أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يوسف شيخو - صرخةُ الضوء في جبِّ الصمت.














المزيد.....

صرخةُ الضوء في جبِّ الصمت.


يوسف شيخو

الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 08:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" افعل ما تستطيع مستخدما كل ما تملك أينما كنت"
​في غمرةِ الصخبِ الذي يلفُّ مفاصلَ الحياة، وبين ثنايا القلقِ الوجوديِّ الذي يساورُ الروحَ عند كلِّ عثرة، يبرزُ مبدأٌ أخلاقيٌّ وجمالِيٌّ يتجاوزُ كونه مجردَ نصيحةٍ عابرة، ليصبحَ "فلسفةَ الجدوى" في زمنِ العجز.
إنها الدعوةُ الصادقة: "افعل ما تستطيع، مستخدماً كل ما تملك، أينما كنت". هي ثلاثيةُ الفعل، والأداة، والمكان، معادلةٌ تختصرُ شتاتَ الأماني في حيزِ الإمكان، وتُخرجُ الإنسانَ من قوقعةِ الانتظار إلى فضاءِ الأثر.
​أولاً: فعل الاستطاعة.. تحطيم قيد المثالية
​كثيراً ما يرسفُ المرءُ في أغلالِ "المثاليةِ المرجأة"، فيظنُّ أنَّ العملَ لا يستحقُّ البدءَ إلا إذا اكتملت ظروفُه، واستوتْ سوقُه، وهذا لعمري هو عينُ التعطيل.
إنَّ "ما تستطيع" ليست دعوةً للقناعةِ بالقليلِ من بابِ التراخي، بل هي استنفارٌ لأقصى الجهدِ المتاح.
فالنهرُ لا ينتظرُ أن ينشقَّ له طريقٌ ممهدٌ ليمضي، بل هو يشقُّ الصخرَ بقطراته المتتابعة، لأنَّه يفعلُ "ما يستطيع" في كلِّ لحظة.
​إنَّ البلاغةَ في هذا المبدأ تكمنُ في تحويلِ "الفعل" من غايةٍ بعيدةِ المنال إلى واقعٍ ملموس. فالمسافةُ بين العدمِ والواحدِ أصعبُ بكثيرٍ من المسافةِ بين الواحدِ والعشرة. حين تبدأُ بما تستطيع، فإنك تكسرُ حاجزَ السكونِ الأول، وتنتقلُ من حالةِ "القوة" الكامنة إلى حالةِ "الفعل" المتدفق.
​ثانياً: شمولية الأدوات.. استثمار المتاح
​"مستخدماً كل ما تملك".. هنا تبرزُ براعةُ الاستثمارِ النفسيِّ والمادي. إنَّ ما نملكه ليس بالضرورةِ خزائنَ من الذهب أو جيوشاً من الأنصار، بل هو كلُّ هبةٍ أودعها اللهُ فينا: فكرةٌ ذكية، كلمةٌ طيبة، مهارةٌ يدوية، أو حتى ابتسامةٌ تفتحُ القلوبَ المغلقة.
​الخللُ الذي يقعُ فيه الكثيرون هو ازدراءُ الأدواتِ البسيطة. يظنُّ الكاتبُ أنه يحتاجُ إلى أرقى المحابرِ ليكتب، ويظنُّ المصلحُ أنه يحتاجُ إلى المنابرِ ليُسمع. والحقيقةُ أنَّ التاريخَ لم يصنعه إلا أولئك الذين طوعوا أدواتهم المتواضعة لتصنعَ نتائجَ عظيمة. فالعبرةُ ليست بحدةِ السيفِ فحسب، بل بساعدِ المقاتلِ وإيمانه. عندما تحشدُ كلَّ ما تملك، مواهبك، وقتك، وعلاقاتك، وتوجهها نحو هدفٍ واحد، فإنك تخلقُ قوةً دافعة لا يقفُ أمامها عائق.
​ثالثاً: جغرافيا الأثر.. أينما كنت
​"أينما كنت".. هي الضربةُ القاضيةُ للأعذارِ المكانيةِ والظرفية. الإنسانُ الحقُّ لا يرهنُ عطاءه ببيئةٍ مثالية أو مجتمعٍ فاضل. إنَّ الزهرةَ التي تنبتُ بين الصخورِ الصماء تُعطي درساً في البلاغةِ الصامتة، فهي لم تعترض على جفافِ التربة، بل استخلصت من جوفِ القسوةِ ألوانَ الجمال.
​أن تكونَ حيثُ أنت، يعني أن تبدأَ من نقطةِ الصفرِ التي تقفُ عليها الآن، لا من النقطةِ التي تتمنى أن تصلَ إليها. فالمكانُ ليس عائقاً بل هو "المسرح" الذي كُلفتَ بأداءِ دورك فيه. سواء كنتَ في غرفةٍ ضيقة، أو مكتبٍ مزدحم، أو حتى في غربةٍ موحشة، فإنَّ بصمتك يجبُ أن تُطبعَ هناك. إنَّ "أينما كنت" تُلغي مفهومَ "الانتظار" من قاموسِ المبدعين، فلا انتظارَ لفرصةٍ أفضل، ولا لمكانٍ أرحب، بل هو حضورٌ طاغٍ يملأُ الفراغَ المتاحَ بالعملِ الصالح.
​الخاتمة: تلاحم الأضلاع الثلاثة
​حين تتحدُ هذه الأركانُ الثلاثة، يتشكلُ ما نسميه "الإنجازُ الوجودي". إنَّ العظمةَ ليست في القيامِ بأعمالٍ خارقة، بل في القيامِ بالأعمالِ العاديةِ بإخلاصٍ خارق، وفي ظروفٍ قد تكونُ غيرَ مواتية، وبأدواتٍ قد تبدو بدائية.
​إنَّ الحياةَ لا تحاسبنا على ما لم نؤتَه، بل تسائلنا عما فعلنا بما أوتينا. فالمجاهدُ بكلمته، والعاملُ بمهنته، والأمُّ في بيتها، كلهم يطبقون هذه الملحمةَ البلاغية حين يرفضون الاستسلامَ لليأس. كن كالغيث، حيثما وقعَ نفع، ولا تنتظر أن تمطرَ السماءُ ذهباً، بل ازرع بذورك في الأرضِ التي تحت قدميك، وبالمعولِ الذي في يدك، وبكلِّ ذرةِ جهدٍ تستطيعُ بذلها.
​في نهايةِ المطاف، إنَّ القيمةَ الحقيقيةَ للإنسان لا تُقاسُ بما وصلَ إليه من قمم، بل بالمسافةِ التي قطعها من قاعه مستخدماً أدواته البسيطة، وإيمانه الراسخ بأنَّ الجهدَ لا يضيع، وأنَّ الأثرَ باقٍ ما دامَ نابعاً من صدقِ الاستطاعة وحسنِ الاستخدام وبركةِ المكان






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- -ارتفاع أسعار الوقود يدمّر بلادنا-.. تصريحات ترامب عن النفط ...
- خلف عباءات -مولانا-.. رحلة تصميم معقدة لشخصية تيم حسن
- متحدث عسكري إيراني: أمريكا وإسرائيل استهدفتا أحد بنوكنا.. وس ...
- بين النفي الرسمي وتأكيدات الاستخبارات.. ما هي حقيقة إصابة مج ...
- حريق حافلة في سويسرا يوقع 6 قتلى و4 جرحى على الأقل
- السودان يُطالب واشنطن بتصنيف -الدعم السريع- منظمة إرهابية
- ثوران بركان كيلاويا في هاواي وقذف نوافير حمم بارتفاع 300 متر ...
- بيروت تحت القصف الإسرائيلي: غارات تستهدف قلب العاصمة والنازح ...
- فون دير لاين: حرب إيران تكلف الأوروبيين فواتير بالمليارات
- تاج جمال ألمانيا يذهب لألمانية من أصول سورية على حساب سورية ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يوسف شيخو - صرخةُ الضوء في جبِّ الصمت.