أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد خدام عبدالكريم - تعافي المجتمعات القبلية في غرب














المزيد.....

تعافي المجتمعات القبلية في غرب


محمد خدام عبدالكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 00:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تعافي المجتمعات القبلية في غرب السودان

لأول مرة منذ سقوط دولة الخليفة عبدالله ودتورشين التعايشي تشهد مجتمعات غرب السودان حالة من الوعي الجماعي والتعافي الاجتماعي لم تبلغها من قبل فعلى امتداد أكثر من قرن ظلت النخب المهيمنة على الدولة في الخرطوم تدير السودان بعقلية تقوم على تفكيك الأطراف لا بنائها وعلى تغذية الانقسامات لا معالجة أسبابها فكانت الحروب القبلية والنزاعات المحلية إحدى أهم أدوات السيطرة السياسية حيث أُهدرت طاقات المجتمعات في صراعات داخلية بينما ظلت قضايا السلطة والثروة والتنمية والعدالة بعيدة عن متناولها .

لقد نجحت هذه السياسات إلى حد كبير في تحويل غرب السودان إلى مسرح مفتوح للصراعات حتى أصبح من النادر أن نجد قبيلة لم تدخل في نزاع مع أخرى في مرحلة من المراحل وكانت المجتمعات البدوية هي الأكثر استهدافا وتأثرا رغم أنها في حقيقتها مجتمعات متداخلة في الأنساب والتاريخ والثقافة والمصالح وتجمعها روابط الدم والمصاهرة أكثر مما تفرقها أسباب النزاع .

ان ما يحدث اليوم يمثل تحول تاريخي عميقا فبعد عقود طويلة من الاقتتال والاستنزاف بدأت هذه المجتمعات تدرك أن أكبر انتصار ليس هزيمة القبيلة الأخرى وإنما هزيمة أسباب الفتنة نفسها وأصبح واضحا أن الدماء التي سالت بين أبناء الإقليم لم تكن تخدم مصالحهم بل كانت وقود لمشاريع سياسية صيغت بعيدا عنهم واستفادت من انشغالهم ببعضهم البعض .

لقد اكتشفت مجتمعات غرب السودان أن العداء الذي زرع بينها لم يكن قدرا محتوم وإنما صناعة سياسية استمرت طويلا لأنها وجدت من يغذيها ويستثمر فيها ولذلك فإن موجة المصالحات الاجتماعية التي نشهدها اليوم ليست حالة عابرة بل تعبير عن نضج سياسي واجتماعي جديد وعن إدراك متزايد بأن مستقبل هذه المجتمعات لا يمكن أن يبنى على الثأر والكراهية وإنما على الشراكة والتعايش والمصير المشترك .

إن التحولات التي أفرزتها حرب الخامس عشر من أبريل ومشروع تأسيس السودان لم تقتصر على الميدان العسكري أو السياسي بل أحدثت تحولا عميقا في الوعي الاجتماعي نفسه فهذه الحرب دفعت قطاعات واسعة من أهل الغرب إلى مراجعة تاريخ الصراعات الداخلية وإلى إعادة تعريف العدو الحقيقي الذي ظل يستفيد من انقسامهم لعقود طويلة .

لقد قدمت مجتمعات البدو آلاف الضحايا في نزاعات قبلية لم تنتج سوى المزيد من الفقر والتخلف والانقسام أما اليوم فإن التضحيات تطرح في سياق مختلف سياق يسعى إلى بناء سودان جديد يقوم على العدالة والمساواة والشراكة الحقيقية بين جميع مكوناته لا على الامتيازات التاريخية والهيمنة التي أنتجت الأزمات المتلاحقة لهذا فإن أعظم إنجاز تحقق حتى الآن ليس التقدم في ساحات القتال وإنما هذا التحول في الوعي الاجتماعي فحين تتوقف القبائل عن النظر إلى بعضها البعض باعتبارها خصوما وتبدأ في رؤية نفسها باعتبارها شركاء في قضية واحدة ومستقبل واحد فإنها تكون قد وضعت الأساس الحقيقي لبناء دولة مختلفة .

من هنا تقع مسؤولية تاريخية على جميع أبناء المجتمعات البدوية داخل السودان وخارجه للاستمرار في هذا الوعي الجديد وحمايته من محاولات الاختراق والردة فهذه المجتمعات هي التي اكتوت أكثر من غيرها بنار الفتنة القبلية وهي الأقدر اليوم على إغلاق هذا الملف وإلى الأبد وعدم السماح بإعادة إنتاجه تحت أي مسمى أو ذريعة .

إن مشروع تأسيس السودان الذي تشكل اليوم ليس مشروع حرب فحسب بل مشروع مصالحة تاريخية بين السودانيين وإذا كانت دولة الخليفة عبد الله التعايشي قد انطلقت من غرب السودان في لحظة تاريخية سابقة فإن من الممكن أن تنطلق من غرب السودان مرة أخرى فكرة الدولة الوطنية القائمة على المساواة والاعتراف المتبادل بين جميع أبنائها غير أن ذلك يتطلب الاستفادة من دروس الماضي وعدم الوقوع في ذات الفخاخ التي استخدمت لتفكيك الدولة وإضعافها .

لسنا في معركة ضد أهلنا في شمال السودان أو في أي إقليم من أقاليم الوطن وإنما في مواجهة مع السياسات التي جعلت من الانقسام وسيلة للحكم ومن التهميش أداة لإدارة الدولة وما نطمح إليه هو سودان يتسع للجميع يدرك فيه كل إقليم أن استقراره مرتبط باستقرار الآخر وأن مستقبل السودانيين لا يمكن أن يبنى على الغلبة والإقصاء .

إن التعافي الذي بدأ في غرب السودان اليوم يجب ألا يتوقف عند حدوده الجغرافية بل ينبغي أن يمتد إلى كل أنحاء البلاد وإذا نجحت مجتمعات الغرب في تجاوز جراحاتها وبناء جسور الثقة فيما بينها فإنها لن تكون قد أنقذت نفسها فحسب بل ستكون قد وضعت اللبنة الأولى في مشروع وطني كبير يعيد خياطة ما تمزق من النسيج السوداني ويفتح الطريق أمام سودان يتأسس على الوحدة والعدالة والسلام الاجتماعي .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- 3 مسارات تعيد رسم الشرق الأوسط ما بعد الحرب
- هل تنجح الحكومة العراقية في حصر السلاح؟
- حواجز وإتاوات.. من يعرقل امتحانات طلاب السويداء؟
- تحصينات إسرائيلية برفح تعيد الجدل بشأن الملحق الأمني لـ-كامب ...
- بوتين: جربنا أسلحتنا في أوكرانيا والحرب ستتوقف بشروطنا
- سلام: المفاوضات لم تكن سهلة.. واجهنا تعنتا إسرائيليا
- -باراك أوباما- يترشح لمنصب حاكم كاليفورنيا.. ما القصة؟
- زامير: الجيش الإسرائيلي جاهز ونركز على الجبهة الشمالية
- قطاع غزة.. تحذيرات من كارثة بيئية غير مسبوقة
- لبنان.. رفض حزب الله للاتفاق يهدد جهود إنهاء الحرب مع إيران ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد خدام عبدالكريم - تعافي المجتمعات القبلية في غرب