|
|
عبور بجانب الموت
سالم الخياط
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 21:01
المحور:
الادب والفن
رواية
سالم الخياط
إذا كانت البطولة تعني التضحية، فلا شك أن كل أبناء شعبي كانوا أبطالاً، بدءًا من الطفل الرضيع الذي لم تكتحل عيناه بضوء الشمس ولم ينل ما يكفي من حليب ثدي أمه الجائعة، وانتهاءً بالشيخ العجوز الذي تفيض عيناه حسرةً وأسفاً على زمن أضاعه دون أن يرى نهاية الطاغية. حتى من ادّعوا الثورة والسعي للتغيير، تنصّلوا عن كل ما ادّعوه، ونسوا أهلهم وبيوتهم المتداعية والبؤس الذي يخيم عليها، وتركوا الجادات الترابية التي ما زالت تحتفظ بآثار خطاهم وذكريات طفولتهم الأولى، وهجموا على الكراسي والمناصب دون أن يعوا أنها سرعان ما يغمرها غبار الزمن. أنا لا أدعي هنا بطولة ما، إلا أنها التجربة المرعبة المرة ببعض تفاصيلها، التي سأسردها لكم بحياد تام وإن لم تسعفني الكلمات. إنها مآسٍ وعِبرات وفواجع ذبحت أحلامنا في المهد. تجربة خضناها بكل مراراتها وقسوة تفاصيلها، وباختصار شديد: لم يساورني الندم على مقارعتي النظام أبدًا. على الرغم من أنني شاركت في القتال الشرس في الانتفاضة الشعبانية، استشهد ناس أبرياء في المعارك، إلا أنني على أقل تقدير سُجل اسمي مع الثوار، وأصبحت معروفاً في منطقتي بأني أحد الثائرين على النظام الدكتاتوري الذي أنهك شعبه، واعتدى على جيرانه، وكان مولعاً بسفك الدماء والتضييق على الحريات وإنتاج الحروب العبثية. لكن هذه الحكاية من معين الذكريات ووهج الحسرات على زمن مضى، حافل بالبطولة والأحلام الكبيرة دون أن نجني الثمار. أعرف مدى صعوبة أن يكتب المرء تجربته الذاتية بعد أن تجاوز الخمسين وفقد الكثير من أحبائه وأناسه الطيبين، غير أن ما أكتبه في هذه الأوراق المتواضعة التي أتمنى ألّا يطويها النسيان ولا يجرفها الزمن مع نهره الدافق- هي حكاية الكثير من العراقيين، ولكني أوثقها بتفاصيل تجربتي تلك، لعلها تخفف شيئاً من آلامي المتكلّسة في الأعماق، في الطبقة الأبعد من الوجدان، وتكون عبرة للأجيال القادمة التي لم تشهد، بعض ما عانيناه. ولعلي أطمع أن أُذكر مَن لم يمر بمحنتنا العصيبة التي سرقت أحلى سنين العمر وأقول: "أنتم يا من نجوتم من الكارثة، وتقرؤون هذه الكلمات وتتحدثون عن ضعفنا وخسارتنا، تذكروا فقط زمن الطوفان، الذي نجوتم منه بفعل الحظ أو القدر". لا يزال ثمة أمل ورجاء في بزوغ الشمس، وإن كانت مجللة بالغيوم. لا أعرف ماذا يخبئ النهار القادم، أي نهار قادم إن كانت هناك نهارات قادمه فعلاً؟ أفكاري تطوف بعيداً، وتغادر جسدي كسلحفاة تنزع ترسها عنوة وتمضي إلى المجهول. في تلك الليلة الاستثنائية، فارقني النوم تماماً، وكنت بين لحظة وأخرى أتوقع مداهمة السلطات الأمنية لبيتي؛ حيث ينطون من سطحنا المتداعي أو عبر جدارنا الواطئ، فهم لا يطرقون الأبواب عادة، بل ينقضون كالكواسر النهمة. لذا كان القلق والجزع والترقب يسحقني بضراوة. وكنت أتشاغل عن نداءات همومي المتربصة بالنظر عبر نافذة، غرفتي التي لم تبخل عليّ إلا بسماء ملبدة بالغيوم هي الأخرى. الليل كان حالكاً، وثقيلاً، وصامتاً كصمت المقابر؛ ظلام يلتحق بظلام يرتقهما صمت مطبق لا يكسره سوى نباح كلاب متقطع يتناهى من بعيد. ووسط دوامة هواجسي تخيلتها سوداء ورمادية تماهياً مع السواد المحيط بكل شيء، بل ذهبت بعيداً في رحلة السواد هذه، وتخيلت أن هذه الكلاب تعوي وتُهرش جلدها المسمر بالقراد من شدة الخوف والجوع. كنت أستدرج لهواجسي حلماً تحظى السماء، فيه بفرحة تدفق من نور، أو نصل من شعاع يفتض صباحها المعتم. وكان هديل الفواخت التي تتأرجح على الأسلاك المتدلية، بغير إتقان يُشيع في الروح تياراً من الحزن وهي تقفز قفزات قصيرة متعثرة. ويراودني حلم شمس بدأ بالبزوغ، شمس ذهبية متلألئة تتلوّى على الأفق، تناهى من بعيد صوت خُطى لأقدام عسكرية تعزف مارشات الويل والثبور بإيقاعاتها الصاخبة الرتيبة. خرجت من دائرة العتمة مفزوعاً متوثباً، وهرعت من منزلي مسرعاً، أتلفّت في كل الجهات، محاولاً التخفي والمراوغة في شوارع كانت خالية تماماً من المارة، ومعتمة إلى حدّ يشوش الرؤية ويبعد نظراتهم عني، ويعينني على الاختفاء. جاهدت ملتصقاً بجدران البيوت إلى حد يجعلني متوارياً ومن الصعب رؤيتي بسهولة، نجحت في الخلاص من قبضاتهم الوحشية، ورحت أحث الخطى بسرعة كبيرة دون هدف؛ ما كان يهمني هو أن أكون بعيداً عن هؤلاء الوحوش. وبعد أن قطعت شوطاً، رحت ألتقط أنفاسي بصعوبة بالغة وأنا أنظر إلى الخلف، وقد بدأت الشمس ترتفع قليلاً، والعصافير لم تكف عن ديدنها في الاحتفاء بالصباح رغم كل شيء. وبعد أن هدأت قليلاً وغمرني الشعور بطمأنينة مؤقتة، إثر شعوري بأني أصبحت بمنأى عنهم -ولو لهذه الساعة فقط- انبثق السؤال الكبير: إلى أين أيها المطارد؟ أي وجهة ستسلك؟ أي أرض ستمنحك فرصة الحياة؟ سيلاحقونك ويقبضون عليك حتماً، وإذا وقعت بين أيديهم فأنت تعرف النهاية التي انتهى إليها مئات الآلاف. عليك أن تقرر سريعاً، ليس لديك الكثير من الوقت. كأنك كنت تحدث نفسك وتحاول إقناعها: ليس ثمة بديل آخر، يجب أن أغادر الوطن، ليس لي متسع من الحياة بوجود هؤلاء. هكذا كان الجواب. حزمت أمري وبدأت رحلتي الشاقة؛ عدوت مسرعاً متخفياً بين الأشجار والنخيل، سارعت في المشي كنت أحث الخطى سريعاً مرة وأخرى أهرول كأن الأشباح تطاردني. لم أجد أي وسيلة نقل في طريقي كأن العالم قد أغلق أبوابه وهجع مرغماً على وقع الانفجارات ولعلعة الرصاص، وكفّ عن ممارسة شغفه بالحياة، والخوف يغمر الناس كالليل، فبطش النظام ماثل في قلوب الجميع. وحيداً كنت أسير، جاداً في الهروب. كانت جميع الأبواب مغلقة، والناس اختفوا في بيوتهم كجرذان هرعت لجحورها؛ فبطش النظام لا يُطاق، وأزلام النظام جنّ جنونهم وانفلتوا كوحوش أطلقت من أسرها. واتقاءً للانتقام وطلبًا لبعض الأمان، انسحب الناس لبيوتهم كظل ينحسر إلى الغروب بعد تجمع الغيوم الرمادية بضراوة في السماء. مصادفةً، لمحت رجلاً كان قد فتح باب بيته ربع فتحة لأمر لا أعرفه. حدقت فيه طويلاً، قلت لنفسي: "هذا رجل أعرفه". أطلقتُ عليه التحية بصوتٍ حاولتُ أن أجعله هادئاً وواثقاً: "ماذا أصابك يا أبا محمد؟". صمت وهو متفاجئ لرؤيتي، لمَ لم يتكلم؟ هزّ رأسه بحزن، وعيناه ترقرقت بدمعتين حارتين، صرخ بصوتٍ مكتوم كأن الألم يخنقه: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. لقد قُتِل!". سألته بلهفة وقلبي يرتجف: "مَن؟ مَن قُتِل؟". أجاب: "صديقك محمد!". نزلت الكلمة على رأسي كالصاعقة. لم أقل شيئاً، فقط أصابني الصمتّ كالحجر، ودموعي انهارت بغزارة. كان خبر مقتل صديقي كافياً لأُدرك طريق الرحيل والهروب من هذا المصير. أصبت بهلع شديد فاق هلعي السابق، ولم أقل سوى كلمة واحدة: "يا للخسارة!". نظرت الى وجهه، لم أجد جواباً، بل أفزعني ومزقني خبر مقتل صديقي. استعدت بعض ما كان يقوله مخاطباً الطاغية وكأنه نبوءة: "ستقتلني، ولكن روحي ستظل تطوف في السماء والأقاصي وتدين جرمك يوماً ما". فكيف قتله الأوغاد؟ خطرت في ذهني المزيد من الذكريات القديمة حين كنا نجتمع؛ كانت روحه الخفيفة المحببة للجميع فاكهة جلستنا. كم كنت سخياً بروحك السمحة ونكاتك اللاذعة! وحقدك على النظام وأزلامه كان دليلنا ومنهاجنا. رباه، كيف لي نسيانه؟ أغمضت عينيَّ لأستعيد صورته بكل بهائها وعنفوانها، وبعد رحيل طويل مع ذكرياته فتحت عيني، لاحظت ملامح وجه أبيه. يا الله! إنها ذات الملامح التي تشبه الابن المقتول. لم أرَ مثل هذا الوجه الحزين واليائس أبدًا. صحيح أن وجوه الآباء لا تختلف كثيراً عن الأبناء، لكن لهذا الرجل ملامح خاصة تلبّستها رهبة الفاجعة. انهمرت الدموع من عينيه وسالت على خديه ولحيته البيضاء. أبكاني الموقف، فحاولت مواساته لكنني لم أستطع لذلك سبيلاً؛ ما زادتني المحاولة إلا حزناً وألماً، فالموت في كل مكان ، نظرت إليه نظرة ود ومحبة وكأنني أدخل إلى روحه المحطمة، فارتعشت شفتاه؛ كان يريد أن يكلمني بشيء لكنه لاذ بالصمت قليلاً، فلم أملك إلا أن أودعه وأقبله بحرارة. سرت في طريقي مسرعاً أتلفّت يميناً وشمالاً والحزن يعتصرني. طال بي السير مذهولاً حتى وجدت نفسي بالقرب من دكان صغير. نظرت داخله فوجدته. فارغاً تقريباً من البضاعة، ما عدا صف ضئيل من علب السجائر. ابتعت واحدة منها وتابعت سيري بين بساتين النخيل؛ حيث لا يسمع غير أصوات العصافير وهديل الفواخت كالنواح، وعبق الأعشاب الندية يملأ رئتي دون أن أشعر بالانتعاش. وأنا مضطرب، جذبني في غفوة اليقظة التي كنتُ فيها صوتٌ خشنٌ أقرب إلى الزجر: "يا ولد! من أين أتيت وما أخبار المدينة؟". التفتُّ لأرى شيخاً وقوراً في السبعين من عمره، يرتدي كوفية بيضاء منقطة بالسواد. أجبتُ بخوفٍ وتردد: "جئت من العشار، هناك مناوشات بين الجيش والمنتفضين". بعد حديثٍ طويل شعرتُ باطمئنانٍ إليه، فقلتُ متوسلاً: "أيها الشيخ الجليل، أرجوك أن تدلني على مكان من شط العرب لأعبر إلى الضفة الأخرى". ابتسم الشيخ ابتسامةً غامضةً: "ولماذا تريد العبور؟". تكلمت بسرعة وعيناي تبحثان عن الصدق في وجهه: "عائلتي في الجانب الآخر من النهر". تحدث لي وكانت ملامحه تنم عن عدم تصديقي: "تمشي نحو ثلاثة كيلومترات وتنحدر يساراً مع النهر، سترى سفينتين غارقتين، وبإمكانك العبور مساءً لأن الجيش يطلق النار على كل من يحاول العبور من هناك". واستطرد الشيخ بلهجة أبوية: "كن حذراً يا فتى". شكرته وودعته وسرت في طريقي مسرعاً ومتحفظاً، أحاول أن أدقق في كل شيء، وذهني يعمل بعشرة أضعاف طاقته. من جهة أفكر بطريق الهروب وكيف أتوارى عن عيون أفراد الجيش والأجهزة الأمنية. ومرة أخرى سمعت صوتاً يناديني، ولكن هذه المرة من سيارة عتيقة. كان الصوت مألوفاً لي، عرفته بعد لحظات: صديق حميم "أبو نور". كنت أعرفه من قبل، بعد السلام والحديث بادرني بالسؤال: "أين تريد الذهاب؟". قلت: "أنا أقصد منطقة يوسفان أو أبعد قليلاً". كرر سؤاله مبتسماً ، ليشجعني أن أقول الصدق، فقد فهم أني مطارد وأبحث عن الخلاص: "أين تريد الذهاب؟". قلت الحقيقة: "أريد الهروب خارج البلد". قال: "أنا لا أنصحك، فالأوضاع هائجة وغير مستقرة والهروب صعب، العسكر ينتشرون كالدود في كل مكان وهم مستفزون وأيديهم على الزناد، وقتل الإنسان عندهم كقتل حشرة". لكن الكلام لم يثنيني عن مخططي، وحدثت نفسي: لا سبيل لي غير الهروب. قلت له: "أرجوك أنزلني قبل نقطة التفتيش". أوصلني وشكرته، دخلت عبر البساتين حتى وصلت إلى المنطقة التي أُشير إليها. مشيت بحذر شديد بقرب النهر ورأيت السفينتين الغارقتين. جلست فوق حافات الصخور القديمة متخفياً متكئاً على جذع نخلة. نظرت إلى النهر والزوارق الغارقة ورحت أتساءل: كيف لي العبور؟ كيف أجتاز النهر سباحة؟ وشط العرب نهر واسع وكبير على الرغم من إني عبرته قبل سنوات طويلة حين كنت صبياً. وبعد الانتظار والخوف والقلق الشديد، أن يلقى علي القبض من قبل السلطات، بدأت أقلب أفكاري، وتصورت ماذا سيحدث معي لو أمسكتني السلطات، واسترجعت الكثير من المواقف الصعبة التي مررت بها طوال خمس وثلاثين سنة من التجربة في الحياة وأوجاعها. راجعت ذكرياتي القديمة، وقد مرت الأعوام ولم يبق لي منها غير ذكريات ترفرف في رأسي، وتسللت إلى روحي أعاصير جديدة من الكآبة والحزن. فكرت: كيف أجتاز هذا النفق المظلم؟ وبينما أنا شارد الذهن، إذا بصبي صغير لا يتجاوز عمره الحادية عشرة، نظر لي وهو يبتسم، بادلته الابتسامة البريئة ذاتها، ثم نظر مرة أخرى وهرب مسرعاً. بدأت أدخن سيجارتي وأنتظر الوقت المناسب للتسلل. بينما كنت أفكر بكيفية اجتياز نهر شط العرب وأتأمل، أفزعني صوتٌ خلفي: "السلام عليكم يا أخي، ماذا تفعل هنا؟". أجبتُ باقتضاب: "أنا جالس قرب النهر". ضحك الرجل طويلاً ثم نظر إليّ باستخفاف: "أعرف أنك تجلس قرب النهر، ولدي الصغير أخبرني يوجد رجل يرتي بدلة يجلس قرب جذع النخلة على حافة النهر. أتريد العبور الى الجهة الأخرى ؟". شعرتُ بقلق ونظرت إلى ملابسه الرثة، لكن عينيه كانتا تحملان طيبة أهل المنطقة التي عرفتها، بدَّدت قلقي. اعترفتُ أخيراً: "نعم أريد العبور، أهلي في الجانب الآخر من النهر". قال: "كيف تستطيع والجيش قد أغرق كل الزوارق في النهر؟". "سوف أعبر سباحة حين يحل المساء". ابتسم الرجل باستغراب وقال: "الجو بارد والمسافة طويلة، وإن رآك القناص سوف يقتلك". "إذًا ماذا أفعل يا أخي؟ أرجوك أن ترشدني". قال: "ارجع من حيث أتيت، فهو الطريق الوحيد لنجاتك". "لا أقدر على الرجوع، لا أقدر". صمت الرجل قليلاً ونظر في وجهي وقال: "حسناً، لقد فهمتك.. فهمتك". وحدق في وجهي برهة من الزمن ثم أضاف: "يوجد لدي زورق صغير جداً يتسع لشخصين فقط، إذا رغبت في المساء أنقلك فيه بشرط أن تعطيني عشرة دنانير". فوافقت دون تردد، وقال: "سأوافيك في الخامسة". وسألته: "أنا هالك من الجوع، ألا يوجد لديك قليل من الخبز؟". رد سريعاً: "والله صدقني أنا حائر في أطفالي كيف سأطعمهم". اعتذر الرجل ثم أضاف: "تعرف يا أخي كنت أعمل في صيد السمك والآن لا أقدر على ألصيد بسبب انتشار الجيش، في كل مكان. يعز علي طلبك، لم أقدر أن أطعمك في هذا الحصار الصعب". نظر لي وذهب. جلست مكاني بين ظل النخلة، كانت أنفاسي تتلاحق من مغامرتي القادمة؛ عبور النهر، رصاص القناصة أو فرحة الخلاص والعبور إلى الضفة الأخرى. مشاعر الخوف والفرح تمتزجان وأنا ألتف في دوامتهما حتى أحسست بأوجاع في جسدي وقواي تضعف، كما اشتد علي الشعور بالجوع والعطش، فأنا لم أتناول الطعام منذ الصباح الباكر. قمت بشرب الماء من النهر ورحت أنتظر، فلا تزال هناك ساعات قليلة قبل غروب الشمس. وحتى ذلك الوقت، لا أعرف ما الذي يخبئه النهار لي حتى الساعة الخامسة. وكنت أسمع أصوات دوي القذائف ولعلعة الرصاص المتقطع بين الفينة والأخرى. ومع رحيل الشمس وانسحاب أشعتها التدريجي، كان قلقي يتفاقم وخوفي يتضائل ؛ فالرجل لم يأتِ، وإن عدم مجيئه في الوقت المناسب يعني موتي، ولم يكن ثمة أمل يذكر بإنقاذ حياتي غيره. وأنا أنفث دخان سيجارتي الأخيرة، والكلاب ما زالت تعوي، بذاكرتي صوتها يتناهى من بعيد. لم أتذكر لحظتها غير الطيور التي كانت تتأرجح على أعمدة النور المتدلية، وأصوات الكلاب المرعوبة من الرصاص والقنابل. أي حنين لبيتي والشارع يسحقني! ثم بدأت أسمع نقيق الضفادع على طول النهر بأصواتها الرتيبة، وأخذت أفكر: إن اكتشاف المحن الصعبة فرصة نادرة لخوض تجربتي واختزان الذكريات. وبعد نصف ساعة وأنا أرقب عقارب الساعة وهي تزحف ببطء شديد، بدأ الخوف يأخذ حيزاً أكبر في نفسي بعد أن سمعت قصفاً مدفعياً شديداً من جانب النهر. ما العمل إذن؟ إن رجعت إلى المنزل سوف أُعتقل، لا يوجد أمامي غير هذا الطريق. خلعت ملابسي واتخذت قراراً مفاجئاً بالسباحة، لقد قررت المجازفة، قلت لنفسي: يجب أن أجرّب شجاعتي. وفي تلك اللحظة الحاسمة، وإذا بالرجل وولده الصغير ينادي: هل أنت جاهز؟ تعال وساعدني على إنزال الزورق (الجينكوه) وأعطني المبلغ المتفق عليه". أنقدته المبلغ، ثم أخرج خبزاً ملفوفاً مع بعض الخضار وبعض التمر: "خذ يا أخي صبّر جوعك". بعدما أكلت،وشكرته أسرعت إليه وقمت بإنزال الزورق معه وصعدت بحذر. قال لولده: "بني، أنت راقب من بعيد وأبقَ على الجرف". فيما راح يهمس لي: "لا تظهر قامتك، أبقِ رأسك منخفضاً حتى لا يرانا أحد، وسوف أنزلك قرب السفينة الغارقة". سرنا بخوف وحذر شديدين، كنا نجذف بأكفنا. كانت بعض الكائنات الصغيرة تصطدم بأكفنا؛ هل هي أسماك أم طحالب؟ سألته غير أنه لم يقل كلمة إنما همس بصوت منخفض: "انزل.. انزل بسرعة، انزل يا أخي". قلت له متوسلاً: "أوصلني إلى الجرف أرجوك، فالمسافة كبيرة". جاء صوته آمراً: "قلت لك انزل بسرعة، الوضع خطير جداً، هيا انزل!". وتحت إصرار الرجل، نزلت في الماء بعد أن خلعت معطفي ووضعت أغراضي ومالي وربطت حذائي، ثم سبحت حوالي عشرين متراً. وبالقرب من الجرف بدأت بالمشي، لكن الطين كان لزجاً وكثيفاً حتى أنه وصل إلى صدري. في تلك اللحظة وصلتني رشقات متتالية من الرصاص ورمي كثيف؛ لقد اكتُشفت من قبل الدورية العسكرية، فهرعت مسرعاً وأنا أصعد الجرف الطيني. رميت نفسي على ساتر ترابي قريب، تمددت على الشاطئ؛ كانت ثيابي مبللة وملطخة بالوحل وجسدي يرتعش من شدة البرد. وبالرغم من أنني كنت قلقاً، لكني أحسست بالحرية والأمان بعد العبور. بدأت أتفحص جسدي، أحسست أني متُّ قبل الآن وأنني حي في نفس المكان. ثم صوبت نظري نحو الرجل والزورق؛ انصدمت، سمعته يستنجد ويستغيث، بدأ يغرق بعد أن أصيب بإطلاق نار كثيف. قُتل الرجل! أخذت أصرخ بأعلى صوتي: "كيف حدث هذا بسببي؟". انهار جسدي وأنا أنظر لغرق الرجل بزورقه وصوت ولده الصغير يصرخ. يا الله! هل أنا أصبحت قاتلاً بنظركم؟ ما ذنب هذا الرجل المسكين الذي أنقذني وقُتل؟ بدأت أنظر إلى ولده الصغير وهو يبكي ويصرخ ويستنجد: "وهو ينزل بقرب الجرف أنقذوا أبي يا أهل الغيرة!". وفي تلك اللحظة، رأيت اثنين من ثوار الانتفاضة يحملان البنادق ويصرخ أحدهم: "هيه! انسحب من المكان بسرعة قبل أن تُقتل بالقصف ". ثم انحدرنا قرب القصب وتكلم أحدهم: "من أين أنت؟". "أخي، أنا من منطقة الطويسة، هارب من هذا الظلم والموت، وأنا مفزوع بمقتل هذا الرجل المسكين، لا أقدر على السير،مستغرب كيف حدث هذا، واخذ جسدي يرتجف. تكلم الرجل وقال: "في الحروب الموت في كل مكان". قلت لم أرى مثل موت هذا المسكين .. قطع الحديث وسئالني ما أخبار المدينة؟". "قلت الجيش دخل في كل مكان وبدأ يعتقل ويقتل الناس". "وأنت أين تريد الذهاب؟". "إلى الحدود". "وكيف ستذهب تحت هذا القصف الشديد؟". "الله يحميني". تكلمت وأنا حزين أبكي هذا الحدث. لم أنسَ هذا الرجل طوال حياتي؛ أنقذني هذا المسكين وترك عائلته. ثم تركتهم وأنا أجرّ جسدي المثقل بالطين المتماسك على ملابسي، وسرت بحذر بين القصب العالي بينما الرصاص يخطف فوق رأسي بكثافة شديدة. كنت أسير على غير هدى، لا أعرف إلى أين أتجه. ضاع بي المسير إلى جادة صغيرة، في تلك اللحظة شاهدت سيارة عسكرية كبيرة بين النخيل وبعض الثوار، فنادى عليّ أحد الأشخاص: "يا أخي، أين وجهتك؟ ألم تعرف الطريق؟". قلت: "لا أعرف، أريد أن أصل إلى الحدود الإيرانية". ابتسم وقال: "وكيف ستصل إلى هناك في هذه الظروف الصعبة؟". "سأجد طريقة ما". "حسناً، سأدلك على الطريق؛ اذهب على طول هذا الطريق حتى ترى قنطرة صغيرة وتسير بجهة النهر، سوف تلقى رجلاً يدعى سعد السكيني، كن حذراً وأعطه كلمة السر (صديق 1)". شكرتهم على ذلك وسرت مسرعاً حتى وصلت القنطرة. وبينما كنت أواصل السير سمعت صوت إطلاقات من، بندقية تأزّ بالقرب من رأسي؛ هلعت من هذا الموقف بينما الطلقات تزداد كثافة. رحت أنادي بأعلى صوتي: "أنا (صديق 1)!". تكرر الصوت ثانية: "من أنت؟". قلت: "(صديق 1)". "حسناً، تقدم". سرت مسافة تُقدر بعشرة أمتار، قال: "انبطح!". نفذت أوامره، وإذا بشخص طويل القامة ضعيف البنية يقول: "من أين أتيت؟". "من المدينة". "ما اسمك؟". أطلعته على اسمي. "أرني هويتك". نظر إليها بعين فاحصة وقام بتفتيشي وقال: "ما هذا؟ ملابسك مبللة كلها، من أين أتيت؟ هل أنت هارب من النظام؟". "نعم يا أخي، أنا عبرت شط العرب هروباً ". قادني الرجل إلى الملجأ، دخلت فوجدت مجموعة من الرجال المسلحون جلست وطلبت بعض الطعام؛ أحضر لي فُتاتاً من الخبز، رفعت بعضاً منها وقربتها من أنفي، كانت رائحتها عفنة، التهمت بعضاً منها وشربت الماء بعدها. قدم لي سيجارة فشكرته كثيراً. قال: "ما بك؟ أنت مرتبك جداً". تحدثت لهم عما جرى في شط العرب والحزن الذي أصابني بمقتل صاحب الزورق المسكين: "هل كان قدراً محتوماً أم أنا السبب في ذلك؟". وترقرقت الدموع في عيني وبكيت كثيراً، تذكرت كيف ساعدني وقدم لي الطعام ، لن أنسى أبداً. قال سعد: "اهدأ يا أخي، يموت واحد أو عشرة، لن تثني همتنا عن الثورة ضد الطاغية، وسوف نقاتل كلنا حتى لو متنا، هذا طريق نضال والرجل أصبح شهيداً". وكانت يده على الزناد. ثم استأذنتهم وشكرتهم وخرجت. قال: "أين تريد الذهاب؟". "إلى الحدود". "وكيف ستذهب؟ المسافة بعيدة وخطرة جداً". قلت: "أنا عبرت بجانب الموت" بعد ألان لا أخاف بس من الله والله معي انشاءالله . في هذه الأثناء اشتد القصف المدفعي فدخلت الملجأ مرة أخرى وانتظرت حتى أصبح الوضع آمناً. قال لي سعد: "إذن ستذهب؟". "نعم". "احذر الألغام في طريقك فهي كثيرة، فالناس يموتون كل لحظة. لماذا لا تقيم الليلة هنا وتذهب في الصباح؟". ولكنني صممت على الرحيل وسأتوكل على الله. لا أعرف ما الذي يدفعني للرحيل، أهو القدر أم شيء آخر؟ لا أعرف لِمَ هذه العجلة في الذهاب وكأنما تدفعني أيادٍ خفية وقوى قدرية غامضة للذهاب على عجل. خرج معي وأراني الأبراج الثلاثة وقال: "اسمع يا أخي، اذهب بجانب الساتر الترابي للبرج، لا تنحدر كثيراً عنه فهناك ألغام كثيرة". شكرته وذهبت، ردد بصوت عالي: "سوف ترجعون قريباً إن شاء الله بهمة الأبطال"، وهو يرفع السلاح. بدأت الشمس تتلاشى وراح الليل يخيم بظلامه، وضوء القمر ينشر أنواره الشحيحة. سرت على غير هدى، كنت لا أعرف إلى أين أتجه في هذه الأرض الموحشة ومستنقعاتها الراكدة التي تطؤها قدمي لأول مرة. كنت لا أرى شيئاً في طريقي حتى وصولي إلى سدّة ترابية مرتفعة قادتني إلى الشارع. مرت سيارة مسرعة مصابيحها مطفأة وملطخة بالطين، سارت مسافة بنحو نصف كيلومتر ثم رجعت إلى الخلف. راودني بعض الخوف من رجوعها فتراجعت باتجاه المنحدر بخطوات سريعة. نادى عليَّ شخص باسمي! تفاجأت من هذا الصوت وأنا أخطو متراجعاً إلى الوراء، وإذا بباب السيارة يُفتح. كان الصوت ليس غريباً عني، فطالما سمعته. تساءلت: "إني أعرف هذا الصوت، إنه صوت قريب لنفسي، إنه الصوت ذاته!". وما أعجب المصادفات! إنه أخي الذي يصغرني! ويا لها من مفاجأة! قلت: "يا الله، ما هذه الصدفة العجيبة؟ ها هو القدر بتوقيته ينقذني مرةً أخرى ". وبدأت عليّ الدهشة؛ هذا أخي قد رجع إليّ، كان غير متأكد من وجودي فالظلمة كانت شديدة، عجبت كيف توقع وجودي في هذه اللحظة. قال لصديقه الذي معه: "إنه أخي الكبير". بينما صديقه قال متعجباً: "كيف وصل في مثل هذا الوضع الصعب؟". أجاب أخي: "إني متأكد أنني لمحت هيئته ونظارته الطبية ومشيته". كان الطريق إلى الحدود طويلاً ووعراً ومحفوفاً بمخاطر جمة، ثم خيّم الصمت عليّ لوهلة من الزمن على المصادفة العجيبة. سألت: "يا أخي، تُرى أين كنتم ذاهبين؟". قال: "لجلب مولد كنا نحتفظ به في ملجأ بمنطقة سيد جابر، وقررنا أن نجلبه في الظلام حتى لا يرانا الجيش، ولكن الله بعثنا لإنقاذك". سرنا مسافة بحدود نصف ساعة تقريباً. قلت لهم: "عجباً، كيف كنت سأقطع وحدي كل هذه المسافة؟". قالوا: "أنت ميت لا محالة، لكن حظك قادنا إليك". لم أفهم ما الذي يحدث لي، كأن شيئاً غيبياً يمهد لي الطريق وينجيني، وكنت أشعر بالراحة نتيجة الأشياء التي تحدث لي. في تلك اللحظة بدأ القصف الكثيف يشتد في طريقنا، وأنا أتساءل في دخيلتي: "كيف يتسنى لي قطع هذه المسافة مشياً على الأقدام في عتمة وغموض وصدى الأصوات القدرية في هذه الأرض الموحشة؛ حيث لا يوجد أي أثر لبشر في الطريق؟". وصلنا الحدود الإيرانية بسلام، ومن بعيد رأيت الخيام منصوبة. في النهاية التقيت أبي وأمي وكانوا فرحين جداً بوصولي سالماً. وبعد أيام عدة تجمعت مجموعة من الثوار والشباب وجلبوا الأسلحة، وقمنا جميعنا بمهاجمة أزلام النظام. وجاءت تلك المعركة التي دارت على مشارف "التنومة" لتثبت لي بطولتي. قام الجيش بالقصف الكثيف، وسقطت القذائف فوق الخيام وتناثرت الجثث أشلاء مقطعة. كان الموقف رهيباً، هرعنا مسرعين نلمّ أشلاء الموتى المتناثرة على عجل خوفاً من المدفعية التي كانت تهدر دون هوادة، فيما راحت الأرض تتلون ببقع حمراء من الدم، والكلاب تحوم متحيّنة لنهش أجساد الموتى وأشلائهم المقطعة. وأنا أنظر إلى الدم الممزوج بالرمل، وقع بصري على كرة سوداء، تساءلت: "ما هذه الكرة التي غطى نصفها الرمل؟". قلت لنفسي سوف أقترب أكثر، بعد أن تيقنت من أنه رأس! يا للهول! كأنه رأس طفل متفحم! يا الله، كيف تكون ردة فعل والديه؟ رائحة الدم تشيع في الأجواء، والرعب سيد المشهد. ليس لألمي أي حد ومعنى وأنا أنظر لكل هؤلاء الموتى الذين لاحقهم النظام إلى أراضٍ غير أراضيهم وهم يُنقلون بالسيارات المكشوفة. ولتكتمل سوداوية المشهد، هبت عاصفة هوجاء كأنها تحمل نقمة مضمرة على البشر، فتطايرت الخيام في الهواء واقتلعت الأشجار والنباتات الصغيرة، واستمرت العاصفة نحو نصف ساعة وكأنها تلقّن هذه الكائنات البشرية المسكينة درساً أخيراً وهي ترى جثث القتلى والأشلاء في كل مكان. صرخت بصمت: "أيتها الريح العاصفة الملعونة! هل أنت متآمرة أيضاً؟ هل جنّدك الطاغية لملاحقتنا إلى الضفة الأخرى؟". هكذا تساءلت في خاطري حتى بدأت الشمس تغرق في عتمة الغمام، خلفها سماء مظلمة، ثم هطلت أمطار شديدة وهبت الرياح مرة ثانية، وكان المطر يهطل مع عصف مهول مصحوب برذاذ شديد. كل هذا العذاب وأناس أبرياء قذفهم القدر عبر الحدود، كان كل ذلك يصيبني بالخيبة واليأس. في النهاية انسحبنا بعد أن تكبدنا شهداء كثر، وأسرنا جندياً ما كان بمقدوره العيش بعد إصابته الشديدة من جراء القصف المدفعي. وأنا أنظر إلى الجندي وهو ينزف ويتخلى عن المعركة ويصف السلطة بالمجرمة والقاتلة وقال إنه مجبر على القتال. قلت له: "أنت من أي محافظة؟". لم يُجب ثم زجر بوجه أحد التوابين وضربه بقوة، بعدها بساعة وافاه الأجل. وقام الإيرانيون بإدخالنا إلى حدودهم بمسافة خمسة كيلومترات تقريباً. وكانت لدينا سيارة قمت ببيعها بمبلغ جيد حتى يدخلوننا. مكثنا شهرين في الخيام قرب نهر "بلو ناو"، وكان نهراً صغيراً مياهه جارية. وحينما يسقط وهج الحر الصيفي على أجساد الناس ويقطن الغبار لزجاً بأجسادهم، يذهبون للسباحة. وبدأنا نسبح في ذلك النهر أنا وبعض الأصدقاء، وحتى أبي، كان ينزل في مياه النهر ليبرد جسده من الحر. بينما كنت أسبح وأقوم ببعض الحركات البهلوانية في الهواء وأنا أقفز في النهر الذي تحيطه الأشجار، والنخيل الباسقة بمنظرها الخلاب، لاحظتُ فتاة طويلة بيضاء جميلة جداً تسترق النظر من خلف الأشجار وهي تبتسم لي. شدني الموقف ورحت أتباهى بحركاتي لجذب اهتمامها. وبعد خروجي من النهر ذهبتُ بقرب تلك الشجيرات التي تقف بجانبها وألقيت التحية. بادلتني بابتسامة وبدأ الحديث، قالت: "أنت تسبح بمهارة فائقة". قلت لها: "أتعرفين أن الجو حار جداً؟ لماذا لا تسبحين بقرب الجرف؟". ابتسمت وهي تهز رأسها بالرفض، وبدأ الحديث يطول بيننا وتواعدنا على لقاء ثانٍي . بدأت علاقتنا ببراءة؛ كان لها صوت جميل وعذب جداً وهي تغني لي تحت ظل الأشجار وبأجواء رومانسية. وبعد فترة من الزمن ليست قصيرة، لم أكن أتوقع أن تلك البراءة تُضمر بداخلها تلك الرغبة الشهوانية الجامحة التي تغلبت على روحها، وبعض الأقاويل التي تُحكى عنها وعن أخلاقها وشهرتها تُلقب "البطة". بدأتُ أُلقي عليها الموعظة الأخلاقية: "أنتِ تائهة وضائعة في هذا الوضع الغريب علينا". ورحت أحدث نفسي: "هذه الفتاة هل هي ساذجة بريئة أم خبيرة ولعوبة مع الرجال؟". وأخذت تقرب جسدها وإغراءاتها الأنثوية أصابتني برعشة هزت جسدي، فقلت للشيطان: "خذ غرائزك وأبعدها عني". ونهضت من قربها بازدراء؛ هل هي كانت تحتاجني، ثم حدقت بطرف عينيها وحركات من شفتيها بتهامي كأنني مذنب، وقالت بلهجة متعالية جريحة: "اذهب من هنا، هيا أرجوك اذهب". وبدأت بالتخلي عنها والابتعاد؛ لا أعرف ما الذي قادني إلى هذه التصرفات، أهي الظروف المحيطة بنا أم عدم التأقلم مع الأوضاع السائدة حينها؟ وبعد فترة قصيرة وافقت إيران على دخولنا أراضيها، لكن ليس أمامي سوى عالم مجهول، ليس لك معه وشيجة ولا صلة، عالم يتجنب حتى خطواتك بل يستفز أعماقك ويهز كل جوارحك؛ فهل تطاوعك أقدامك في أن تحث الخطى عليها؟ كنت أعتبر الأمر مستحيلاً، ولكن بعد إقامتي في (المحمرة) والتعرف على أهلها وحياتهم، وبعد أن طوعت نفسي على الألفة والآصرة، وراحت نظراتي تطالع بشغف وجوه الفتيات التي تفيض ملاحة وجمالاً وينطق الكثير منها بجيناتها الفارسية، أخذت أحل وثاقي مع الذكريات رويداً رويداً، ورحت أطلق خطواتي المترددة في البداية والواثقة بعدها في جغرافية الوطن الجديد، وطن المنفى. وحصولي على بيت مهدم توجد به غرفه قمت بترميمها أنا وإخوتي، كأن الجيران مستغربين بدخولنا هذا البيت، لم أعرف ما يخبأ لي لماذا كل البيوت يسكنها نازحين الا هذا البيت ! سكنا فيه آنا وأهلي أمي وأبي وأخوتي .. وبعدها فلا بد لي من أن أحث السير إلى الأمام، وكان علي أن أكتشف مجاهل وطني الاضطراري الجديد. ذهبت إلى طهران مع صديقي الوحيد ماجد الخياط، وهناك تجولت فيها مأخوذاً؛ فهي عاصمة جميلة زاخرة بالألوان والوجوه والعطور. ما زالت الملامح ووجوه النساء الأرستقراطيات الناعمة الجميلة على نحو أخاذ، وفي الأزقة والدروب والمزاج العام حيث الشعور بالسمو والرفعة إزاء الآخر. تجولت وتجولت وكنت أقارن لا شعورياً بين هذه المدينة وبين بغداد والبصرة، فأرجع خاسراً؛ فرغم الحروب والثورة وتغيير النظام الاجتماعي والسياسي، لم تتعرض طهران، للإهمال كما المدن العراقية. كنت كمن يستكشف الحياة من جديد ويبحث عن طرق العيش من جديد، لعلي أهتدي إلى خطوة ترسم لي بداية الطريق. كنت ألاحظ وأراقب كل شيء، وكل شيء يجلب انتباهي ويدخلني في حالة من الحوار الداخلي. ولكني انتبهت بشدة إلى أسعار العملات خاصة الدولار، وقارنت بين السوق هنا وسوق مدينة المحمرة فوجدت فرقاً ممكن الاستفادة منه، وقلت لنفسي ولكن بصوت مكتوم: "وجدتها!". وليس كما صرخ نيوتن "وجدتها يا ماجد، أخيراً حصلت على عمل". ابتسم لي صديقي الذي كان يمشي بجانبي صامتاً ومأخوذاً هو الآخر بكبر المدينة وتنوع تأثيثها، وقال: "أين حصلت عليه؟ في الحلم؟". فهو شريكي في بحثنا المجدي عن عمل. قلت له: "سأرجع إلى مدينة المحمرة ثم أعود ألى طهران" للعمل ببيع العملات .. قال صديقي: " حسنا يا أخي أنا سوف أكمل طريقي إلى الحدود مع روسيا". تعانقنا وتمنيت له التوفيق في رحلته. وبدأت أعمل في شراء العملات بين الحين والآخر؛ فمن المدينة الكبيرة المتخمة بالبشر والغاصة بالتجار والمناورين من شتى الجنسيات، من هناك، من أكثر العواصم قسوة في التعامل مع الغرباء، بدأت رحلتي الجديدة. ورحت أصارع الحياة لأثبت لنفسي أولاً أن الخسارات مهما كانت كبيرة فهي قابلة للترميم، وأن كينونتي ما زالت قوية ومتمردة وصلبة: "يجب أن لا نستسلم لضغط الخسارة، بل يجب أن نقوم من عثراتنا وخساراتنا أقوى وأشد، فالنفس البشرية مثل بناء يتهدم وعلينا صيانتها بالعناد والمواجهة". هكذا كنت أقنع نفسي وأنا في غمار عملي الجديد، الذي سخر منه صديقي كثيراً وتركني وسافر لأنه عجز عن مواجهة الظروف القاسية والتعامل مع الآخرين. غير أن مهنتي هذه، بعد فترة من الزمن، تعامل بها الكثير من الناس عامة والعراقيين النازحين خاصة، ما جعلني أبحث عن عمل آخر ،بتعت ماكنة خياطة ، وأخذت اعمل في البيت للنازحين من المعارف حتى التقيت بصديق من أهالي البصرة. تكلمنا حول الأوضاع وسألته عن سكنه، أجابني بأنه يسكن في بيت أخته في مدينة أخرى اسمها "سربندر"، وهي مدينة جميلة جداً تبعد ساعتين من هنا. فسألته: "هل توجد بها محلات للخياطة؟" وهي مهنتي في العراق. طلب مني الذهاب معه، شكرته وذهبنا سوية. وبعد وصولنا المدينة قال علي: "لنذهب إلى بيت أختي ونستريح، وفي الغروب يأخذنا أحمد ابن أختي للبحث عن محلات للخياطة". قلت له: "كما ترى". وحين وصلنا البيت قرع الباب، فأطلت علينا فتاة جميلة أبهرتني بجمالها وقوامها الفاتن، راح قلبي يخفق سريعاً. سألها علي: "أحمد موجود؟". أجابتُه: "إنه خرج من البيت". ثم سألت أنا: "من هذه الفتاة؟" فلم يسمعني. أعدت عليه السؤال: "يا علي، من هذه الفتاة الجميلة؟". قال بأسى واضح: "إنها بنت أختي ليلى، قُتل زوجها في الحرب وهي تعمل الآن مدرسة في مدرسة للبنات". وحينما دخلنا البيت وسط عبارات الترحيب من العائلة، والفتاة الجميلة لم تذهب بعيداً مني وصارت هدفاً عارياً لنظراتي اللجوجة الراصدة بشغف، تبينت أن عينيها زرقاوان وآسرتان في ذات الوقت، وشالها الأحمر المسترخي بامتنان على كتفيها يزيدهما فتنة وافتناناً. راحت مقاومتي تنهار وتتداعى، ولم أستطع صرف نظراتي عنها والعوم في عينيها الزرقاوين. شعرت هي بذلك فاحمرّت وجنتاها لتتناغم مع شالها الأحمر. استسلمت تماماً لسطوة جمالها ورحلت في حلم أزرق طار بي بعيداً، ولم يرجعني إلى صحوي إلا بعد تقديمها لأقداح الشاي وابتسامتها العذبة ترف على شفتيها كعصفور ملون صغير. وقالت بصوت عذب، مزيج من العربي بلكنة إيرانية -حيث أن أهلها كانوا من المسفّرين العراقيين- تسلل صوتها إلى داخلي كالنهر الجاري، فأيقظ قلبي الذي طال خريفه، وارتعش جسدي بقوة كأن الربيع قد حلّ بكل عنفوانه. قال صديقي وقد رصد اهتمامي بليلى: "اسمع يا أخي العزيز، بنت أختي ليلى ليس لها سوى أنسام، هذه البنت الصغيرة من زوجها الشهيد". وكانت أنسام الصغيرة نظيفة ولامعة وجميلة كأنها طير هرب من الجنة. تلقفتها بين يدي وشعوري بأني أحمل كنزاً وأبعث رسائل حية لأمها التي تيهتني في بحر عينيها،. بدأت الصغيرة في المداعبة الأبوية معي، وأصبحت بيننا مودة رعاها الزمن القصير. وكثرت زياراتي للعائلة بحجة البحث عن عمل، ولاحظ الخال علي التماع أعيننا عند اللقاء، فكلمني دون كلفة وبصراحة شديدة: "أرجوك كن واضحاً معي، إني أرى تقارباً بينك وبين ليلى وأنا أحترمك كثيراً". أجبته على الفور ودون تردد وبصراحة تامة: "أتمنى، إن لم تمانع، في طلب يدها للزواج". ابتسم وقال: "سوف أكلمها وأكلم أهلها وأبعث إليك بالخبر". وهنا بدا التفكير في المكوث في إيران والبحث بجدية عن عمل حقيقي كي أتزوج وأستقر. بدأت صورة ليلى تتوغل في أعماقي. وبعد أيام عدة من الانتظار أتى الرد المفرح بالموافقة.، ذهبنا إلى بيتهم أنا ووالدي وأمي ، لطلب الزواج والارتباط الرسمي بعد الضيافة والاستقبال. هنا أطلت علينا ليلى وأمها، بدأ قلبي يخفق بدقات سريعة، حلمت بعبق عشق يعصف بروحي، وأنا غارق في النظر إلى عينيها. قالت لي أمي: "ما شاء الله، إنها جميلة جداً". ودخل السرور إلى قلب والدتي وزغردت بأهازيج الفرح. طلبوا شروطهم علي، وافقت على كلها ما عدا واحداً، قلت لهم: "لا أستطيع تنفيذ هذا الشرط الذي يقتضي عدم الرجوع إلى بلدي والعيش في إيران". طلبت منهم فرصة للتفكير، وهنا بدأ الموقف يتغير وكأنها بدأت تؤمن بصدق نواياي فوافقت على الارتباط بالزواج والحب بالرغم من أنها كانت خائفة جداً. ثم أتممنا جميع مراسم الخطبة بفرح ومسرّة بينا لأن يعلن، وبدأنا بالحديث، وحدثتها عن الحرب والموت. هي لا تحب الماضي وتريد نسيانه، قالت: "أرجوك، لا أحب الحديث عن الحرب". اعتذرت لها، وتطورت العلاقة بيننا وأصبح الحديث مباشراً. قلت لها: "أعرف أننا لم نتحدث مع بعض يوماً، ولكن أحسست معك بتواصل غامض، ولا أعرف إذا كنت تشاركينني المشاعر نفسها أم لا". ابتسمت وهي تطأطئ رأسها خجلاً وحياءً. وبدأنا نرسم خطواتنا الأولى وخرجنا إلى ساحل البحر سوية مع الطفلة ذات الروح المرحة، وقتها تسلل الفرح إلى قلبي وبدأ حديثنا رومانسياً. حدقت بعينيها البراقتين وتهت مبحراً في زرقتهما. كانت تسير بقربي كفاً بكف وقلبي مشدود لسحر عينيها، قلت لها مازحاً: "أرجوك، أبعدي نظراتك عني ولا تحدقي بي هكذا؛ لأن الكلام يتبعثر ويضيع عند النظر بعينيك". ابتسمت وبدأت تضحك لوصفي لها، فيما غرقت بنشوة عارمة. وتكررت الزيارات والتنزهات على ساحل البحر، وأنا ألقي عليها بعض الأشعار الرومانسية من ذاكرتي وهي فرحة جداً بعلاقتنا. وبدأ العلاقة تزدهر بيننا وبعض المداعبات الخفيفة مما ضاعف أواصر المحبة في قلبينا، وشاع الخبر بين أقاربها وصديقاتها. وبعد أيام عدة قلت لها: "إني أعيش بعيداً عن وطني، إلا أني بدون عمل مستمر، كيف لي العيش بهذه الطريقة؟". قالت: "لا تقلق، سوف تجد عملاً وسوف أساعدك لفتح محل للخياطة". كان قلبي مفعماً بالحب والسعادة، وبدأ الحب يزهر في قلبي ولكن بعيداً عن وطني. وهنا لاحظت التقارب بين ليلى وأمي، التي بدأ تأثيرها يدخل قلب أمي، وقالت لي: "يا ولدي، إن ليلى تحبك كثيراً وأنا أيضاً أحبها". قلت لها: "لكني يا أمي شديد الخجل لبقائي دون أي عمل، والآن أربعة أشهر مضت وأنا محتار، ولا أعرف أي قرار أتخذ؛ أين أسكن بعد الزواج وماذا أفعل لا محل لي لحد الان ؟". أحسست أن حياتي عبء على ليلى، ما هذا الموقف الذي أوقعت نفسي وأوقعتها فيه! وفي أحد الأيام عند رجوعي إلى مدينة "المحمرة"، بينما كنت جالساً في الباص بقرب النافذة وأنا أنظر إلى السماء وقد كانت حبلى بالغيوم، تمنيت أن أكون طائراً بجناحين وتحملني الريح بكل قوتها وسرعتها وترميني في بلدي. لقد راح الحنين يخنقني والعودة للوطن صارت هاجساً. وبعد أيام عدة بدأ القلق ينهال على رأسي كضرب النواقيس؛ حنين لا يوصف بكلمات لوجوه أحبة تركتهم وراء الحدود. وهنا بدأت بعدم الذهاب لليلى؛ كنت أتذرع بحجج واهية كلما كان يأتي علي ويقول: "ليلى تسأل عنك". فأقول له: "حسناً يا أخي، سوف أتفرغ الأسبوع القادم وأذهب"، ولم أنفذ وعدي. وأمي أيضاً تقول: "لا يا ولدي، ماذا تفعل؟ البنت تنتظر وهي تحبك فلا تكسر قلبها". غدوت في حيرة من أمري. وفي يوم من الأيام بينما كنت مستيقظاً صباحاً، سمعت طرقاً خفيفاً على الباب. نهضت وفتحت الباب وفوجئت بأبيها وخالها وأخيها أحمد. وبعد التحية والضيافة بدأوا بالكلام حول موضوع ليلى، وكلموني بالإسراع بالزواج وعلى أن يجدوا لي عملاً مناسباً في المدينة نفسها التي تسكنها ليلى. أملتهم خيرًا ، وتكلم إبي معهم وأمي أيضًا لكنها حزينة تعرف أنني ستركها قلت بنفسي كيف سأتخذ القرار الكبير برجوع لبلادي أو البقاء في إيران؟ بدأ التفكير بحقيقة الواقع المؤلم والتخلي عن هذه المخلوقة الرقيقة. كيف أبدأ عهداً جديداً على قلبي؟ وكيف أنسى صوتها العذب؟ قلت: "أنساها كأنها حب عابر في الطريق". أريد أن أصرخ بصوت عال: "ليلى، إني ناكر العهد لحبك!". بعد التفكير والصراع الصعب بين القلب والعقل، وأنا أهمس في داخلي: "إنني شبه عاطل عن العمل فكيف لي بالزواج؟ وأزجّ هذه الفتاة الجميلة بمتاهاتي؟". بعد يوم قضيته في صراع مع نفسي، اتخذت قراراً حاسماً هو أن أغادر قلبي وأركّنه على الرفوف وأخبرهم: "إني غير قادر على البقاء فترة طويلة، وإني أقدم خالص الاعتذار والاحترام لليلى وأهلها" ثم قابلت علي خالها وقلت له يصعب علي الذهاب ومقابلتها خجلاً من الموقف. ثم ذهبت لأبيها وخالها وأحمد، قلت: أعتذار منكم لا أقدر بالزواج من لليلى"سوف أرجع إلى بلادي وأرجوكم اقبلوا اعتذاري مرة أخرى". غادروا وهم غير راضين عني، ولم يقبلوا أي اعتذار، والغضب على وجوههم.باشمئزاز للرفض ! ها هو الوطن يأخذني لموتي ويضع حجراً على قلبي! هل يحس المحبون أني كسرت كل هذا الحب بالحنين والرجوع الغريزي باللاوعي للوطن؟ إنها لعبة الحب والحنين، فمن يرسم الأقدار؟ أيتها الجسور المحطمة في قلبي، ها أنا أعيش الخذلان العارم، ها أنا بلا وطن ولا حبيبة أهيم في متاهاتي الشاسعة؛ لا أعرف هل هزمت الحب أم هو الذي هزمني؟ وسوف يجعلني أغرز خنجراً في قلبي، سأمضي إلى الأمام وأخلف ورائي قصة حب مثخنة بالألم. وبعد عدة أيام جاء عليّ وأبوها وذهبت معهم إلى السيد لفسخ العقد وأنا أعتذر كثيراً مما حدث. وراحت الأيام تجري بطيئة وموحشة وأنا مشدود إلى الماضي، والفراق بدأ يدق على أرواحنا، بضراوة وشوق، وصار الحنين زادنا ومتاعنا. بعد المكوث سنين في المنفى، لا نعرف أية أخبار عن أهلنا وإخوتنا، ما دفعنا إلى محاولة الرجوع وترك الأمور تأخذ مجراها. وفي صباح اليوم التالي تحدثت مع أصدقائنا حول العودة، فحذرونا وقالوا: "اترك أباك وأمك وأخاك الصغير يذهبون، وأنت وأخاك الشاب امكثا هنا". وبعد أيام عدة ودعناهم بسلام ورحلوا، وبقينا أنا وأخي مدة من الزمن. وفي ليلة من الليالي كان الجو حاراً وأخي مريضاً ويعاني من الرشح والحرارة المرتفعة، قمت بإحضار ماء بارد كي تنخفض حرارته واقترحت عليه الصعود والنوم على السطح. بعد أن اطمأننت عليه غطيته ونام، أما أنا فبقيت في فراشي مستلقياً بعض الوقت أنظر للقمر والنجوم في السماء ونسيم ذلك الصيف غير المنقطع وروحي ساكنة وحيدة بدأت تطوف وحدها، وأنا مستغرق في نظري العميق للنجوم سمعت صوتاً ووشوشة كصوت الريح أو البرق المضيء؛ أفزعني وقررت النزول إلى غرفتنا، وهنا حدث شيء عجيب. في باب السطح، رأيت امرأة كبيرة في السن وهي ترتدي ثوباً أبيض قصيراً فيه وردة صغيرة مائلة إلى الزرقة، وشعرها كان أشيب يتطاير في الهواء، وبشرتها شديدة البياض، بفم عريض وعينين غائرتين. لحظتها أيقنت أن الموتى قاموا من قبورهم وهذه أشباحهم تتجول في الليل. جاهدت أن أكون قوياً وأكف عن الخوف والارتجاف دون طائل، وضاقت أنفاسي وأصابني شيء من الوهن والعجز. ما هذه الاضطرابات المخزونة في داخلي؟ لأنهض وأتأكد مما أراه لكني عجزت عن الوقوف على قدمي. ورحت أتساءل بقلق: "هل هي خيوط من الضوء أم أوهام وهلاوس بسبب حرارة الجو أو شيء آخر؟". قلت لنفسي: "لكن الذي رأيته لا يمكن أن يكون وهماً ولا حلماً أو كابوساً"، كنت لحظتها في أشد حالات الصحو. نهضت مرة أخرى وإذا هي كما رأيتها؛ شبح مرعب لامرأة بيضاء كالثلج. خطوت خطوة أخرى لأتأكد، تقدمت هي بغضب وكانت تندفع نحوي برعب. رجعت بعجالة إلى فراشي وأيقنت أنها من أشباح الموتى التي تطوف أرواحهم في كل مكان، فاندهشت لذلك؛ فالجو ليس واقعياً كأنه حلم، فلا صوت ولا حركة، شيء غريب كأني في هلوسة من أمري. وهنا استعنت ببعض الآيات القرآنية التي نجحت في استعادتها من الذاكرة، بينما المرأة البيضاء بعينيها المفقوءتين تقف في مكانها. كانت تتحرك نحوي ببطء كلما أبديت حركة في النهوض، وعدت محاولاً إغماض عيني لكن دون جدوى، بينما أخي غارق في نومه لا يعرف أي شيء مما يحدث، حتى أدركني الصباح. حاولت إقناع نفسي أن ما مررت به كان مجرد حلم لا أكثر؛ إذ بعد بزوغ الفجر عند الأذان، بدأت المرأة بالتلاشي تدريجياً كما لو كانت طيفاً في حلم يقظة،. ومع أول ضوء للشمس هرعت مسرعاً إلى إيقاظ أخي ونزلنا معاً فيما لم أنم دقيقة واحدة. خرجت في الصباح الباكر والتقيت مع الجيران وسردت عليهم القصة، وكما توقعت، لم يستغرب أحد منهم. قال أحدهم وهو رجل كبير السن: "نعم، إن ما يتردد عن هذا المنزل صحيح؛ فالذي يسكنه هو طيف امرأة تنتقم من كل من يقترب من هذا البيت". وكان أخي يسكن بقرب هذا البيت وقد حدث شيء غريب لابنته الصغيرة وتوفاها الأجل بسبب تلك المرأة، ومن يومها ترك أخي داره وسكن بعيداً بمسافة عن البيت. ثم قال: "سوف أنادي أخي يسرد القصة الكاملة إليك بدقة". وبعد دقائق تقريباً جاء أخيه، بعد التحية والسلام بدء يتحدث بما جرى له من هذه الدار المشؤومة. وقف برهةً أمام البيت وتنهد بالم، نظر في عيني وقال: "اسمع يا أخي، في أيام الحرب العراقية الإيرانية كانت هذه المرأة ، تسكن هذا البيت، وأثناء القصف الكثيف سقط صاروخ ،على البيت وقتل جميع عائلتها . لم يبق أحد، فقط روح هذه المرأة تطوف في الدار والناس تعرف هذه الحكاية ولم يقترب أحد من هذه الدار إلا أنت، .نازح من الحرب،لا تعرف بذلك، وأنا من خلال تواجدي قرب البيت كنت أرى المرأة تمشي وتقفز في وقت الغروب على أطراف السور. دخل الخوف بي، وأنا أكتم ولا أخبر أحداً خوف أن يفزعوا. وفي يوم كانت ابنتي الصغيرة تلعب بقرب الدار في المساء عند غروب الشمس، رأت المرأة بشكلها المرعب ومن خوفها صرخت بوجهها فهجمت عليها واستفزتها وأسقطتها على الأرض، ومن حينها لم تصحُ ابنتي؛لا اعرف ما اصبها ظلت ممددة مشلولة لا تتكلم، ولم اجد أي علاج يشفيها". ثم حدثت لي أشياء غريبة في بيتي؛ في إحدى الليالي الحالكة، بعد أن خمدت ضجة النهار وساد الصمت أرجاء الدار، لمحتُ ضوءاً شاحباً ينبثق من وجهها الصغير. كان التعب والنعاس قد أطبقا على عينيّ لكنني كنت أراقب بتوجسٍ حذرٍ ذلك الضوء الخاطف. تتبعتُ الضوء الذي راح يتشظى ويسيل على درجات السلم القديم. هبَّت ريحٌ عاتيةٌ من داخل الممر، وبحذرٍ أكبر درجتُ على أطراف أصابعي؛ كنت حافياً وخائفاً أتلفّت نحو السلم الذي غمره الغبار. رأيتُ آثار أقدامٍ صغيرةٍ كما لو أنها تعدو صاعدة وأقداماً أخرى نازلة. تتبعتُ أثر تلك البصمات النازلة التي انعطفت نحو الغرفة، ولما بلغتُ سريرها كان وجهها الملائكي الصغير يبعث بضوءٍ غامر. كيف انطبعت تلك الأقدام الصغيرة على درجات السلم وهي التي لا تقوى على الحركة؟ هذا التساؤل المربك كان يمزقني كل ليلة. صوت أنينها الموجع كان يتردد صداه عبر باحة الدار، كانت تصرخ وتهذي بصوت طفلةٍ صغيرةٍ فيما التشنجات تعصف بكل جسدها النحيل وتصكّ على أسنانها حتى يخرج الزبد من فمها. همستُ في دخيلتي بوجعٍ، بينما همست أمها أيضاً بصوتٍ مرتعشٍ متهدجٍ من فرط الخوف والأمل: "إنها ملاكنا، شافِها يا الله أتوسل إليك". وراحت تقرأ بضع آياتٍ من القرآن فيما يلفنا صمتٌ عميقٌ مؤلمٌ لا يقطعه إلا همسات أمها التي لا تني تبسمل وتعيد الآيات على رأس ابنتها؛ كل آيةٍ تحمل معها رجاءً يائساً. ظلت الأم مستيقظة طوال الليل، عيناها شبه مغلقتين من الإرهاق وهي تنحني عليها وتمسد على راس صغيرتها، ودموعُها الحارقةٌ كانت تنساب من مقلتيها ترسم مسارات الحزن على خديها. وفجأةً انتفضت الأم، وانطلقت منها صرخةٌ مدويةٌ محشرجةٌ كأنها تخرج من أعماق روحها: "لِمَ لا تفعل شيئاً يا رجل لهذه المسكينة؟ تراني أموت كل ليلةٍ معها وأنت تتفرج! هل تنتظر حتى تتخلص منها؟". كنت مضطجعاً، لم أكن نائماً بل مستلقياً بين النعاس والغفوة أفكر وأقلّب أمري خائفاً بقلبٍ منقبضٍ، شعرت بالعجز يلتف حولي كخيوط العنكبوت يخنقني. بغتةً نهضتُ وصرختُ بصوتٍ عصبيٍ محاولاً طرد شبح اليأس: "ما هذا الذي تقولينه يا امرأة؟ إنها ابنتي! وأنت تعرفين لم نترك مستشفى او دكتور الا وذهبنا اليه كم سنه صار حسناً، حسناً، غداً سوف أستدعي كل العرافين ليروها ويعرفوا علّتها، لم يعد لدينا ما نخسره، حتى لو كان آخر أمل، حتى لو كان ثمنه روحي". في اليوم التالي، عدتُ إلى البيت القديم المتواضع بصحبة رجلٍ كبيرٍ قد جاوز الخمسين من عمره، يرتدي كوفيةً خضراء، تتدلى بين سلاميات أصابعه الطويلة مسبحةٌ سوداء موشاةٌ بالفضة. كانت نظراته مليئةً بالادعاء، كنت أرى في عينيه مزيجاً من الدهاء والوعود الكاذبة، لكن اليأس وكلام زوجتي أعمى بصيرتي. ناديتُ على زوجتي: "تعالي سلّمي على السيد صدقيان الروحاني". هرعت مسرعةً ألقت التحية بخجلٍ شديدٍ ثمّ قبّلت يد السيد، مرتبكةً مليئةً بالأمل الذي تشبثت به كالغريق. قال السيد بنبرةٍ واثقةٍ: "هيا احضري البنت لأراها". ما أسرع أن هرولت الأم لتحضر صغيرتها، نظر إليها السيد وقال بلهجةٍ خبيرٍ: "ما بها هذه الصغيرة؟". قالت الأم وصوتها يرتجف: "سيدنا، هذه حالتها منذ ان رأت الجنية انصدمت وأصبحت جثةً هامدةً تنظر بعينيها فقط؛ لا تحرك جسدها ولا تعرف أحداً، لا تتكلم. لكن عندما ترى الضوء في المساء قادم أليها تبدأ بالصراخ كأنها تسمع شيئاً أو ترى شيئاً يخيفها، ثم تزوغ عيونها وتضحك بداخلها بصوت شخصٍ غريبٍ. لا أعرف كيف أتعامل معها، فلم أترك مقاماً للصالحين إلا وذهبت إليه". أطرق السيد هنيهةً ثم رفع رأسه ببطءٍ وقال بجديةٍ مصطنعةٍ بلكنة فارسية: "لا تقلقي، غداً سوف أجلب لها حرزاً يشفيها لأُخرج الجنّ منها بعون الله. أنتِ جهّزي لي غداءً جيداً مع خمس بيضات بط ودجاجتين سوداوين وثلاث بعرات جمل ونذراً للخدم خمسين تومان، وسوف أحضر الجنّ عندي في هذه الليلة وأعرف منهم علاجها". تلك الكلمات كانت كبلسمٍ على جروح الأم، في اليوم التالي ذهبتُ إلى السوق وابتعت السجادة الفارسية الوحيدة لدينا، كنزنا الأخير، لأتمكن من أحضار الغداء وكلّ طلبات السيد والنذر. لم يكن لدي خيار فالأمل كاد أن يموت في صدري، كل تومان أنفقه كان خنجراً يطعن قلبي لكن بصيص الأمل كان يغلب الألم. جاء السيد قبل صلاة الظهر وقبل أن يجلس قال بنبرةٍ دراميةٍ: "ابنتكم مضرورةٌ، متلبّسٌ بها الجنّ الأحمر، لقد أخبرني التابعون عنها ليلة أمس، سوف أطرده منها بعون الله، هيا احضريها الآن". حين جاءت بها الأم، أسجتها على حصيرةٍ متآكلة الحواف. اقترب السيد من رأس الطفلة ووضع البيض قرب رأسها بتساوٍ وحرق بعرات الجمل في وعاءٍ نحاسيٍ صغيرٍ، ثمّ ذبح الدجاجتين وسكب الدم في الوعاء. راح يدور حول رأسها فيما الدخان استوطن في كلّ زاويةٍ من البيت مع الرائحة النتنة التي فاحت في المكان؛ كانت الرائحة تزكم الأنوف تذكرني بروائح الموتى في المقابر القديمة، ورغم ذلك كنت أقاوم غريزة الرفض. كان السيد في دورانه حول الصغيرة يتمتم بكلماتٍ مبهمةٍ لا يفهمها أحد، وفي الوقت ذاته يُخرج أعشاباً ملونةً يخلطها بالبعرة والدم ثمّ يدهن جسد الطفلة ويكرر صرخاته المدوية: "اخرج من جسدها الآن أيها الخبيث! باسم الله الأعظم اخرج، لن تبقى هنا دقيقةً واحدةً!". وضع حرزاً ملفوفاً بخرقة قماشٍ خضراء علّقه بدبوسٍ على صدرها وقال: "لا تغسليها اليوم، وهذا الحرز الثاني ضعيه تحت وسادتها، بهذا ستشفى ابنتكم بإذن الله". فرحت الأم فرحاً عارماً والتمعت عيناها ببريق الأمل وهي تحلم بأن ابنتها ستشفى. بدأ الرجل منشغلاً بالتهام الطعام بشراهةٍ، أكل حتى شبع وأنقدته الأم مبلغ النذر وهي تشكره بقلبٍ مفعمٍ بالامتنان. كانت عيناها تراقبان السيد بشغفٍ لا ترى فيه سوى المنقذ الموعود، بينما كانت نفسي تتمزق بين الرجاء والخوف من خيبة أملٍ جديدةٍ. بعد مرور أيام مرضت الأم،ولزمت الفراش فيما خرجتُ فجراً إلى عملي والأولاد إلى مدارسهم. كانت الصغيرة نائمةً على سطح الدار وتركت لوقتٍ متأخرٍ لساعات الظهر ممددةً بجسدها الرقيق تحت أشعة شمس تموز اللاهبة. ولأنها لا تقوى على الحركة ولم تشرب الماء أو تتناول طعاماً، تذكرتها أختها الكبيرة، صرخت وهي تركض نحو السطح. حين اقتربت منها وجدتها في رمقها الأخير، أنفاسها كانت خافتةً كوشوشة الريح. أنزلتها وقامت بغسل وجهها ووضعتها على الحصيرة، بينما راحت الصغيرة تشهق وتتلصص بعيونها تبحث عن أمّها، أمها المريضة، التي لا تقوى على الوقف وبدات البنت ترتجف وتصطكّ أسنانها وعيونها تسائل تبحث عن خلاصٍ لم يأتِ أبداً. في تلك اللحظة شعرت ببرودة الموت يتسلل إلى جسدها الصغير كأنها تحاول أن تخبرنا شيئاً أخيراً قبل أن يغادرها النور، ثم لفظت أنفاسها الأخيرة ونظرت إلى السماء كما لو أنّ الملائكة أخذوها إلى مكانها الأبدي. وبعد سماعي هذه القصة، شكرتهم على التوضيح وقلت: "لن أبقى في هذه الدار المنحوسة وقررت العودة في اليوم نفسه بعد الإحباط الذي أصابنا من الأخبار التي تؤكد عدم سقوط الطاغية. وعدنا في المساء مع استغراب أخي من الموقف، أخي الذي أخذته بسرعة وهو لا يعرف عن الموضوع أي شيء. دخلنا إلى الحدود وكان بالنسبة لي أن أدفع حياتي ثمناً لهذا؛ كان الخوف يقرع بضجيج هائل في قلوبنا خوفاً من أن يعتقلنا النظام. بعد دخولنا المدينة نظرت بذهول وقلت: "هل عدتُ حقّاً إلى وطني؟". بعد رؤيتي مدينتي تذكَّرتُ عائلتي التي تركتها، كيف اجتزتُ من العمر أعواماً من الحنين للوطن؟ وطنٌ نراه في بطاقات السفر، نراه في الوجوه المُتعَبة للمهاجرين، وطنٌ تخلّى عنّا لكنّه يبقى الرحم الأول، نعود إليه كما نعود إلى حضن أمهاتنا. تلك الطيبة التي ترسم تقاسيمها في الوجوه التي تركتها منذ زمن بعيد، كم تمنّيتُ أن أراها وأنا في الغربة؛ أن أجلس تحت ظلال نخلة وارفة أو أتسلّق جذعها السامق وسعفها الذي يناطح السماء. حين رجعتُ كنتُ أذوب شغفاً وحنيناً إلى مدينتي وذكرياتها التي كنتُ أحلم بها، واعتقدتُ أنّني سأراها بأبهى حلّتها لكن... آه! رأيتُ مدينتي التي أحببتُها قد استحالت إلى خرائب؛ المعالم التي تركتُها غمرها الإهمال وأصبحت أطلالاً، حتى الوجوه -وجوه الناس- كانت مُرهَقة ويعلوها الغبار. بعد العودة أيقنتُ مدى الخراب الذي استوطن روحي، ثم أدخلتُ نفسي وأرغمتُها لمرافقتي في رحلة لمدينتي وأنا أنظر إليها بعمق وكيف دبّ الخراب فيها. كنتُ أتساءل وأنا أحتضن الصباح وأمشي، كان نهاري طويلاً وجميلاً وأنا أسير بجانب الشارع الفرعي للسوق القديم ونفسي مثقّلة بالذكريات. لا شيء غير المكان والزمان، حتى لو انفصلا عن بعضهما فسيبقى عبق المكان الأصيل وتاريخه الذي لن يُنسى؛ حيث يستمرّ التغيير في معالم الأرض بينما الحقيقة وجمال المكان المفقود والزمان العائد إلى الذاكرة يستمرّان. بدت السماء ثقيلة ومنخفضة، الغيوم تكاد تلامس محلات الصفيح المتهالك. بعد أن توقف المطر، أطلت الشمس خجولة من وراء غيمة رمادية داكنة. كانت الساعة تقارب العاشرة صباحًا. مشيت بحذر خوفًا من الانزلاق، وعند سيري بمحاذاة الأبنية القديمة ذات الأعمدة العالية، كنت أحتمي من رذاذ المطر الذي يتساقط على هامتي. حينها وجدت نفسي وسط السوق، اصطدمت قدمي بركام من النفايات وفاحت روائح كريهة تخنق. أغلقت أنفي بمنديل، في محاولة للابتعاد عن المكان.نظرت بنظرة خاطفة، لمحت فتاة تختبئ وراء عمود البناء، وجهها البريء يحمل تعابير واضحة بوجنتين، محمرتين وعينيها تدمعان خجلاً من العوز، كانت الفتاة بضفائرها الشعثاء المتدلية على كتفيها، وثيابها البالية، وهمومها المحفورة على وجهها الطفولي. هذا المشهد حفزني أن أنظر مرة أخرى،على الجانب الثاني فرأيت امرأة عجوزً تحمل بيديها أكياسًا، كانت تبحث عن بقايا الخضروات والفواكه المرمية في القمامة. تمعّنت في وجهها ثم إعدت النظر نحو الفتاة التي تتلصص من خلف العمود. نظرت طويلاً، فلم أستطع إمساك دموعي التي سالت على خديي دون شعور. طفقت أضغط بأصابع يدي وأتأمل الفتاة والعجوز. تفاجأت حينما خرج طفل صغير من خلف القمامة يمسك بيده تفاحة كانت مرمية في أكوام الفاكهة التالفة، ابتسم ببراءته المعهودة لدى الأطفال. أعتصر قلبي ألمًا من هذا المشهد وأنا أراقب الطفل والباعة الذين يبيعون قرب القمامة، ونظرت لهم بشيء من الاشمئزاز لعدم مساعدة العجوز والطفل. أخرجت علبة سجائر، وحين أردت إشعال سيجارة ووضعها في فمي، تطاير رذاذ المطر وكبح رغبتي. ازداد المطر هطولًا، ما دعاني إلى الانزواء تحت سقف البناء القديم لاوقد سيجارتي مرة أخرى ، بدات انفث الدخان كما لو أني أريد أن أتقيأ أو الفظ آخر أنفاسي. بعد أن رميت عقب سيجارتي، خطوت بضع خطوات باتجاه المرأة، وفي دخيلتي حزن لا يوصف. ضربت الأرض بقدمي قلت ممتعضًا: "ماذا تفعلين؟" نظرت إلي ولم تجب، بل ظلت ساكنة ويداها المتسختان ترتعشان. كانت تطأطئ رأسها خجلًا، ودموعها عصية في عينيها الغائرتين. وبصوت خافت وكلمات مرتعشة يغلفها حزن عميق، همست بكلمات غير واضحة، فيما راحت تلملم أكياسها المتناثرة. حين انحنت على كيسها الأخير، مددت يدي وأمسكتها من معصمها وقلت: "انهضي أرجوكِ." ثم أخذت الأكياس ورميتها، وأدخلتها السوق هي وطفلها، بينما الفتاة لا تزال تتلصص من خلف العمود.؟ بدأت خطواتي الحزينة تتباطأ وأنا أبحث عن مكان ذكريات الصبا في هذا المكان كأنّ شيئاً يجذبني. وأتساءل مع نفسي: هل الماضي يموت مثلنا ويُدفَن؟ رأيتُ كيف الشوارع تنسى أسماءها وتضيع الخطوات دروبها. ربما اعتقدتُ أنّها تغيّرت بعد غيابي عنها. جلستُ وحدي في مقهى صغير شبه مهجور على مقعد خشبي، نادل المقهى أحضر لي قدحاً من الشاي وأنا أتذكّر الأمكنة وثرثرة الناس في المقهى، وزخّات المطر الناعمة تتساقط على هياكل الشناشيل القديمة. أخذتُ أشمّ رائحة الصندل العتيق بنَفَسٍ عميق كي أُرجعَ العقل إلى الذكريات القديمة، بينما الوعي والإدراك كانا يرحلان بعيداً. تذكّرتُ طفولتي؛ الآن يُخيّل لي أنّني أرى زمناً قرمزياً. نظرتُ إلى نافذة الذكريات فتفطّر قلبي ألماً وحزناً، وسقطت دموع اليأس والأسف فارتفع الصدى داخل روحي: "ماذا فعلتُ؟". وبدأتُ أبحث عن وجهي الحقيقي. أيّ فتى لا يذكر أيّام الصبا بحلاوتها ومرارتها وانفعالاتها اللذيذة؟ كانت هدى تسكن في نفس الزقاق، تطلّ من شبّاك غرفتها الذي يطلّ جزء قليل منه على المقهى، هي تنظر لي خلسة من النافذة وأراها فيتدفّق خفقان قلبي بنظرتها لي، ثم ترفع رأسها وتنظر نحوي حينها سمعتُ الحبّ يهمس بقلبي بعلاقة عاطفية. دخلت هدى قلبي وأنا بربيع حياتي، تطوّر الحبّ وأخذ منحى آخر بيننا، كانت إنسانة حرّة تحبّ الحياة نقية السريرة. أحببتُها كثيراً، وعدتها بالزواج وأشياء أخرى جميلة تركت بصمة كبيرة بقلبي، وأصبح العشق بتواصل ووثقت بي، وبدأنا نلتقي منفردين بالسرّ في مكانٍ خاص، وزحف شيء في جسدي واستباحت شهوتي جسدها. وبعد إشباع رغباتي تركتها، فاستباحتها الرياح والذئاب أخذت تنهش جسدها، وتركتُ طريق الوفاء والحبّ. لم أكن عاطفياً حينها، رميت ما تبقّى في القلب خلفي ولم ألتفت. الآن لم يكفِ رحيلي بدفن الماضي وظهور شبحي النائم؛ هنا تكمن الحقيقة لنعرف كم من الأخطاء ارتكبنا لنبدأ الإصلاح بأنفسنا عندما ينضج المرء، ليس من السهل أن يعود لماضيه وطفولته. وفي هذه اللحظة، نظرتُ أمامي إلى ( فتى صغير ) وهو يرمقني بنظرة خاطفة كأنّه يريد أن يضربني. أخذتُ أصرخ بوجهه: "هيا اذهب من هنا! لماذا تنظر إليَّ هكذا؟". ردّ نادل المقهى: "ما بك أيّها الرجل المحترم؟". قلتُ: "انظر إلى هذا الفتى الشقي، يريد أن يضربني بالحجر ويشتمني!". صمت النادل وهو يرمقني بنظرة استغراب وحيرة وأخذ يهز رأسه ويصفق بيديه مبتسماً. أشعلتُ سيجارتي وبدأتُ أُدخّن وأتمعّن في المكان. عاد الفتى مرّة أخرى وهو يمسك حجراً بيديه فضربني! نهضتُ غاضباً عابساً ومن دون شعور ركضتُ خلفه، دخل في زقاق ضيّق. نظرتُ إليه يدخل في بيت من الشناشيل القديمة، حين وصلتُ إلى الدار رأيتُ الباب مفتوحاً، لم أتمالك نفسي دخلتُ عنوة إلى البيت. بدأ الفتى يصرخ وينادي أباه. خرج رجل كبير يعتمر كوفية بيضاء يكسو الشيب لحيته، تكلّم الرجل بوقار وهو ينظر لي: "ما هذا؟ كيف تهاجم فتى صغيراً؟". نظرتُ بتمعّن إليه، قال لي: "لماذا أنت مندهش؟ لماذا تطارد الصغير؟ ماذا فعل بك؟". "لقد شتمني وضربني بالحجارة، إنّه ولد وقح ومشاكس، سامحني إن كنتُ أسأتُ يا سيدي ودخلتُ البيت بدون استئذان".وبينما أنا أتحدّث مع الرجل، وبكلّ ألم تهبط الأمّ في باحة البيت، تقف بقوامها الفارع وثيابها السود. لم تجب، ظلّت ساكتة وهي ترتعش، كانت المرأة شاحبة يائسة حزينة، ثمّ تفاجئني بصوت قاسٍ متَحشْرِج وهي تنظر لي: "ماذا تفعل هنا أيّها الولد الأحمق؟ ألم تُدرِك فعلتك الشنيعة؟ كيف مضيتَ وحيداً مع غربتك وضياعك في الحياة؟ اخرج، فأنت خرجتَ من حياتنا منذ زمن بعيد!". كان كلامها موجهاً لي بغضب شديد، وتشنّجت أصابعها وعروق رقبتها وهي ترتجف وتتصبب عرقاً. حاولتُ أن أتكلّم وأشرح لها لكنّ صوتي اختنق وترقرقت الدموع في عيني. خرجتُ خجلاً مطأطئ الرأس وأنا أحسّ بالألم والحسرة وصرتُ أشدّ حزناً من ذي قبل. قام الرجل الكبير برفقتي أنا والفتى: "اعذرها يا ولدي، فابنها في المنفى لم يزرها من سنين طويلة وهي غاضبة عليه، أرادت أن تراه قبل موتها ولكنه نسيها ونسي وطنه". وأخذتُ أحدّثه عن حلم العودة للوطن وكيف كان قلبي محاصراً كطائر في قفص هناك في بلاد الغربة؛ كان يسكن جسدي لكنّ روحي تُحلّق بذكرياتها لوطني. عشتُ سنين أجلس على عتبات الشحاذين، تعبتُ من السفر والغربة والعمر أخذ يتبخّر. كنتُ أتمنّى أن يتّسع الكلام أكثر للحديث. ثمّ حدّثني ونحن نسير في السوق: "هل تعرف هذا السوق؟ كان مزدحماً بالناس المتسوّقين". في هذه الأثناء جاءني متسوّل يطلب العون منّي فنفرتُ بوجهه بصوت مرتفع: "اذهب! الله يعطيك!". رحل المسكين، ونظرتُ إلى الرجل الذي يرافقني يحدّق في عيني بنظرات غريبة وقال: "يا ولدي، إنّ الكرم شجاعة لا توصف ولم يلبسها المتبجّح". ثم أضاف: "إنّ النفس العليا في الإنسان وغرائزها وحبّها لاكتناز الأموال شعور عميق غير متناهٍ، وأنّ الغنيّ البخيل يجمع المال ويكنزه لغيره فحسب، فإياك يا ولدي احذر البخل واقتله بداخلك. انظر، هذا الخان للحجي حسين العطار، التاجر الذي كثرت الأقاويل عنه بمساعدة الناس المتعفّفين بالمال والمواقف الحسنة، وهذه هي الشجاعة والعطاء والكرم يا ولدي. ثمّ هذه المكتبة تعود إلى شبيل بائع الكتب والمجلّات ويرتادها المثقّفون والكُتّاب". وأخذ يذكّرني بكل معالم المكان وقال لي: "يا بني، أنا سأذهب إلى البيت وخذ الفتى الذي سيدلّك على كلّ شيء في مخيلتك". فانحنيتُ شاكراً كما يجب على الابن احترام أبيه، كم تمنيتُ أن يطول الوقت معه. وذهبنا أنا والفتى نتجوّل في السوق وهو يشرح لي أشياء يتراءى لي أنّي أعرفها منذ زمان بعيد كأنّي مررتُ بها من قبل. حدّثني الفتى عن أبيه، قال: "إنّ أبي مثقل بالمتاعب ويصارع الحياة لكسب الرغيف أينما وجد، إنّه رجل عصامي وطيّب القلب". ومشينا كثيراً حتى وصلنا إلى سقيفة السوق العالية المتهالكة، نادى عليه صديقه وكان يريد اللعب، قال الفتى: "سوف أذهب أنا وصديقي فوق السقيفة". وأنا أنظر إليهما وهما يتمازحان فوقها، ناديتُ عليهما خوفاً من أن يسقط أحدهما فلم يسمعا، أخذا يتمازحان أكثر بينهما. بعد لحظات تحوّل المشهد؛الى شجار بينهما فقام الفتى بدفعه وأسقطه من فوق السقيفة! لم يكن يدرك ماذا فعل، تجمّع الناس وحاولوا إنقاذه لكنه نُقل إلى المشفى واتُّهم الفتى بدفع صديقه، وأنكر الولد أنّه دفعه قال: "كنا نلعب وتعثّر وسقط". وسألته: "لماذا قمتَ بدفع صديقك؟ الآن أنت أصبحت مخادعاً وكذاباً وأنت صغير". لم يبالِ بكلامي وأخذ يمازحني. قلتُ: "أنت لم تعترف بدفع صديقك وكسر ساقه وأصبح معاق !". "أنا لم أقصد ذلك، وهو الذي تعثّر وسقط". "أنا رأيتك، لا تكذب أيها الولد". ثمّ ابتسم لي وقال: "سوف تعرف من أنا.. هذه لعبة الحياة". "إذًا لماذا حاولتَ أن تضربني؟". قال مندهشاً: "ألم تعرف أنّك سرقتني؟". "وكيف سرقتُك وأنا لا أعرفك؟". "أنت سرقتَ حياتي كلها!". ابتسم مرّة أخرى باستخفاف وقال: "تمعّن بي أكثر.. من أنا؟". نظرتُ بوجهه فرئيته يشبهني، ندُهِشتُ من هذه الصورة المُرعِبة لهذا الولد! إنّني تركت هذا المشاكس طوال سنين العمر وقد مات منذ زمن بداخلي، أنا لا أعرفه وأريد نسيانه للأبد، وهذه الحكاية قد طويتها منذ زمن بعيد . هربتُ منه مسرعاً قَلِقاً ورجعتُ إلى المقهى نفسه، جلستُ وأنا أرتجف وأتلفّت يميناً ويساراً، وناديتُ نادل المقهى: "إنّي آسف، قد رحلتُ ولم أُسدِّد لك ثمن الشاي". ابتسم لي مرةً أخرى وقال: "ما بك مشوّش الفكر أيها المحترم؟ أنت لم تبرح مكانك منذ ساعة تقريباً، تحدّق في الشناشيل وتسرح بعيداً!". نفضتُ رأسي ودعكتُ عيني عدة مرات. ما هذا؟ هل كنتُ أهلوس؟ هل هذا شبح الماضي يلاحقني؟ هذا الفتى الملعون الذي يشبهني منذ كنت صبياً! تساءلتُ: "يا الله، ماذا حلّ بالذاكرة؟ هل هرمتُ؟". عندئذٍ انتبهتُ وعدتُ إلى رُشدي ونهضتُ مهموماً مهزوماً من ذلك الفتى، ثم تتابعت الذكريات وأخذتُ أجرّ أذيال الخيبة وتناقضاتها. ذهبتُ أسير في الشارع أتخبّط بأحزاني وذكريات الماضي حتى وصلتُ إلى صديقي الخيّاط، جلستُ في المحلّ وبدأنا نتحدّث، عن الوطن والمجتمع وأصدقائنا سألت كيف حال احمد الخياط الجميل والمرح جدأ ، أجابني بحزن شديد وقال مسكين أصابه حادث غير حياته كلها ، ماذا أصابها تفجير في مقهى تشوه وجهه الجميل وهو الان في البيت، معتكف لا يخرج منطوي على نفسه ، ثم حدثني أنني ذهبتُ لزيارته، بعدما اتصلت بي والدته وصوتها يرتجف وهي تحدّثني أنت صديقه حاول ان تجد طريقة لتخرجه من أزمته النفسية الحادة وتخرجه خارج البيت. حين ولجتُ الغرفة استقبلني بصمتٌ عميقٌ سيطر على الأركان المكان بظلامٌ دامسٌ لا يكسره شيء. كان يجلس ، حبيس الغرفة في الزوايا يغرق وحيداً بصحبة أثاثٍ قديم متهالك. على الجدار كانت تعلو مرآةٌ طويلة صدئة غارقة هي الأخرى في العتمة لا تعكس إلا ظلاً طويلاً باهتًا. بعد السلام والتحية نهض من سريره الذي راح يترنّح ويئنّ تحته أنيناً موجعاً. سلّم عليّ ببرودٍ غريب وقال: بفعل الآمر أجلس وهو ملثم الوجه.. ثم اتجهت خطواته الثقيلة نحو المرآة وأشعل بقايا شمعة وضعها قربها؛ أزال اللثام فانفجرت بضوءٍ شاحبٍ ذابل رسمت ملامح وجهٍ طويل تتخلله تجاعيد غائرة وتشوّهات واضحة. نظر إلى وجهه في المرآة فأصابه دوارٌ مفاجئ ودارت في رأسه دوّامات من الألم. اضمحلت ابتسامته واغرورقت عيناه بالدموع ، وراح يتخبط تخبُّط المخمور مما أثار في نفسه شكوكاً عميقة. حرك كفّه اليمنى ليمسح تلك البقع السوداء التي تلطخ سطح المرآة لكنه اكتشف بصدمةٍ مروعة أن تلك التشوّهات لم تكن إلا انعكاساً لوجهه الحقيقي. كنتُ أنظر إليه بصمتٍ يمزقني الاماً فقلتُ: يا أحمد تعال واجلس أرجوك.. نظر إليّ بعينين تائهتين وقال: قل لي الحقيقة.. هل أنا حقاً مشوّه؟ هل ذهب وجهي الجميل .. راحت أصابعه تتحسس البثور والندوب الغائرة وتيقّن في تلك اللحظة أن المرآة لا تكذب. استغرق في تفكيرٍ عميق حول حياته وشكله الجديد ثم تراجع قليلاً حين رآني أقف خلفه أتطلع في المرآة ذاتها. ابتسم بسخريةٍ مريرة وسأل: لِمَ أنت هنا؟ أنت غير مسؤول عني..من جاء بك، هيه أذهب وكان صوته زجر، قلت اهدء يا صديقي، وأخبرني هل هذه التشوّهات التي تعتري وجهك حقيقة أم خيال؟ بدأ يدعك عينيه مراراً كأنه يحاول الاستيقاظ من كابوس. في رأسه وضجيجٌ حاد يتردد صداه بقوة الاستفزاز . ثم أردفتُ محاولاً مواساته: يا أحمد العبرة لا تكمن في جمال الشكل بقدر ما تكمن في نقاء الروح. فكم من وجوهٍ حسناء تخفي خلفها غلاً وحقداً وجشعاً أما أنت فلا تحمل إلا قلباً طيباً وروحاً طاهرة. ولأنك لم تنسَ تلك الليلة المظلمة التي غيّرت مجرى حياتك حين فخخت ’الذئاب السوداء‘ المقهى بالمتفجرات فقتلت وشوهت الأبرياء ثم هربت إلى جحورها.. عليك أن تؤمن أن الروح هي من ستنتصر في النهاية ؟ نظر الى المرآة لكن أمله خاب حين نظر مرتاً أخرى وصرخ بضحكات هستيرية مجلجلة: هذا الوجه القبيح ليس لي! لا يمت لي بصلة! وأي امرأة ستقبل بي بعد الآن أنا أنتهيت ؟ قلت له بحزم: كن قوياً يا صاحبي فكلانا مشوّه بشكلٍ ما. نحن مشوهون بآثار الحروب وبطمع وجشع السياسة. كنا نحلم بموطئ قدمٍ آمن على هذه الأرض التي نسميها وطناً لكننا لم نحصد سوى التشوّهات الغائرة في الجسد والروح. أي مرارة هذه؟ ولكن علينا ألا نيأس.. تمعّن في كلماتي بهدوء ثم همس بصمت واكتفى بإيماءةٍ من يديه بالموافقة رغم أن ابتسامة باهتة بقيت عالقة على وجهه. سألني بنظرةٍ حائرة: أترى هذه الشكوك حقيقية أم هي هلوسة تسكن رأسي؟ أجبته: لا يهم الآن المهم أن نخرج من هذه الغرفة الكئيبة التي تخنقك كأنها قبر. كن شجاعاً لمواجهة الحقيقة هيا لنخرج للحياة ودع المرآة تحكي قصتك أو حطّمها إن استطعت.. بدأت جراحه تتهيّج ووقف وانتفض مضطرباً حين سمع كلماتي. فجأة رفع قبضتيه وانهال بهما على المرآة لتتشظى إلى قطع صغيرة لامعة تلاشت وسط الظلام. لم يجد نفسه بعدها إلا في الطريق بصحبتي اتجهنا نحو حانةٍ قريبة وجلسنا، نطفئ تلك الأفكار والصور المتداخلة في مخيلته. جلس معتدلاً يحاورني بصوت خفيض ثم رفع رأسه من فوق المائدة المستديرة ليسألني شيئاً..وهو ينظر لي بستغراب ، ولكن بدا وكأنه عاد ليهذي من جديد تحت ضوء المصابيح الباهتة تركني وهرب الى سجنه الجديد .. مسكين أحمد ما هذه القصة الحزينة لا بد أن ازوره واطمأن عليه ، طيب يا صديقي العزيز وفيصل ما ذا عنه صمت الخياط وأخرج سيجارته وتنهد وهو يحرك اصبع يديه بغير ارادته وقال تعرف يا اخي جاء الأوباش واعتقلوا من هنا في محل خياطة السالم، المسكين كان أخ وصديق الله يرحمه ، لم يعمل أي شيء، اتُهم من قبل جاره أنه حمل السلاح ضد النظام، وهو بعمره لم يمسك سلاحاً حتى في الجيش كان غير مسلح كون عينه كريمة، وأُعدم ، بدون محاكمة، ذهب شهيداً. وبرئياً؟ ثم تحدثت عن مدينتي التي سادها الإهمال ودُفِنت معالمها، وحلاوة الأيّام الجميلة آلتي فقدت مذاقها. حتى جاء المساء وبدأتُ أحتسي كأساً من الخمر لأُلملِم شتاتي وضياعي في بلدي وفي غربتي. وبدأ صديقي يسألني عن أحوالي وكيف قضيتُ سنين الغربة العجاف، وهو ينظر في وجهي: "ماذا بك يا أخي؟ أراك حزيناً". "نعم، تذكّرتُ والدَيَّ اللذين ماتا ولم أحضر جنازتهما، ورحلا عن الدنيا وأنا خارج البلد، انهزمتُ وتركتُ بلدي وهربتُ من قمع النظام الذي أراد اعتقالي". قال لي الخيّاط: "أنت لستَ هنا". أجبت: "نعم، تحاصرني ذكرياتي أينما رحلتُ". ونحن نحتسي الخمر قلتُ في صدري سرّاً وأردتُ أن أبوح بها الآن: "وسوف أخبرك ، لأزيح هذا الهمّ عنّي". وسردتُ قصّة الفتاة هدى التي أحبتني كثيراً ووعدتها ثم تركتها بعدما أعطتني كل شيء واستباحتها الذئاب من بعدي، "بنظرك هل أنا أسقطتها وتركتها معلقة في الأمل؟ وكيف أُحاكم نفسي بفعلتي هذه؟". ثمّ تطرّقتُ بالحديث عن صديقي فيصل الخياط ، وأجهشتُ بالبكاء. قال صديقي: "لقد تغيّرتَ يا صاحبي بسنين الغربة الطويلة، فالحياة مكانٌ للنسيان وإصلاح للذات". وأضاف: "حاول أن تنسى الماضي وتعيش الحاضر". ابتسمتُ وقلتُ: "انظر إلى هشاشة الوضع، نحن نبكي ماضينا أكثر من حاضرنا، لم يبقَ لنا شيء غير الحديث في الماضي والذكريات. كم تمنّيتُ أن يعود الوطن وطناً كما كنّا، تجمعنا المحبة والصدق والتواضع وحبّ الوطن". وأخذت أتحدث عن الفتن والجشع والأحقاد، عن كذبة اسمها ثورة وقادة الأحزاب الفاشلين، وأنا أنظر إلى هشاشة العملية السياسية وكيف يتاجرون بالوطن. خرجتُ ثملاً أجرّ بأرجلي خيبة الرجوع وقلتُ: "سوف أقضي باقي عمري غريباً في وطني وفي غربتي. أنا الذي حفرتُ خريطة الوطن وشماً على جسدي وبقيتُ الآن بلا وطن، وسأبحث عن وطن حقيقي يؤويني". كانت الشوارع خالية فهمستُ مهموماً: "أيّة أوطان هذه؟ وأيّ سياسيين؟ وأيّة أحزاب؟ وأي حاضر؟ وأي..."
#سالم_الخياط (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اللوحة الأخيرة
-
قصة قصيرة اضطربات مشوهة
-
ملكة الليل
-
قصة قصيرة - مالم تدركه الخفافيش
-
حلم - طائر
-
قصة قصيرة - موت المسافات
-
قصة قصيرة
-
رجوع متأخر
-
دخان
-
رحلة بعمق المتاهة
المزيد.....
-
مهرجان كان السينمائي 2026: عشاق السينما يحجزون أماكنهم على ا
...
-
المجلس الثقافي البريطاني يعلن عن 10 مشاريع إبداعية جديدة ضمن
...
-
رجل متهم بسرقة موسيقى بيونسيه غير المنشورة يُقرّ بالذنب
-
طلاب مصر يدخلون البورصة.. هل تنجح الثقافة المالية بالمدارس؟
...
-
افتتاح الدورة الـ 79 لمهرجان كان السينمائي بحضور نخبة من الن
...
-
نجمة عربية تكشف جنس مولودها بفستان -زهري- في حفل افتتاح مهرج
...
-
هروب أم تهجير؟ حرب الرواية وأحداث النكبة تتكرر في -يانون- با
...
-
“مركز اللغة الفرنسية يوجد في حوض نهر الكونغو” تصريح ماكرون ي
...
-
غواية التشكيل وتجليات الأنثى: قراءة في قصيدة -امرأة... وكفى-
...
-
الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|