أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سالم الخياط - التوت والدم














المزيد.....

التوت والدم


سالم الخياط

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 21:01
المحور: الادب والفن
    


في تمام الساعة الرابعة وخمس وثلاثين دقيقة، كانت تنظر من الشباك وترقب الساعة التي تزحف ببطء قاتل. فجأةً، مزق سكونَ المكان الرهيبَ ريحٌ عاصفة هزت شجرة التوت بعنف، تلاها دويُّ انفجار مروع.
هرع الجميع صوب الشارع، ونزلت هي تركض بلا وعي، تقتفي أثر الذعر الجارف. عند باب المدرسة، كان المشهد يفوق قدرة العقل على الاحتمال؛ دماءٌ امتزجت بالتراب، وأشلاءٌ مبعثرة، وصراخٌ يمزق نياط السماء. بدأت تبحث عن أسرتها حتى عثرت على عالمها المنهار: زوجها وابنتها الجميلة جثتين هامدتين. في تلك اللحظة، استحوذ المشهد عليها وفقدت معهما عقلها، فانفصلت عن الواقع لتنهار تماماً، وترحل إلى عالم نقي لا يحمل أي كراهية في هذا الزمن المقيت.
في سكون منتصف الليل، وتحت سماء غلفها ظلام حالك، ارتجف جسدها النحيل الممدد على سرير المشفى بانتفاضة مباغتة، واجتاحتها قشعريرة غريبة هزت أركان روحها. خرجت شاردة كطريدة مذعورة وثوبها الأبيض يرفرف خلفها في العتمة، وهي لا تدري أي درب تسلك. كانت تهرب هائمة على وجهها، تلاحقها خيالات مرعبة لرجال بملابس بيضاء يشهرون مباضع العمليات خلفها في أروقة المشافي الباردة، فركضت هاربة بكل ما أوتيت من ذعر؛ تفر من الموت إلى صخب الحياة.
وبسرعة فائقة، انقشعت الطرقات أمامها لتجد نفسها عند ضفاف النهر الكبير، حيث رأت سفينة ضخمة راسية تحاكي شموخها ومسيرة حياتها الغارقة. دلفت إليها وهي تصرخ وتستنجد، تائهة في ممراتها الطويلة التي بدت كأن لا نهاية لها، وهي تلهث بمرارة: "أنقذوني أرجوكم!". وفي تلك اللحظة الفارقة، انشق الزحام عن وجه زوجها الراحل؛ مد يده القوية وأمسك بكفها، ثم قفز بها في جوف النهر ليعبر بها إلى الضفة الأخرى. هناك، حيث استقرت قرب مرقد تفوح منه السكينة والقدسية، استسلمت أخيراً لنوم عميق مفعم بالاطمئنان، كأنما غسلت مياه النهر أوجاعها وأشفتها.
عادت حياتها بعد الحادث لتنحصر داخل الأزقة العتيقة بفروعها الضيقة المتلاصقة، التي تحجب ضوء الشمس عن العابرين. ومنذ استشهاد زوجها وابنتها، دخلت حياتها في عاصفة من الحزن المقيت، ولم يجد الفرح إلى قلبها سبيلاً. كانت تقضي جل وقتها تراقب العالم من وراء شباكها، حيث تظلها شجرة توت عتيقة تطل على الشارع الصغير القريب من مدارس الأطفال. تراقب الصغار يتقافزون بمرح لجني ثمار التوت الأحمر، بينما تظل هي خلف الزجاج رهينة خوف متوجس وقلق لا يغادر ظلها، وأحياناً كانت تكسر عزلتها وتنزل لتداعب الأطفال بلهفة أمومة لكثرة حبها لهم.
كلما لمحت طفلة في الزقاق، كانت تقطف حبات التوت الأحمر وتفركها على فمها وفم الطفلة بجنون، وتخرج إلى الشارع صارخة بملء صوتها: "أريد ابنتي.. أريد إقبال!". وحينما تتذكر ابنتها وهي تضفر شعرها، تتألم وتستعيد أغنيتها الحزينة:
"الگصايب گمبرات.. تجي گبل الطالبات.. ترسم شما يجيها.. بالغبشه رسم".
بدأ الصغيرات يخفن منها، وهي تخص بالذكر كل طفلة تشبه ابنتها الصغيرة الجميلة ذات الضفائر الشقراء والجمال البريء، التي كانت تتلذذ بأكل التوت وتصيح بمرح طفولي وهي تشير إلى وجهها: "انظروا إلى حمرة شفتي، أصبحتُ عروساً!". كانت تلك الحمرة البريئة تمزج في قلب الأم بين جمال الحياة ووجع الذكريات، وهي ترى في ملامح الصغار طيفاً من إقبال، فتحاول التمسك به وسط ركام الحزن، وتضمهم إلى صدرها بقوة كأنها تمسك بما تبقى من رائحة ابنتها الراحلة.



#سالم_الخياط (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبور بجانب الموت
- اللوحة الأخيرة
- قصة قصيرة اضطربات مشوهة
- ملكة الليل
- قصة قصيرة - مالم تدركه الخفافيش
- حلم - طائر
- قصة قصيرة - موت المسافات
- قصة قصيرة
- رجوع متأخر
- دخان
- رحلة بعمق المتاهة


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سالم الخياط - التوت والدم