سمير حنا خمورو
(Samir Khamarou)
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 13:49
المحور:
الادب والفن
"مخلوقات لامعة بشكل ملحوظ"، فيلم جديد للممثلة القديرة سالي فيلد مليء بالدفء العاطفي، والمشاعر الصادقة.
مخلوقات لامعة بشكل ملحوظ Remarkably Bright Creatures، فيلم"انساني درامي " أمريكي من إنتاج عام 2026، إخراج أوليفيا نيومان Olivia Newman (التي شاركت في كتابة السيناريو مع جون ويتينغتون). فيلمٌ يُمكن أن يُصنّف ضمن قائمة الأفلام العائلية، يُعرض منذ فترة قليلة على منصة نتفليكس، والموجه لجمهورٍ واسع، مع الاسف أن مثل هذه الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية، لم نعد نرها كثيرًا في الآونة الأخيرة.
لفيلمها الثالث اختارت المخرجة وكاتبة السيناريو والمنتجة أوليفيا نيومان رواية شيلبي فان بيلت Shelby Van Pelt، الأكثر مبيعًا "مخلوقات لامعة بشكل ملحوظ" الصادرة عام 2022، لتحويلها إلى فيلم فيه الكثير من المشاعر الإنسانية الصادقة، ومع ممثلة كبيرة هي (سالي فيلد، 79 عاما)، كان آخر دورٍ رئيسيٍ لها في فيلم "مرحبًا، اسمي دوريس" Hello, My Name Is Doris عام 2015، التي تُضفي بأدائها الرائع حيويةً على أحداث الحكاية الهادئة الى حد ما، بالإضافة إلى ان إحدى الشخصيات الرئيسية فيه هي أخطبوط كبير مسن موجود في حوض اسماك مختلفة تابع لإدارة المدينة الصغيرة.
يتمحور السرد حول الأرملة توفا سوليفان عاملة نظافة مسنة، البالغة من العمر سبعين عامًا. تعيش توفا وحيدة في منزلها ببلدة ساحلية صغيرة، في خليج سويل، وتعمل في نوبة ليلية لتنظيف حوض الأسماك (اكواريوم) المحلي الصغير، بعد كل زيارة يقوم بها طلاب المدارس الصغار، والجمهور المهتم بهذه الكائنات الجميلة والغريبة.
وهناك مع الهدوء والصمت الذي يلف المكان تتبادل الأحاديث مع أخطبوط عجوز يُدعى مارسيليوس، وهو أيضًا الراوي يؤدي صوته، ألفريد مولينا، تنشأ بينهما نوع من الصداقة الغريبة. يكره مارسيلوس البشر، وهو رد فعل مفهوم بعد أن وضِعَ في حوض أسماك من قِبلهم، لكنه يتفهم ويُقدّر هدوء توفا وإخلاصها في العمل، فكل منهما يبدو وكأنه عالقاً في عالمه الخاص، يراقب الآخرين من بعيد بينما يسعى لا شعورياً الى التواصل الإنساني، هي تُحدّثه بتفصيل عن حياتها أثناء تنظيف آثار أيدي الأطفال عن ألواح الزجاج، وازالة العلكة من الارضية. من الواضح أن توفا تفضل صحبة أصدقائها من هذه الكائنات المائية، وخاصة مارسيلوس، الأخطبوط الذي يراقبها من حوضه. يُضفي التعليق الصوتي للأخطبوط لمسةً فريدة على الأحداث بتأملاته التي غالبا ما تكون طريفة وأحياناً حزينة مما يمنح الفيلم سحراً خاصاً تطفي هذه اللمسة من الفكاهة الخفيفة توازناً مثاليا ًعلى المواضيع الجادة كالموت والندم والحاجة الى إيجاد معنى للوجود.
عندما تلتقي توفا بصديقاتها المسنات، يطلبون منها التوقف عن التنظيف والتقاعد، ولكن توفا تجد أن العمل يساعدها على التغلب على مأساتها؛ فقدان ابنها الوحيد إريك ووفاة زوجها قبل فترة قصيرة. هي لا تريد ان تترك منزلها الجميل الذي لها فيه ذكريات حياة كاملة، رغم انها تتلقى رسائل ملحة من المسؤول عن دار رعاية المسنين، يطالبها بأن تتخذ قراراً بالانتقال، لأن الأماكن قليلة في الدار، حيث حجز لهما زوجها الراحل مكانًا، والذي يحتاج أخيرًا إلى إجابة.
في احدى نوبات التنظيف لم تجد توفا الأخطبوط في الحوض، بحثت عنه ووجدت اثار مياه على ارضية القاعة، تتبعت الأثر حتى وجدت مارسيلوس عالقاً بالأسلاك تحت المنضدة، أسرعت وأنقذته وقادته حتى دخل من فتحة إلى الحوض.
من بين شخصيات هذه البلدة الصغيرة إيثان (كولم ميني)، صاحب البقالة كثير الكلام، وطيب القلب، والمحب للموسيقى، والذي يكنّ مشاعر لتوفا لكنه لا يدرك ذلك إلا عندما يلفت أحدهم انتباهه. والشابة آفري (صوفيا بلاك ديليا)، صاحبة متجر ألواح التجديف ذات الملامح الجادة، ومجموعة توفا من الصديقات المسنات الطيبات اللواتي تُطلق عليهنّ اسم "الحائكات الماهرات" (جوان تشين، وكاثي بيكر، وبيث كرانت). ينسجم طاقم الممثلين معًا بتناغمٍ رائع.
على مدار ثلاثين عامًا تقريبًا، حاولت جميع الشخصيات في مرحلة ما مساعدة توفا على تجاوز مآسي حياتها، بما في ذلك وفاة ابنها المراهق إريك، في حادثة يعتقد الجميع في البلدة أنها انتحار. ومرض زوجها ويل ووفاته مؤخرًا. لكنها ظلت أسيرة حزنها.
وهنا تبدء المصادفات لتكتمل الحكاية ؛ الأولى، وصول كاميرون (لويس بولمان)، الى البلدة التي تسكنها توفا، بسيارة فان قديمة، كانت ملكًا لأمه، مدمنة المخدرات التي توفيت جرّاء جرعة زائدة. وهو شاب في أوائل الثلاثينيات من عمره، يعاني من الحزن والشعور بالضياع ومع هذا فهو طموح يسعى لأن يصبح مغني وعازف كيتار، تتعطل السيارة فجأة، ويضطر للبحث عن ميكانيكي لتصليح السيارة، ويلجأ الى صاحب البقالة، ولأنه لا يملك المبلغ المطلوب لإصلاحها، يسأله إن كان هناك عمل له، المصادفة الثانية أن توفا تسقط من فوق السلم أثناء التنظيف ويلتوي كاحلها، مما تضطر للتوقف عن العمل وهكذا يحل كاميرون محلها مؤقتا.
تتخلل هذه الأحداث معاناة توفا مع مشاكلها النفسية، والتي تشمل هلوسات متكررة إذ ترى أبنها إريك مرات عديدة، في لقطات سريعة. لذا تعتقد أنها في المراحل الأولى من الخرف، وهنا تبدء بالتفكير بالتقاعد والانتقال إلى دار رعاية المسنين، ولكن دون ان تخبر صديقاتها، وتذهب الى وكالة لتعرض بيتها للبيع، وتطلب من الموظفة ان لا تنشر الخبر !
ورغم انها متوقفة عن العمل بسبب الإصابة، ولكنها تذهب لتتفقد كيف يعمل من حَلَّ محلها، في البداية لم ينسجما على الإطلاق، وتكتشف انه لا ينظف بهمة كما كانت تفعل، تعنفه وتهدده انه ستشكوه للمسؤول، يتوسل إليها أن لا تفعل لأنه مفلس وبحاجة الى هذا العمل، تقول له "ألم تعلمك أمك التنظيف بصورة جيدة"، أجابها ان والدته تركت البيت وهو طفلاً، ولكن عندما تدرك توفا ما يجمعهما، فكلاهما يعاني من الحزن والشعور بالوحدة والضياع، هنا تتغير لهجتها وتعلمه كيف ينظف ويمسح ألواح الزجاج بشكل دائري ويزيل العلكة اللاصقة في الارضية، وتنشأ بينهما صداقة، وتفاهم ، بمساعدة من مارسيلوس طبعاً. يحدثها كاميرون عن والده الغائب والذي لم يعرفه أبداً ، يُشاع أنه رجل أعمال محلي يعمل في مجال مقاولات البناء، ذو نفوذ كبير يصعب اختراق دائرته المقربة، وهو يريد مواجهته ومطالبته بالتعويض عن المبالغ التي كان من المفروض ان يدفعها حتى سن البلوغ .
في أحد الأيام، فتش كاميرون سيارة الفان ووجد أن والدته دافني تركت وراءها العديد من الأشياء الشخصية، بما في ذلك خاتم تركه والد كاميرون، محفور عليه الأحرف "EELS" واسم: سيمون برينكس. وبعد البحث عثر كاميرون على برينكس، الذي أصبح فيما بعد رجل عقارات ناجح. وافق برينكس على مقابلة كاميرون، الذي توقع منه الاعتراف بأبوته. لكن برينكس اعترف أن علاقته بوالدته كانت أفلاطونية بحتة، لأنه مثلي الجنس. وأوضح برينكس أن والدته ساعدته في الظهور بمظهر مغاير لما هو عليه أثناء دراسته مع أقرانه ووالديه اللذين كانا يكرهان المثليين.
تساعد توفا كاميرون في البحث عن رجل اخر قد يكون والده وتكتشف انه يسكن في بلدة مجاورة وتعرض عليه ان تاخذه إلى هناك بسيارتها، وعندما يصلون الى البيت، يخرج لهم رجل عنيف متجهم ويهددهم بالمسدس وينتهي بهم الأمر إلى ان هذا الرجل لا يمكن أن يكون والد كاميرون.
تنشأ قصة حب صامتة بين كاميرون وأفيري، صاحبة متجر لبيع مستلزمات تزحلق على الأمواج والتجديف، التي تأسره بجمالها وجاذبيتها، ويطلب منها ان تعلمه التزحلق على الامواج، نراهما معا كل منهما على لوح التزلج، تمازحه وتدفعه فيسقط، وبعد عودتهما الى المتجر وهو يقترب منها ليقبلها، يدخل صبي ويناديها ماما، سيدفعه هذا للابتعاد عنها لفترة، فهي تخفي سرًا مؤلمًا، ولكن مع تقريع توفا له على موقفه السلبي من الشابة، دون ان يعرف الظروف التي جابهتها، يعود إليها ليعتذر.
تصطحب توفا كاميرون الى نادي يعزف ويغني فيه الهواة، وكانت قد اتفقت مع المسؤول، ان يفسح المجال له لكي يغني، يتم الإعلان عن مغني جديد، كاميرون، يتردد، تشجعه ان يصعد على المسرح الصغير، وعندما يبدأ بالعزف على الكيتار والغناء يثير انتباه الجمهور ويصفقوا له بحرارة.
تكتشف توفا أن أبنها كان على علاقة بفتاة كانت تدرس معه، بعد ان قامت بتفتيش غرفته، تجد إشارات الى فتاة احبها، تذهب لتبحث مع صديقاتها في ألبومات الصور المدرسية عن أسم الفتاة.
في الفصل الاخير من الفيلم، هناك مصادفة اخرى أكثر غرابة، يشعر كاميرون بالإحباط الشديد عندما يتصل بزميليه في فرقة "نقانق العثة" Moth Sausage، ولكنهما يخبروه عن رغبتهم في ترك العمل، وايضاً فشل في أن يعثر على والده، كل هذا يجعله غاضبا. يصل إلى مكان عمله، وفجأة ينزع الخاتم ويرميه في حوض الأسماك . يراقب الأخطبوط مارسيلوس هذا المشهد، ويسرع لاستعادته. يترك رسالة قصيرة لتوفا، ويركب سيارته الفان ليعود من حيث أتى.
تصل توفا الى مبنى (الاكواريوم) وتجد أن الأخطبوط خرج من الحوض مرة اخرى، تتبع الأثر الذي تركه على الارضية الإسمنتية، ورأته في زاوية يكاد يموت من الجفاف، انه يحاول الهرب مجددًا - ولكن هذه المرة إلى باب يطل على الميناء - تستنتج توفا أن مارسيليوس يرغب في العودة إلى البحر ليموت هناك. تسرع لتملاء الدلو بالماء وتطلب منه ان يدخل فيه، تاتي بعربة صغيرة وتسحبه حتى الساحل وتتركه يغوص بعيدا في مياه البحر.
في هذا الأثناء، وهو يقود السيارة يعثر كاميرون على قنينة فيها سائل للتنظيف كانت توفا قد اعطته إياها بعد ان وبخته على قذارة ورائحة سيارته، التي يستخدمها للنوم فيها.
جلست لترتاح قليلاً، نظرت توفا داخل الدلو فوجدت الخاتم. يبدو ان الأخطبوط تركه لها، تجد احرف محفورة عليه "EELS"، وتفهم ان الأحرف الأولى هي لأسم ابنها الراحل، وان كاميرون هو حفيدها، يعود كاميرون بعد فترة وجيزة، وتنظر اليه بعيون دامعة فرحة ، وشرحت له معنى الأحرف "EELS" المنقوشة على الخاتم. وهكذا يتم لم شمل الجدة وحفيدها، وتقرر في النهاية عدم بيع منزلها لتبقى معه.
لولا الاداء الرائع، البسيط والعفوي للممثلة الكبيرة سالي فيلد، وبقية طاقم الممثلين لفشل الفيلم بسبب كثرة المصادفات الغير معقولة، اذ يُقدّم فيلم "مخلوقات لامعة بشكل ملحوظ" دراما بسيطة ومؤثرة، تُركّز على شخصيات مُحطّمة تُحاول إعادة بناء نفسها، وذلك بفضل التعليق الصوتي المُميّز لألفريد مولينا.
بطولة سالي فيلد، ولويس بولمان، وجوان شين، وكاثي بيكر، وبيث غرانت، وصوفيا بلاك ديليا، وكولم ميني، مع أداء صوتي لألفريد مولينا لشخصية الأخطبوط مارسيلوس. كتب السيناريو جون ويتينغتون وأوليفيا نيومان، التصوير السينمائي آشلي كونور، مونتاج تمارا ميم، موسيقى ديكون هينشليف.
صُوّرَ الأخطبوط من خلال مزيج من اللقطات المصورة والصور المولدة بالحاسوب. قام فريق الإنتاج بتصوير ساعات من اللقطات (لأغنيتا)، وهي أخطبوط عملاق من المحيط الهادئ يعيش في حوض أسماك فانكوفر، وتم تجسيد اداء الأخطبوط مارسيلوس بمزيج من المؤثرات البصرية الحاسوبية والتحريك اليدوي من قِبل هوارد بيركر وفريقه KNB EFX. الفيلم يعرض حاليا على منصة نتفليكس، مدته 111 دقيقة. انتاج عام 2026.
تشتهر المخرجة وكاتبة السيناريو أوليفيا نيومان بإخراجها لفيلمي روائيين طويلين، قبل هذا الفيلم "المباراة الأولى" First Match عرض عام (2018) و "حيث تغني جراد البحر" Where the Crawdads Sing عام (2022). وكانت قد بدات حياتها المهنية بإخراج 5 افلام روائية قصيرة، كما اخرجت حلقات من 5 مسلسلات تلفزيونية منها "حريق شيكاغو" Chicago Fire، "اخر ما قاله لي" The Last Thing He Told Me.
#سمير_حنا_خمورو (هاشتاغ)
Samir_Khamarou#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟