محمد خدام عبد الكريم
كاتب
(Mohamed Khadam Abdalkareim)
الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 20:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
البدو وحالة الإبعاد المتعمد التي تعرضوا لها قبيل وبعد سقوط دولة الخليفة عبد الله التعايشي ليست حادثة عابرة في تاريخ السودان ولا مجرد نتيجة طبيعية لتحولات سياسية أعقبت انهيار دولة المهدية بل هي جزء من مشروع طويل ومعقد لإعادة تشكيل الوعي السوداني عبر إنتاج سرديات نفسية واجتماعية هدفت إلى تحطيم الثقة الذاتية لمجتمعات كاملة وتجريدها من أي شعور تاريخي بالقدرة على الحكم أو الصمود أو بناء الدولة .
هذه السرديات لم تكن مجرد خطاب سياسي مؤقت بل تحولت مع الزمن إلى أدوات حكم وإلى جزء من البنية الذهنية التي أدارت بها النخب المركزية السودان لعقود طويلة .
إن السيطرة على الشعوب لا تتم دائمًا بالقوة العسكرية وحدها بل كثيرًا ما تبدأ بالسيطرة على وعيها وعلى الصورة التي ترى بها نفسها .
فعندما أراد أعداء السودان احتلاله بعد سقوط الدولة المهدية لم يتعاملوا مع الأمر باعتباره مجرد انتصار عسكري على جيش الخليفة عبد الله بل حاولوا دراسة البنية الاجتماعية والنفسية التي جعلت تلك الدولة تصمد رغم الحصار ورغم قسوة البيئة ورغم التفوق العسكري الهائل الذي واجهته وحينها وجدوا أمامهم مجتمعات شديدة الصلابة متماسكة بصورة يصعب اختراقها قادرة على تحمل أقسى الظروف وعلى الاستمرار في الحرب لفترات طويلة دون انهيار نفسي أو اجتماعي انها كانت مجتمعات تعرف معنى الصبر ومعنى الترحال ومعنى الانتظار الطويل ومعنى الحياة في بيئة لا تمنح الإنسان فرصة النجاة إلا إذا امتلك قدرة استثنائية على الاحتمال .
أن هزيمة تلك المجتمعات بالقوة وحدها لم تكن كافية لضمان السيطرة المستدامة على السودان جرى الانتقال إلى معركة أخرى أكثر خطورة "معركة السردية"فتم تصنيع صورة ذهنية كاملة عن “البدوي” صورة تقدمه باعتباره إنسانًا مندفعًا غير قادر على التخطيط البعيد ولا يملك النفس الطويل ولا يستطيع بناء دولة مستقرة أو إدارة مؤسسات حديثة ومع مرور الزمن لم تعد هذه السردية مجرد خطاب احتلالي بل تحولت إلى “حقيقة اجتماعية” يعيد إنتاجها حتى بعض ضحاياها أنفسهم .
هنا تكمن أخطر مراحل الهيمنة حين ينجح الكذب في التحول إلى وعي جمعي وحين تبدأ المجتمعات المستهدفة في النظر إلى نفسها بعيون خصومها .
لقد كانت أخطر تلك السرديات هي المقولة الشهيرة “العرب البدو لا يملكون الصبر” وهي ليست جملة عابرة كما يظن البعض بل هي مفتاح كامل لفهم كيف جرى التعامل مع مجتمعات الهامش في السودان طوال أكثر من قرن .
أن نزع صفة الصبر عن مجتمع ما يعني عمليا نزع أهليته للحرب الطويلة ولنزع قدرته على بناء الدولة ولنزع الثقة في إمكانية استمراره السياسي والعسكري لذلك ظلت هذه الرواية تتكرر على ألسنة النخب المركزية وعلى ألسنة وكلاء الاحتلال وفي الثقافة الشعبية وحتى في بعض الكتابات السياسية إلى درجة أن بعض أبناء تلك المجتمعات بدأوا يرددونها عن أنفسهم دون إدراك أنهم يعيدون إنتاج أداة صممت أصلا لتحطيمهم نفسيا .
الحقيقة إن المجتمعات البدوية ربما تكون من أكثر المجتمعات امتلاكا للصبر الطويل فالإنسان الذي يعيش في الصحراء وينتظر المطر ويرحل مئات الكيلومترات بحثا عن الماء والكلأ ويصبر على الجوع والعطش وينتظر الناقة عام كامل حتى تلد لا يمكن وصفه بأنه إنسان بلا صبر .
لكن المشكلة لم تكن يوما في الحقيقة بل في السردية التي صنعت حول الحقيقة .
وأذكر أنه في حرب الخامس عشر من أبريل 2023م وبالتحديد في اليوم السادس من الحرب وبينما كنا في استراحة محارب قلت لأسامة الحسن “جنجويد” مولاي إذا المعركة دي طولت الجماعة ديل بهزمونا لأن العرب البدو ما عندهم صبر” كنت أقول ذلك وأنا متأثر بتلك السردية القديمة خاصة وأن الثقل الأكبر في قوى ثورة الخامس عشر من أبريل جاء من هذه المجتمعات نفسها فضحك أسامة بصوت عال ثم قال معقولة يا شيخي، حتى إنت الموضوع دا راكب ليك في راسك؟” ثم واصل حديثه بطريقة جعلتني أعيد التفكير في كثير من الأشياء وقال الزول البينتظر الناقة 12 شهر عشان تلد ويستفيد منها ويتعب في الترحال من الصعيد للريح دا ما عندو صبر؟ طيب العندو الصبر منو تاني؟ في تلك اللحظة بدا لي أن أسامة لا يرد فقط على جملة عابرة بل كان يهدم سردية كاملة عمرها أكثر من مئة عام .
لاحقا وبعد حديثي مع كبار السن وسماع روايات وتجارب أوسع بدأت أدرك أن المجتمعات البدوية لم تهزم يوما بسبب نقص الصبر بل بسبب الحرب النفسية الطويلة التي مورست ضدها وبسبب نجاح خصومها في فرض صورة ذهنية معينة عنها داخل الدولة السودانية .
واليوم تتكرر القصة نفسها ولكن بصيغة مختلفة فالسردية القديمة التي كانت تقول إن “البدو لا يصبرون” تحولت الآن إلى سردية جديدة تقول إن “الدعم السريع قوة هجومية وليست دفاعية” في ظاهرها تبدو هذه مجرد قراءة عسكرية لكنها في حقيقتها محاولة لإعادة إنتاج الفكرة القديمة نفسها وترسيخ أن هذه القوة تستطيع الهجوم السريع لكنها لا تستطيع الصمود الطويل ولا تمتلك النفس الكافي للحرب الممتدة وأن الزمن وحده كفيل بإسقاطها .
لهذا السبب ظل قادة جيش الحركة الإسلامية يكررون منذ الأيام الأولى للحرب عبارات مثل “نحفر بالإبرة” في إشارة واضحة إلى الرهان على الاستنزاف والزمن الطويل باعتبار أن الطرف الآخر سينهار نفسيا إذا طال أمد الحرب لكن ما حدث على الأرض كان مختلفا تماما فخلال الحرب بدا واضحا أن قوات الدعم السريع حاولت عمليا تفكيك هذه السردية مبكرا حتى لا يتكرر ما حدث تاريخيا مع دولة الخليفة التعايشي ولذلك لم تعتمد فقط على الهجوم السريع بل خاضت في كثير من الجبهات معارك دفاعية طويلة ومعقدة استمرت لما يقارب العامين في بعض المناطق قبل الانتقال لاحقا إلى عمليات هجومية لتحرير مواقع ذات أهمية استراتيجية .
كانت الرسالة هنا واضحة أن القوة التي تريد بناء مشروع سياسي أو دولة لا يمكن أن تكون مجرد قوة هجومية لأن بناء الدول يحتاج أيضا إلى الصبر الدفاعي وإلى القدرة على التحمل الطويل وإلى إدارة الاستنزاف والحفاظ على المجتمع أثناء الحرب بل إن الدفاع في كثير من الحروب يكون أصعب من الهجوم نفسه لأن الهجوم قد يمنحك لحظة اندفاع وانتصار سريع بينما الدفاع يحتاج إلى أعصاب باردة ونفس طويل وقدرة على تحمل الخسائر والضغوط النفسية والاقتصادية لفترات ممتدة .
من هنا يمكن فهم جزء كبير من طبيعة المشروع الذي يطرح اليوم تحت اسم “السودان التأسيسي” فإن المشروع لا يقوم على فكرة السيطرة السريعة أو التوسع العسكري وحده بل يقوم على محاولة بناء معادلة جديدة داخل السودان تعيد تعريف من يملك حق الدولة ومن يملك حق التمثيل السياسي والعسكري فيها لذلك فإن معركة “السردية” تبدو هنا أهم أحيانا من المعركة العسكرية نفسها .
أن قوى المركز ومنذ الاستقلال لم تعتمد فقط على احتكار السلطة والثروة بل اعتمدت أيضا على إنتاج صور ذهنية تجرم مجتمعات الهامش وتصورها باعتبارها غير مؤهلة للحكم أو غير قادرة على بناء دولة حديثة في كل مرة كانت هذه المجتمعات تحاول الاقتراب من مركز السلطة كانت تواجه ليس فقط بالسلاح بل أيضا بحملات التشويه وبالسرديات التي تصفها بالتخلف أو العنف أو الاندفاع أو عدم القدرة على التنظيم .
لهذا فإن الحرب الحالية ليست مجرد حرب عسكرية بين جيشين بل هي أيضا صراع طويل حول من يملك حق تعريف السودان نفسه هل السودان دولة تحتكرها نخبة مركزية محددة وتدار عبر نفس الأدوات القديمة من التخويف والتجريم والحروب القبلية؟ أم أنه يمكن بناء سودان جديد يقوم على الاعتراف الحقيقي بكل مكوناته الاجتماعية والثقافية والسياسية؟
من هنا فإن ما جرى في الفاشر لا يمكن قراءته فقط باعتباره معركة عسكرية بل باعتباره جزءا من معركة أكبر تتعلق بكسر الصور الذهنية القديمة فالإصرار على الدفاع وحده لم يكن كافيا لحسم المعركة كما أن الرهان على الزمن وحده لم يحقق النتيجة التي توقعها قادة جيش الحركة الإسلاميه بل أظهرت الحرب أن الإرادة والقدرة على الجمع بين الدفاع والهجوم وبين الصمود والحركة هي ما يصنع الفارق الحقيقي في الحروب الطويلة .
إن هذه الثورة لم تبدأ فقط في الخامس عشر من أبريل بل هي امتداد طبيعي لتاريخ طويل من الصراع حول الدولة والهوية والسلطة في السودان لذلك فإن استخدام السرديات القديمة أو توظيف الإعلام لتجريم مجتمعات البدو أو إعادة إنتاج خطاب التفوق المركزي لن يكون كافيا لحسم هذه المعركة كما كان يحدث في السابق لأن السودان تغير ولأن المجتمعات التي كانت تدار قديما عبر التخويف والسرديات النفسية بدأت اليوم تعيد قراءة تاريخها وتكتشف أن كثيرا مما قيل لها عن نفسها لم يكن حقيقة بل كان جزء من مشروع طويل لإبقائها خارج الدولة وخارج حقها الطبيعي في المواطنة والتنمية والتوزيع العادل للسلطة والثروة .
#محمد_خدام_عبد_الكريم (هاشتاغ)
Mohamed_Khadam_Abdalkareim#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟