أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف شيخو - خبايا الصناديق المغلقة














المزيد.....

خبايا الصناديق المغلقة


يوسف شيخو

الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 08:27
المحور: الادب والفن
    


ثمة أماكن في الروح لا تصلها الشمس، ثقوبٌ سوداء نطلق عليها مجازاً "الذاكرة". هي تلك السراديب الممتدة في عمق الوجدان، حيث تتكدس الصور وتتقاطع الأصوات في عتمةٍ مهيبة. حين يقرر المرء الهبوط إلى تلك الأغوار، فإنه لا يذهب في نزهة، بل يمضي في رحلة استكشافية لرفات ذاته القديمة، ونحو وجوهٍ غادرت ملامحها مرآة الحاضر لتقيم بصفة دائمة في غرف اللاشعور.
​تمتاز هذه السراديب برطوبة الحنين التي تفوح من جدرانها. كل زاوية هناك تخبئ عطراً عتيقاً، أو صدى ضحكةٍ تلاشت خلف غبار السنين. السير في ممرات الذاكرة يشبه المشي على زجاج مكسور، كل خطوة توقظ جرحاً، وكل التفاتة تفتق جرحاً في مآقٍ ظنت أنَّ القحط قد أراحها من عناء الهطول ، نلتقي بنسخنا السابقة، أولئك الغرباء الذين كناهم يوماً، نحدق في أعينهم فنجد عتاباً صامتاً، أو تساؤلاً مريراً عما فعلته الأيام بأحلامنا الكبرى.
​العجيب في هذه المتاهة أنها لا تخضع لقوانين الفيزياء. اللحظة التي استغرقت ثانية واحدة في الواقع، قد تشغل في سرداب الذاكرة قاعةً فسيحة لا تنتهي حدودها. والكلمة العابرة التي قيلت في غفلة من الزمن، كقصف رعدٍ لا يكفُّ عن زلزلة الهدوء ، نحن مسكونون بتفاصيلنا الصغيرة، بتلك المنعطفات التي ظنناها تافهة، فإذ بها تشكل تضاريس أرواحنا الحالية.
​أحياناً، تمسي الذاكرة عبئاً ثقيلاً، قيداً يشدنا نحو الوراء كلما حاولنا القفز نحو المستقبل. تصبح السراديب سجناً اختيارياً نعتكف فيه، نعيد تدوير الألم، ونقتات على فتات الذكريات. نغلق الأبواب على أنفسنا، ونرفض مغادرة تلك الظلال، ظناً منا أن في استحضار الفقد نوعاً من الوفاء. الحقيقة أن الذاكرة خائنة بامتياز، فهي تجمل القبيح، وتعظم الصغير، وتمنح الراحلين هالات من القداسة لم يمتلكوها يوماً وهم بيننا.
​ومع ذلك، تظل هذه السراديب هي الملاذ الأخير للإنسان حين تضيق به سبل الواقع. هي الرصيد الوحيد الذي لا تطاله يد المصادرة، والمكان الذي نسترد فيه كل ما سرقته الحياة منا. في الذاكرة، يعود الغائبون، وتتحقق الأمنيات المستحيلة، وتلتئم الكسور التي عجز الطب عن مداواتها. هي الفردوس الضائع والجحيم المقيم في آن واحد.
​يا لهول ما تحمله هذه العقول من أسرار! مخازن هائلة من الحكايات التي لن تروى، ومقابر شاسعة لمشاريع لم ترَ النور. كل إنسان يسير وفي أعماقه متاهة لا يدخلها غيره، سراديب موصدة بأقفال من نسيان مصطنع، لكنها تنفتح فجأة أمام رائحة مألوفة، أو لحن شجي، أو نبرة صوت تشبه صوتاً نحبه.
​في نهاية المطاف، لسنا سوى حصيلة ما نتذكره. نحن مجموعة من القصص المخبأة في تلك السراديب. وحين نغادر هذا العالم، تنهار تلك الممرات، وتتلاشى الصور، ويغرق كل ذلك الأرث في صمت أبدي، تاركاً خلفه سؤالاً واحداً: هل كانت ذاكرتنا وطناً آمناً أم كانت مجرد زنزانة انفرادية قضينا فيها العمر بانتظار عفوٍ لن يأتي؟
​إن ترويض الذاكرة هو الفن الأصعب، فمن استطاع أن يسير في سراديبه دون أن تبتلعه الظلمة، ومن استطاع أن يحمل فانوس الرضا وهو يقلب صفحات ماضيه، فقد نال أقصى درجات الحكمة الإنسانية. فالذاكرة يجب أن تكون جسراً نعبر فوقه، لا بئراً نسقط فيه.



#يوسف_شيخو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوسفُ في جبّ الطغاة
- فن العبور نحو الضفة الأخرى
- صرخةُ الضوء في جبِّ الصمت.


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف شيخو - خبايا الصناديق المغلقة