أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - يوسف شيخو - تراتيل الفضيلة في محارِيب الطُّفولة














المزيد.....

تراتيل الفضيلة في محارِيب الطُّفولة


يوسف شيخو

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 09:00
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


التربية ليست مجرد وظيفة يومية يؤديها الآباء، بل هي عملية صياغة للمستقبل، ورسم لملامح الأمة في عقول وقلوب صغارها. إنها الفن الأسمى الذي يتطلب حكمة بالغة، وصبراً جميلاً، وتوازناً دقيقاً بين الحزم والمودة. الطفل يولد صفحة بيضاء نقية، وعليها يخط الوالدان السطور الأولى لقصة حياته، فإما أن تكون السطور مضيئة بالفضيلة، أو تشوبها عثرات الإهمال.
​في الموروث الإسلامي العريق، نجد التوجيه النبوي يضع النقاط على الحروف في تحديد المسؤولية المشتركة، إذ يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». هذا الحديث الشريف يرفع التربية من مجرد جهد هامشي إلى رتبة الواجب والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية التي يُحاسب عليها المرء. فالطفل أمانة غالية، والأمانة تقتضي الحفظ والرعاية، لا الإهمال والضياع.
​يتأسس البنيان التربوي السليم على القدوة قبل التلقين، فالأطفال يملكون عيوناً تراقب بدقة وجوارح تحاكي بفطرة، ولا جدوى من نصيحة تصادم سلوك قائلها. هنا تتجلى الحكمة العربية القديمة التي تخاطب المربي قائلة:
​"لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ.. عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ"
​الحكمة التربوية تؤكد أن زرع القيم في الصغر يضمن ثباتها في الكبر، فالطفولة هي مرحلة التشكل المرن التي يسهل فيها غرس الفضائل، ويصعب تعديلها بعد فوات الأوان. يُلخص المثل العربي الدارج هذه الحقيقة بعبارة بليغة: "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر". هذا النقش يظل محفوراً في وجدان الطفل، يشكل ضميره، ويوجه سلوكه حتى غدِهِ البعيد.
​شهدت الفلسفات التربوية الحديثة تطوراً كبيراً، تلتقي في جوهرها مع المأثور الاجتماعي الأصيل الذي يربط النتيجة دائماً بالمقدمات، ويحذر من عواقب التفريط في سنوات الصبا الأولى، كما تختصره الحكمة الاجتماعية البليغة:
​"من يزرع الإهمال في الطفولة، يحصد العقوق في الكبر"
​هذه العبارة تمثل خارطة طريق متكاملة، توضح أن مشاعر الأبناء وسلوكياتهم المستقبلية تجاه والديهم هي انعكاس مباشر لما تلقوه من رعاية واحتواء، فالجفاء لا يولد إلا جفاءً، والاهتمام الباكر هو الضمانة الحقيقية لبناء جسور البر والوفاء المتبادل.
​إن التربية الحديثة تواجه سيلاً من التحديات في عصر الفضاء الرقمي المفتوح، مما يفرض على الأسرة أن تكون ملاذاً آمناً يحمي الأبناء، لا سجناً يكبّل طاقاتهم. الحوار الهادئ، والإنصات الواعي، واحتواء الانفعالات، هي الأدوات الحقيقية لصناعة جيل سوي نفسيّاً وقادر على العطاء الاجتماعي.
​ختاماً، يجدر بالآباء إدراك أن الثمرة لا تنضج قبل أوانها، وأن الغرس يحتاج إلى تعهد دائم بالرعاية والدعاء. الأبناء هم الاستثمار الحقيقي والامتداد الإنساني، وصلاحهم هو الصدقة الجارية التي تبقى، وصناعة الإنسان هي أعظم وأسمى الصناعات في الوجود.



#يوسف_شيخو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خبايا الصناديق المغلقة
- يوسفُ في جبّ الطغاة
- فن العبور نحو الضفة الأخرى
- صرخةُ الضوء في جبِّ الصمت.


المزيد.....




- قوارض وآفات منتشرة.. أزمة صحية متفاقمة تلاحق أطفال غزة وسط ت ...
- -حرب قصيرة لكنها شديدة وعنيفة-.. لماذا قد تكون المواجهة المق ...
- زفاف جماعي في طهران يحول العربات العسكرية إلى سيارات عرائس
- “مسيرات الـ300 دولار” تربك إسرائيل.. نتنياهو يخصص ملياري شيك ...
- العراق: المجلد 87 – ديسمبر (كانون الأول) 2025
- -كانت ساقاي ترتجفان-.. طفل يروي لحظات الرعب في مسجد سان دييغ ...
- المتحدث باسم أسطول الصمود سيف أبو كشك يتحدث عن ظروف اعتقاله ...
- إيلون ماسك يخسر دعوى قضائية رفعها ضد شركة -أوبن إيه آي- في ا ...
- موجات وبائية متكررة.. أين رصد فيروس إيبولا للمرة الأولى وكيف ...
- الأكبر في تاريخ الجيش الليبي.. مناورات عسكرية بمشاركة 25 ألف ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - يوسف شيخو - تراتيل الفضيلة في محارِيب الطُّفولة