أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سالم الخياط - ملكة الليل















المزيد.....

ملكة الليل


سالم الخياط

الحوار المتمدن-العدد: 7075 - 2021 / 11 / 12 - 14:04
المحور: الادب والفن
    


ملكة الليل*


سالم الخياط


كان يقضي جل أوقاته يفكر بجدوى وجوده في هذا العالم الذي لم يتصالح معه يوما. أخذ يقرأ ويرسم وينهي تخطيطاته ، لوجوه صارخة،محتجة، لكن هذه الأشياء لم تعد تشبع رغباته الجامحة، نهض واتجه نحو شباك غرفته، أحس بالبرد يتسلل إلى مفاصل جسده النحيل ثم انسحب بعد أن أغلق درفة الشباك، خوف أن تصيبه نزلة برد. جلس قرب موقد النار بكرسيه الخشبي المترنح، راح يجيل النظر بجدران غرفته الرطبة المتهالكة، والتي زينها بلوحات عدة. رسمها ليغطي بها كامل الجدران التي افترستها الرطوبة ..وأزاح الكلس كثيرًا منها. كان يسكن في بيت العائلة المتواضع، الذي يطل على بساتين وأنهار صغيرة، نهض يجر جسده النحيل، عساه يتخلص من الكسل والضجر، الذي يرافقه في غرفته الكئيبة التي تشبه الزنزانة، ذهب يتنزه ويستنشق هواء نقيا. جلس قرب جرف النهر وبدون شعور أحس أن شيئا ما أيقظ روحه، جمع الصلصال بين راحتيه وبدأ ينحت تمثالا صغيرا فتداعت في ذهنه فكرة خاطفة ولمعت كالبرق نهض بكل قوته منتفضا ، وأخذ يجمع من ساحل النهر كمية كبيرة من الصلصال ليذهب بها إلى البيت، ويضعها فوق السطح بعد أن هيأها وغسلها إلى اليوم التالي، أراد أن يوظفها بأعماله الفنية وينحت منحوتات طالما حلم بها بأجساد وإيماءات سريالية، أو بما يمور داخله من صرخات رافضة لواقعه البائس، صعد السطح صباحا وبدا يعمل في منحوتاته، راح يعمل كما لو انه يريد أن يطفىء الحرائق التي تشتعل في وجدانه .كان يدرك آن التعبير عن الأفكار يأتي بلمحات أنية تنبثق عن اللاوعي .. بدأ بتجسيد امرأة مجنحة رافعة يديها باتجاه السماء تتضرع رغم جسدها العاري كأنها ملكة الليل الطينية والمنحوتة الثانية كانت تصور تمثالا لرجل يحاول إن يكسر القضبان وهو يصرخ ويستغيث، يداه تكادان بعروقها النافرة إن تنفجر، وهي تمسك القضبان، وتماثيل عدة تعبرعن احتجاجه بأحجام مختلفة و أشكال بملامح قاسية . وقطع تاريخية تجسد حضارة بلده ، وبعد أن أكمل جميع منحوتاته التي أراد منها أن تستيقظ وتصرخ وتهاجم الواقع الملىء بالتناقضات، تركها تحت الشمس عدة أيام لتجف ثم انزلها لغرفته وأضاف بعض التعديلات عليها وطلائها ..
كان شقيقه الأكبر رجلا متشددا ومتعصبا للغاية ويعتقد المعرفة بكل شىء ودائما يخيل إليه إنه الوحيد المصلح والواعظ، لكن في حقيقة الأمر انه لا يعرف أي شي يتعلق بالجمال والوجه الآخر من الحياة، وتحديدا بما يتعلق بالفن والنحت، ويصف كل هذه المنحوتات، بالأصنام التي تدخل الشياطين إلى البيت ويقول أن الرسم والنحت حرام هذا ما نصت عليه عقيدتنا السمحاء..
عقديتك السمحاء لأتدعك أن ترتكب المجازر لمن يختلفون عن وجهة نظرك .. كما انها من الطين مثلما تقول ولا ضرر منها .فأنتم من هدمتم أثار الأشوريون وتماثيلهم ألم تهدموا أعرق حضارة في العراق....ونينوى وكانت كلها من التاريخ.؟.. قلت له ذلك وكنت ممتلأ بشحنات من الغضب واليأس ..
كان يدخل غرفتي خلسة ويسير على أطراف أصابعه. ينظر المنحوتات التي أثارت الرعب والغضب في نفسه "سيحطمها يومًا ما" هكذا خمنت مصير أعمالي ولكنه حتما سيخرج منها مهزوما مرعوبا مرتجفا إلى الأبد..
فجر صباح بارد جاء ولده البكر قال: يا عم ماذا جري لأبي أنني خائف عليه، فكلما يرى منحوتاتك يخاف وينزوي في غرفته ويظل يتمتم ويهذي بأمور لا افهمها ..
قلت :حسنا يا ابن أخي العزيز اذهب وتقصى منه، لماذا هذا الخوف والرعب. وبعد ساعة تقريبًا، جاء وقال: أبي يقول أن الصور والتماثيل تمتلك أرواحا وتواجدها محرم في البيت. ستجلب علينا اللعنة حسب عقيدتنا، وهي تخيفني كلما دخلت غرفته أجد شيطانة الليل العارية تصرخ في وجهي وتهاجمني. أني اكرهها..أكرهها.. وهي ترعبني جدا وتضمر لي شراً.
فقلت له: أبي هذا هو فن النحت، فكل العالم يمارسه منذ القدم وعمي فنان وهذه هوايته، أرجوك ياأبي ابتعد عن هذا الموضوع برمته ، لكنه صرخ في وجهي وطردني ..
وهنا شكرت ابن أخي لمسعاه ، وجلست مرة أخرى، وحيدا حزينًا في غرفتي وعيني تحملقان بشدة بالمرأة وصرختها الصامتة، وتركت وهمي الأخير في تلك الليلة الظلماء، ونمت مهمومًا حزينا. فيما تراءت لي في الحلم أني أمعن النظر في ملامح تلك المرأة المنحوتة طويلا وأخذت أمازحها. لماذا تصرخين بوجه أخي فقالت : لدي إحساس انه يريد قتلنا جميعا، هو ومن معه لرفضنا لواقعنا المأساوي المرير ويريد إن يسيرنا بجهله ومعتقداته لكن لا..... نحن سنصرخ بأعلى أصواتنا على كل أخطائهم وسرقتهم وأقنعتهم الزائفة، ثم أردفت :استطاعت يديك المعروقتين أن تصنعنا وتخلق فينا المتعة الفنية وهذا الرفض المكنون بداخلنا، أرجوك أخرجنا من سجننا الأبدي حتى نرى النور والعالم يرانا ويعرف حقيقتنا وقضيتنا..
ثم اقتربت مني بجسدها العاري وأنوثتها كانت تريد أن تعانقني .. تراجعت عدة خطوات وتيبس جسدي ، شعرت بشيء غريب وهي تقترب أكثر وتقول: ألا تحبني فما الذي ينقصني، لدي جسد ممشوق وأنت ستبعث الروح فيه. نظرت باستغراب لما تقوله وبعدها فهمت أنه ربما كان حلماً..
وفي احد الأيام، عندما كنت جالسا مع أصدقائي في إحدى الحانات القديمة لننسى حزننا وهمومنا المتراكمة، تأخرت في الرجوع إلى البيت حينما عدت ودخلت غرفتي. صدمني وأذهلني المشهد ،صدمت وأنا أرى جثث مقطوعة الرؤوس، وأشلاء مقطعة مبعثرة، ما هذه إلا مجزرة فأي مجرم وقاتل سفاح قام بهذا، فزعت من المشهد، صرخت وراح جسدي يرتجف حتى أغمى علي وسقطت على الأرض، جاءت أمي وأيقظتني وبدأت تمسح على رأسي وهي تقرأ الأدعية كانت تعرف من قام بهذه المذبحة. تجمع الأهل وكان القاتل موجودا بينهم، ينظر ويلوح بيده ويستهين بالحدث. ويقول شئ تافه لا يستحق الاهتمام، "لم هذا الصراخ والعويل على تماثيل وأصنام مقرفة, سوف اجلب له كمية كبيرة من الطين، لكن عليه أن لا يعمل بها أصنامه الممسوخة"، نظرت له بخيبة أمل شديدة وكياني يرتجف. وقلت أنت تريد أن تجردني من حياتي يا أخي، بوسعك إن تفهمني وتعرف أن هذا الفن لا علاقة له بقداسة التقاليد والعبادات،! ودون أن ينظر لما قام به تنفس الصعداء وانسحب بهدوء..
ثم نهضت بتباطؤ وتماسكت برباطة جأش وقلت " الإنسان يحركه الحس البصري ويصل إلى روحه لينمي لديه الرقي و الإحساس المرهف بالألوان والفنون الجميلة المعبرة" .. وطلبت من جميع الأهل إن يتركوني بوحدتي الموحشة المدمرة، قمت وأغلقت الباب وهمهمت: "يا لتعاستي لو كنت هنا لمت معهم وتقطعت أوصالي ثم جثوت على الأرض، وأنا أبكي بكاء مؤلما بنشيج وحسرة. قمت بجمع تلك الأعضاء المقطعة و الأشلاء المبعثرة، وحاولت أعادتها للحياة مرةً ثانية ، فيما وقع نظري على تلك المرأة وهي غاضبة رغم أشلاء جسدها المتناثرة في الغرفة .كنت أحاول ترميمها وأنا التقط الرأس، همست المرأة بنبرة متجهمة غريبة: أجمع أشلائي لأرحل وعد لي أجنحتي لأطير بحرية ، أنني حزينة لأنني محطمة الجسد. كنت أشبه بجسدي بشرا يا صديقي العزيز، وليس صنما كما يدعون فدعنا نحتفل سوية برقصة موتنا الأخيرة ..

—————————————-
*ملكة الليل منحوتة طينية، من حضارة وادي الرافدين، يعود تاريخها 1800 سنة قبل الميلاد ..



#سالم_الخياط (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة - مالم تدركه الخفافيش
- حلم - طائر
- قصة قصيرة - موت المسافات
- قصة قصيرة
- رجوع متأخر
- دخان
- رحلة بعمق المتاهة


المزيد.....




- -أصحاب ولا أعز-.. نقابة المهن التمثيلية في مصر تعلن موقفها م ...
- شاهد.. كواليس المسرحية الاميركية في الحسكة السورية
- كاريكاتير القدس- الإثنين
- أول رد من نقابة المهن التمثيلية على أزمة فيلم -أصحاب ولا أعز ...
- الصحراء المغربية.. خبراء إيطاليون يؤكدون على مسؤولية الجزائر ...
- إليسا تعلق على المشاهد الجريئة في فيلم -أصحاب ولا أعز-
- -سلام أسود.. مذكرات التعافي..- للكاتبة آية شعيب
- قالت رأيتُ الصبحَ
- الفنانة إلهام شاهين تكشف عن رأيها بفيلم -أصحاب ولا أعز- وتعت ...
- جوخة الحارثي تنسج شفويّة -حرير الغزالة-


المزيد.....

- حوارات في الادب والفلسفة والفن مع محمود شاهين ( إيل) / محمود شاهين
- المجموعات السّتّ- شِعر / مبارك وساط
- التحليل الروائي لسورة يونس / عبد الباقي يوسف
- -نفوس تائهة في أوطان مهشّمة-- قراءة نقديّة تحليليّة لرواية - ... / لينا الشّيخ - حشمة
- المسرحُ دراسة بالجمهور / عباس داخل حبيب
- أسئلة المسرحي في الخلاص من المسرح / حسام المسعدي
- كتاب -الأوديسة السورية: أنثولوجيا الأدب السوري في بيت النار- / أحمد جرادات
- رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين / محمود شاهين
- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سالم الخياط - ملكة الليل