أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رافع بن محفوظ - عودة سليمان البستاني لقائمة مفكري السلام














المزيد.....

عودة سليمان البستاني لقائمة مفكري السلام


رافع بن محفوظ

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 14:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كان دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى عام 1914 قراراً لا يحظى بإجماع الحكومة (مجلس الوزراء). في الواقع، كانت هناك فجوة كبيرة بين "جناح الصقور" بقيادة وزير الحربية أنور باشا (الذي كان يندفع بقوة للتحالف مع ألمانيا ودخول الحرب)، وبين أغلبية أعضاء مجلس الوزراء الذين كانوا يفضلون الحفاظ على الحياد لتجنيب الدولة المنهكة من الحروب البلقانية دماراً جديداً.
عندما قام الأسطول العثماني (بقيادة الأميرال الألماني سوشون وبأمر سري من أنور باشا) بقصف الموانئ الروسية في البحر الأسود (معركة أوديسا)، وُضعت الحكومة أمام الأمر الواقع. أثار هذا التصرف أزمة سياسية حادة داخل البلاط العثماني، وعارض الحراك بقوة مجموعة من أبرز الوزراء، وقدم بعضهم استقالاتهم احتجاجاً على هذا الزج العمدي في الحرب. وكان من بين الوزراء الذين دافعوا داخل البلاط العثماني على فكرة عدم الانخراط في الحرب وقدم استقالته حين زج بالدولة عنوة في صراع ليست مهيأة لتدخله.
لقد عبّر سليمان البستاني عن فكر السلام والأخوة الإنسانية بشكل صريح ومبكر، خاصة في مقدمته الشهيرة لترجمة إلياذة هوميروس (الصادرة عام 1904)، والتي تعد بياناً فكرياً ضد الحرب. فلماذا إذن لم يسطع اسمه عالمياً كأيقونة لفكر السلام بمستوى روزا لوكسمبورغ أو جان جوريس؟ هناك أسباب موضوعية تتعلق بسياق كتاباته وطبيعة المعركة التي خاضها:
1. فلسفة السلام عند البستاني: "أدبية إنسانية" وليست "حركية ثورية"
• سليمان البستاني: كان ينطلق من فكر سلام أدبي، فلسفي، وتاريخي. في مقدمة الإلياذة، قام بتشريح أهوال الحرب وعقمها، وعبّر عن نزعة إنسانية ترفض الدمار وترى في الحرب مأساة للبشرية جمعاء. لكن هذا الفكر ظل محصوراً في إطار النقد الثقافي والأدبي؛ هو لم يؤسس حركة سياسية مناهضة للحرب، ولم يدعُ الجماهير للعصيان المدني أو الإضراب لوقف الآلة العسكرية.
• لوكسمبورغ وجوريس: كان سلامهما حركياً ثورياً (Activism). لم يكتفيا بكتابة الفلسفة، بل قادا الجماهير في الشوارع، ووجها خطاباتهما مباشرة للعمال والجنود لرفض حمل السلاح. هذا الصدام الميداني المباشر مع السلطة هو ما يمنح المفكر حيزاً أوسع في الذاكرة السياسية العالمية كـ "مُناضل من أجل السلام".
إن الأفكار والرموز لا تطفو على السطح لمجرد قيمتها الذاتية، بل لأن هناك "سياقاً وصراعاً وقوى" تحتاج إلى استدعائها كوقود لمعاركها: فروزا لوكسمبورغ وجان جوريس يمثلان عمقاً فكرياً ونضالياً ضد الحرب والنزعات الإمبريالية، لكن لماذا حُفر اسماهما في الذاكرة العالمية الكونية؟
أن التاريخ اللاحق — وتحديداً فترة الحرب الباردة وما قبلها — كان قائماً على استقطاب أيديولوجي حاد بين معسكرين (شرقي شيوعي/اشتراكي، وغربي رأسمالي/ليبرالي). في هذا المناخ المحتدم، كان كلا المعسكرين (والحركات الطلابية واليسارية العالمية في الستينيات والسبعينيات) بحاجة ماسة إلى "أيقونات ونماذج ملهمة":
• اليسار العالمي تبنى روزا لوكسمبورغ كرمز للماركسية الإنسانية المناهضة للحرب والنزعة العسكرية المقيتة.
• الاشتراكيون والديمقراطيون في أوروبا رفعوا جان جوريس كشهيد للسلام وقف ضد قطار الحرب العالمية الأولى الذي كان يدهس الجميع.
أما سليمان البستاني، فقد ظلمته الجغرافيا السياسية والسياق الأيديولوجي لعدة أسباب تدعم فكرتك بدقة:
البستاني كان يمثل الفكر الليبرالي الإصلاحي العثماني/العربي الناشئ. هذا التيار تفتت وتلاشى بعد سقوط الدولة العثمانية وصعود القوميات التركية والعربية ثم الاستعمار المباشر. لم يكن هناك حلف دولي، ولا حزب عالمي عابر للقارات (كالمنظومة الاشتراكية أو الرأسمالية) يتبنى إرث البستاني ليتخذه "لافتة" في صراعاته.
2. السلام عنده كان "أخلاقياً/قانونياً" وليس "طبائعياً/ثورياً"
فلسفة السلام عند لوكسمبورغ أو جوريس كانت مرتبطة بتحليل اقتصادي وطبقي (أن الحرب هي نتاج جشع الرأسمالية والامبريالية)، وهو ما جعل أفكارهما مادة حية للنقاشات الأكاديمية والسياسية حول "بنية النظام العالمي". أما سلام سليمان البستاني، فكان ينطلق من أرضية أخلاقية، دستورية، وحقوقية (ضرورة العيش المشترك، وسيادة القانون، وحقن الدماء). هذا النوع من السلام "العقلاني والهادئ" غالباً ما يتم تجاهله في فترات الاستقطاب الحاد لأن صوته لا يخدم لغة البروباغندا.
3. تمركزه في جغرافيا "خارج مركزية الصراع الفكري العالمي"
دارت معارك الفكر الفلسفي العالمي في القرن العشرين داخل أروقة الجامعات الأوروبية والأمريكية. والمفكرون الذين لم تُترجم أفكارهم السياسية إلى اللغات العالمية (الإنجليزية والفرنسية والألمانية) ضمن سياق صراع القوى، ظلوا محليين. البستاني كتب باليونانية والتركية والعربية، وخيضت معاركه في سياق "الشرق المريض" المتداعي، ولم تلتفت له الدوائر الغربية التي تصنع القوائم العالمية للفلاسفة.
باختصار شديد: روزا لوكسمبورغ وجان جوريس حظيا بـ "خلود استدعائي" لأن الحركات السياسية العالمية في القرن العشرين كانت بحاجة لشخصياتهما لتبرير مواقفها وخوض معاركها. أما سليمان البستاني، فرغم نبله وشجاعته، استقال ومات في هدوء، في منطقة كانت تعيد تشكيل خارطتها بالدم والحدود الاستعمارية، فلم يكن هناك مشروع سياسي ضخم "يحتاج" إلى إحياء اسمه وتوظيفه كوقود فكري.



#رافع_بن_محفوظ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين العام سام والدب
- مروان و خديجة
- بعض الجوانب اللادستورية في القانون عدد 41 لسنة 2024 المؤرخ ف ...
- أريد الموت قبلك يا حبيبي
- ما أجمل ذكراك
- كتاب غزة
- على خطى جلجامش في رحلة البحث عن الخلود
- تعاليم عابرة للأزمان


المزيد.....




- أيقونتان في صناعة الساعات.. تعاون ثوري بين -سواتش- و-أوديمار ...
- ناشطون بأسطول غزة أطلق سراحهم يتهمون القوات الإسرائيلية بأعم ...
- عراقجي يبحث مع قائد الجيش الباكستاني إنهاء الحرب مع أمريكا.. ...
- -ساعات فاصلة-.. ترامب يبحث -الضربة الحاسمة- وطهران تهاجم -ال ...
- -اختناق ودخان كثيف- و90 قتيلاً على الأقل.. تفاصيل صادمة عن ك ...
- تقرير: رقم قياسي لعدد حالات التجنيس في ألمانيا عام 2025
- أوغندا تعلن اكتشاف ثلاث إصابات جديدة بفيروس إيبولا
- سبيس إكس تجرب مركبة فضاء من الجيل الجديد بنجاح
- قرب خط إيران.. صور فضائية لاحتشاد 240 سفينة قبالة هرمز
- ترمب يتخلص من خصمه الإعلامي الساخر بإلقائه في القمامة


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رافع بن محفوظ - عودة سليمان البستاني لقائمة مفكري السلام