالولاء. و الأهم من ذلك كله، أن تفهم الدولة أن العدالة الإجرائية ليست ترفاً، بل هي أساس الاستقرار.
برأيي المتواضع، فإن خطورة المجتمعات غير المؤسسية لا تكمن فقط في أنها تظلم بعض المواطنين، بل في أنها تغيّر معنى المواطنة نفسها. المواطن لا يعود صاحب حق، بل طالب خدمة. و الدولة لا تعود مؤسسة عامة، بل باباً يحتاج إلى مفتاح خاص. و حين يصبح الحق امتيازاً، تفقد الدولة معناها الأخلاقي و القانوني، حتى لو بقيت مبانيها و وزاراتها و شعاراتها قائمة. الإصلاح، في جوهره، ليس تغيير أسماء و وجوه، بل إعادة بناء العلاقة بين الدولة و المواطن على قاعدة واحدة: ما يُمنح لمواطن بوصفه حقاً، يجب أن يكون متاحاً لكل مواطن بالشروط نفسها، و من دون إذلال، و من دون واسطة.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- -هل ما بيدك حيلة؟-.. مذيعة CNN تسأل الرئيس اللبناني من القصر ...
- شاهد.. نظارة طفل مكسورة تكشف واقع الحياة في غزة
- الجيش الأمريكي ينفي إطلاق إيران طلقات تحذيرية على سفن حربية ...
- صواريخ تحذيرية قرب هرمز.. عراقجي يرد على ترامب: لقاء خامنئي ...
- مدير “العمل الدولية” يطلق صاروخ تحذير من جنيف: مستقبل الوظائ ...
- ستة أيام من الرعب.. نهاية مأساوية لقصة اختفاء الطفلة ليهانا ...
- تصعيد وتكثيف للغارات الإسرائيلية على لبنان رغم الإعلان عن ات ...
- تايلاند: الخدمة العسكرية بالقرعة!
- فرنسا: العثور على جثة يُعتقد أنها للطفلة لهيانا بعد ستة أيام ...
- صحفيان من فرانس24 يتعرضان للترهيب بعد سؤال حول عريضة مناهضة ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات غير المؤسسية؟ - مقال رأي