|
|
دفاتر عتيقة .... تزييف الوعي
مؤيد عبد الستار
الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 02:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تتحكم بالجمهور العراقي عوامل متباينة ومتعددة ترسم طريقة وعيه وتفكيره وتصرفه، مثله في ذلك مثل غيره من الشعوب، اولى تلك العوامل، المصلحة المادية المباشرة التي تؤثر على يوم حياة ومعيشة المواطن. فالنفط الذي يعد مصدر دخل كبير للعراق، ولدول الخليج وبعض الدول العربية الاخرى، عنصر من عناصر تشكيل الوعي لجماهير المنطقة، فباستمرار استخراجه وتصديره وبيعه باسعار جيدة، يضمن المواطن – في حالة التوزيع العادل للثروة – أهم المقومات الاساسية لحياته مثل الرعاية الصحية والتعليم والخبز. والمفروض ان يرفد النفط الثروة الوطنية والدخل القومي والتنمية كي يضمن البلد التراكم الكمي للثروة الذي يؤدي بدوره الى تطوير الصناعات المحلية وازدهار الزراعة والمشاريع الاخرى المرتبطة بها. الا ان من الملاحظ ومنذ عقود، عدم استفادة العراق كبلد من هذه الموارد النفطية، بل على العكس من ذلك، تم توظيف هذه الثروة لشراء الاسلحة الفتاكة واستخدامها ضد المواطنين اولا، وضد دول الجوار ثانيا. فبدلا من تطوير العلاقات التجارية والثقافية بين العراق ودول المنطقة قام النظام العراقي بتدمير جميع اواصر وصلات وتقاليد العلاقات التاريخية التي كانت سائدة بينه وبين البلدان الاخرى واجهز على كل امكانية في استمرارها مستقبلا. ولذلك اخذ المواطن العراقي يلمس بوضوح مدى الخراب الذي احدثه النظام القائم على دست الحكم في البلاد طوال العقود الثلاثة الماضية. ولما كان المواطن العراقي يعرف تمام المعرفة ان هذا النظام القائم لم يتسنم زمام القيادة في البلاد باية وسيلة مشروعة أو مسالمة، مثل الانتخاب، أو الاختيار، أو الوراثة أو غيرها، وانما بانقلاب مخطط ومصنوع في اروقة الدول الكبرى وهي بريطانيا وامريكا وفرنسا، لذلك فان من المسلمات البديهية لدى المواطن العراقي، ان هذا النظام الذي يحكم البلاد طوال هذه السنوات يؤدي مهمة موكولة اليه ويخدم مصالح تلك الدول التي اوصلته الى دست الحكم ومكنته من الاستمرار في قيادة البلاد من مأساة الى اخرى دون ان تتمكن القوى الوطنية في العراق من الاطاحة به رغم تعدد محاولاتها وانتفاضاتها الدامية التي دفعت فيها الالاف الضحايا. ولما كان هذا الواقع يجعل المواطن يشحذ بنات افكاره في البحث عن العلة والمسبب، فانه سيتوصل بلا شك الى معرفة المحرك الاساسي وراء هذا النظام الذي يتزوق باصباغ مبهرجة ويرتدي أقنعة مختلفة كي يظهر بها امام الناس ليمرر ويبرر استمرار وجوده، مثل قناع الوطنية أو العروبة أو الاسلام. وقد حرصت الدوائر التي دعمت هذا النظام كل هذه السنوات على تزييف وعي الجماهير، وبالدرجة الاولى جماهير العراق، وذلك بشكل يومي ومباشر، ولما كان من الصعب انطلاء هذا التزييف على الجمهور العراقي لانه يعيش بشكل يومي فصول الاعتداء على مكاسبه ويشاهد ضحاياه يتساقطون امامه، لذلك وظفت تلك الدوائر أعتى اجهزة القمع وخبراتها في التعذيب والقتل لهذا النظام كي يتمكن من اجهاض واسكات أي صوت ينبري لاشهار الحقيقة، وكان اكبر الاصوات التي قمعتها آلة النظام الشرسة هي اصوات القوى اليسارية متمثلة بالمستقلين والديمقراطين والشيوعيين، والقوى الاسلامية، والقوى الكردية. شنت اجهزة النظام حملة ضخمة على مسارين، المسار الاول القتل الفردي والتصفيات الجسدية لاعلام ورموز تلك القوى، ابتداء من الفقيه باقر الصدر مرورا بالدكتور صفاء الحافظ ووصولا بالقائد مصطفى البرزاني الذي فشلت عدة محاولات لاغتياله حتى وافاه الاجل. وطبيعي ان يكون جيش من الضحايا خلف تلك الاسماء من مختلف قطاعات الشعب العراقي. أما المسار الثاتي الذي عملت السلطة القمعية على تنفيذه فهو الابادة الجماعية، فاشتغلت بها على جبهتين، الجبهة الاولى في منطقة كردستان العراق حيث استعملت اسلحة فتاكة وابادة مئات القرى واشهرها حلبجة وقلعة دزة، والجبهة الثانية في منطقة وسط وجنوب العراق حيث الاغلبية المعارضة للسلطة الشوفينية، فاعملت فيها التهجير والنفي الى ايران بحجة انهم غير عراقيين، ومن ثم تجريد حملات عسكرية ضخمة ومتتالية على الارياف وتجفيف الاهوار التي تعد مصدر عيش تلك المناطق منذ العصور السومرية والبابلية. ان كل الجرائم التي نفذتها السلطة القائمة شكلت اسس معرفة المواطن العراقي المقموع بحقيقة هذه السلطة الغاشمة، ورغم عدم استطاعته التعبير عنها علانية من خلال وسائل الاعلام الشائعة، الا انه عبر عن ذلك بانتفاضات شجاعة عبر فيها بوضوح عن رفضه لهذه السلطة المدعومة من قبل انظمة ودوائر غريبة ومتطورة تساهم بديمومتها. وقد وجدت تلك الدوائر الغربية ان تزييف وعي الجمهور في الشارع العربي اسهل عليها من تزييف وعي الجمهور العراقي لسبب بسيط، فالجمهور العربي لا يقع ضمن دائرة قمع النظام العراقي، وانما بالامكان الايحاء اليه بان النظام العراقي يعمل على ضمان الحق العربي في اهم قضية مركزية للامة العربية، الا وهي قضية الاحتلال الاستيطاني لفلسطين، مستفيدة من عجز الانظمة العربية ذات الشأن من القيام بدورها في تحرير الارض المحتلة، فلعبت على هذا الوتر الحساس كي تطرب الملايين التي ترنو لرؤية يوم الخلاص من المحتل وتهفو لسماع نشيد المقاومة وان عزفته اوركسترا الذئاب. فعملت على اشاعة كذبة العداء الفارسي العربي وفتح دفاتر عتيقة تعود لحقب تاريخية قديمة كي تنفخ فيها الحياة وتستخدمها لتزييف وعي الجماهير العربية فحققت نصيبا من الهدف المطلوب، اما المعزوفة الثانية فكانت توجيه الكراهية واستغلال فقر الجماهير العربية لتوجيه احقادها نحو أغنى بلد نفطي في المنطقة – الكويت – واعتبار الانتصار عليه وسحقه وسيلة لتحرير فلسطين، فحققت بهذا نصيبا آخر من اهدافها وانطلت اللعبة على قسم من الجمهور، وكانت اللعبة الاخطر هي التلويح بحرق نصف اسرائيل، وكانت قمة هذا التزييف الاعلان عن ضرب بعض مناطق اسرائيل بالصواريخ. الا ان الغريب في الامر، محدودية تلك الاضرار التي سببتها الصواريخ، فبينما نجدها أوقعت خسائر مادية وبشرية تافهة في اسرائيل، نعرف ان الصواريخ التي استعملت ضد ايران كانت بالغة التأثير على مجرى الحرب العراقية الايرانية اما تلك التي استعملت ضد الاكراد في كردستان العراق ، فقد ابادت قرى ومدنا معروفة ، ومثال حلبجة غني عن الوصف ، حيث تم ابادة مدينة كاملة دون ان يتسنى لاهلها الهرب من جحيم غازات الخردل . ان تلك الصواريخ التي يخامرنا الشك في ان النظام العراقي ضرب بها اسرائيل وقد تكون من تدبير الدوائر الامريكية والاسرائيلية على غرار الانفجارات التي نفذوها في بغداد عام 1948 من اجل تهجير اليهود العراقيين وتسفيرهم الى اسرائيل ، لان تلك الصواريخ العديمة التأثير حققت اكبر الاهداف اللازمة في تزييف وعي جموع كبيرة وقطاعات واسعة من الجماهير العربية حتى بحت حناجرها في الهتاف بحياة صدام حسين الذي حسبته منقذها من الذل والاحتلال وانه القائد الذي سيحررها من قيودها ، بينما لو جلست تفكر مع نفسها لساعة واحدة وتستعيد وعيها لوجدت انه من المستحيل لدكتاتور مثل صدام حسين ان يمنح اي انسان حريته في الوقت الذي يخضع فيه لمخططات غربية تسيره كي يقمع شعبه داخل البلد الذي يحكمه باقسى وسائل البطش والارهاب والقمع . ان تزييف وعي الجماهير سلاح فتاك لجأ اليه المستعمرون منذ غابر الازمنة ، وافضل الامثلة القريبة على ذلك ما قام به نابليون ابان حملته على مصر اذ ادعى الاسلام كي يمرر استعماره وحكمه لمصر ، او ماقام به الاتراك حين حكموا العالم العربي باسم الخلافة العثمانية . يستفيد الغرب الان من تزييف وعي الجماهير العربية في ابقاء العراق بعيدا عن ساحة الصراع مع العدو الاسرائيلي ، كما يستفيد من نهب ثرواته النفطية وابقائه كسيحا لاحول له ولا قوة امام سطوة الالة الجهنمية المستغلة لخيرات البلاد ، وان هذا التزييف لوعي الجماهير يسهل على المستغلين المضي في خططهم دون الحاجة الى الدخول في حرب مادية يخسرون فيها العدة والعدد ، واذا اقتضى الامر فهم يلوحون بما لديهم من اساطيل ومناورات استعراضية عن بعد ولذلك قاموا بضرب العراق ليكسروا شوكة مقاومة شعبه ، لاليدمروا سلطة الدكتاتور الحاكم ، فقد تم على سبيل المثال تدمير الكثير من جسور البلاد بينما لم يدمروا قصرا واحدا من قصور الدكتاتور التي تعد بالعشرات وتلك حقيقة يجب التفكير فيها بامعان وتوجب العمل على خلق وعي سليم ، ويقع ذلك على عاتق قوى المعارضة العراقية الوطنية وعلى الخصوص على عاتق اعلامها الثقافية ورجال العلم والادب والمؤسسات الاكاديمية الجادة ، اما ترك الحال لقوى تدعي العلم بالسياسة دون ان يكون لها قدم راسخة في المعرفة والعلم فسيبقي الصراع مع الدكتاتور والقوى التي تدعمه سطحيا لاينال منه مقتلا ، كما لمسنا خلال السنوات الماضية . * نشرت في جريدة الغد الديمقراطي /لندن العدد 13 نيسان 1998 .
#مؤيد_عبد_الستار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حروب الغرب وشعراء الشرق
-
الى الدنمارك نسير مع حكمة اقبال
-
ترامب وابريق المضيف
-
4 ملايين قراءة .. شكرا للحوار المتمدن
-
الشهادات المزورة نعمة الاهية
-
تقييم ثورة 14 تموز بحاجة إلى بعد نظر
-
حمورابي وقانون الاحوال الشخصية
-
القوات الامريكية... للحماية أم للاحتلال
-
قرأت لك ....الذي لا يشبه نفسه
-
نداء للتبرع
-
كشمير ..كنت هناك
-
سرقة امرأة من ورق
-
ايران وترامب ...ربابة بذيل بعير
-
الملا محمد كويي ... من اعلام التنوير
-
عن تسفير وما ادراك ما التسفير
-
منازل العطراني ..لك يامنازل في القلوب منازل
-
هاتف جنابي في آخر دواوينه ( ضيف )
-
من ارشيف المشرف التربوي عبد الستار كاظم ... كيف يشرح المعلم
...
-
من ارشيف المشرف التربوي عبد الستار كاظم ..المسرح المدرسي
-
على هامش مقال الدكتور عبد الخالق حسين.... الاسلام بين التفخي
...
المزيد.....
-
نتنياهو: إسرائيل تقترب من القضاء على جميع المسؤولين عن هجوم
...
-
“البديل الديمقراطي التقدمي”.. حزب “الكتاب” بتارودانت يعقد مؤ
...
-
ما هي محطة البراكة النووية في الإمارات؟
-
-المسائية-.. غزة تحت النار وتلاسن أمريكي إيراني والهدنة تترن
...
-
تلك نظرتنا في روسيا إلى العرب
-
بغداد: لن نكون منطلقا للاعتداء على الآخرين ولا نقبل التدخل ب
...
-
أميركا.. 10 حوادث إطلاق نار تهز مدينة أوستن
-
كندا تؤكد إصابة بفيروس هانتا.. وبريطانيا تعزل مخالطين
-
مقتل قيادي في -الجهاد الإسلامي- بغارة إسرائيلية شرق لبننان
-
خمس تقنيات تنفّس قد تساعدك على تقليل التوتر في دقائق
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|