أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سعد خير الله - ومضة ضوء :(( من الآيات إلى المأساة: قصة بسنت سليمان وسؤال العدالة الغائب))















المزيد.....

ومضة ضوء :(( من الآيات إلى المأساة: قصة بسنت سليمان وسؤال العدالة الغائب))


محمد سعد خير الله
محمد سعد خيرالله عضو رابطة القلم السويدية

(Mohaemd Saad Khiralla)


الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 04:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


خلال النصف الأول من الشهر الماضي، لم تكن قضية الاهتمام الأولى للمصريين الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، ولا أي شيء آخر، بل كان محور الاهتمام الأول والمتابعة هو المأساة الخاصة بالبلوجر المصرية بسنت سليمان، سيدة الإسكندرية التي قررت أن تنهي حياتها في بث مباشر، حيث قفزت من الدور الثالث عشر من شرفة إحدى بنايات منطقة سموحة الراقية، في واقعة هزّت الرأي العام وأعادت طرح أسئلة قاسية حول منظومة قوانين الأحوال الشخصية في مصر، ودور الدولة والمجتمع والسوشيال ميديا، والضغوط النفسية.

قد يتساءل بعضكم: لماذا تأخر مقالي هذا عنها، وهي التي “استأذنت للانصراف من عالمنا” قبل أسابيع؟
الإجابة ببساطة أنني، كلما أمسكت جهازي اللوحي لأكتب، تعاودني تلك الحالة الجارفة من الغضب التي استولت عليّ منذ لحظة إدراكي لحجم ما تعرّضت له من أسباب ووقائع، ومنهج كامل من الممارسات والتصرفات التي دفعتها دفعًا إلى اتخاذ قرارها بالانتحار، ثم تنفيذه على الهواء مباشرة أمام أعين الملايين، في مشهد لا يمكن فصله عن سياقه الاجتماعي والنفسي.
لم يكن ذلك مجرد فعل فردي عابر، بل تحوّل، بقسوته وعلنيته، إلى شهادة إدانة صريحة تكاد تكون وصمة أبدية، موجّهة إلى الدولة والمجتمع معًا. شهادة كتبتها بقرارها الأخير ووقّعتها أمام الجميع، وكأنها تقول إن التراكم الطويل من الإهمال والتواطؤ وغياب منظومة حماية حقيقية للنساء في مصر هو السبب...وما يجعل هذا الغضب مستمرًا، بل ومتجددًا، أن السبب الجوهري لما أقدمت عليه لا يزال مغيّبًا عمدًا؛ لا يُذكر ولا يُناقش، وكأن هناك اتفاقًا ضمنيًا على دفنه. حالة فاضحة تزكم الأنوف بمجرد الاقتراب منها، وتكشف كيف يمكن للصمت أن يكون شريكًا كاملًا في صناعة المأساة، سواء مجتمعيًا أو نتيجة ضعف التدخل، أو ترك النساء المصريات يواجهن مصيرهن وحدهن حتى النهاية.
لهذا تحديدًا، ومع قدر من الهدوء النسبي الذي حاولت أن أستجمعه، شرعت في كتابة هذا المقال، محاولًا قدر الإمكان الموازنة بين الغضب والطرح، دون أن أفقد وضوح الحقيقة أو حدّة الإدانة، لأن القضية لا تتعلق بحادثة فردية فقط، بل ببنية كاملة من الضغوط والتجاهل والتراكمات التي لا يمكن اختزالها في لحظة سقوط.

في السطور التالية بعض فصول المعاناة، أو ما يمكن اعتباره (عوارض السبب الأصلي، المرض المعلوم الممنوع ذكره)، الذي يبدو أن الاقتراب من جوهره غير مرحّب به، والتي عانتها بسنت مع زوجها ميسور الحال، والذي يعمل مهندسًا في إحدى الدول الخليجية، وهو ابن لواء شرطة توفي منذ فترة وجيزة، بعد أن أذاقها الأمرّين. وله أيضًا شقيق يعمل ضابط شرطة، مما يؤكد حجم ونفوذ الأسرة.

وكما يعلم الجميع، في مصر، بلدي التي يحكمها نظام ذو طابع سلطوي عسكري، يمكن لـ"أمين شرطة" متنفذ أن يحوّل حياة مواطن عادي إلى كتلة من الجحيم، فما بالنا بلواء ومعه مقدم داخل الجهاز الشرطي.

أشارت بسنت سليمان في أكثر من ظهور إعلامي إلى أنها عاشت داخل علاقة زوجية سابقة مليئة بالتوتر والصدامات المستمرة، انعكست بشكل مباشر على استقرارها النفسي. وتحدثت عن تعرضها لضغط شديد وإهانات متكررة من طليقها، وكذلك من والده ووالدته، وسردت سلسلة من الممارسات التي حدثت معها، والتي "للإنصاف لو حدث" جزء بسيط منها في دولة تُطبق القانون، لكان من ارتكبها خلف القضبان.

كما تحدثت عن عدم الالتزام بالإنفاق والالتزامات الخاصة بتربية طفلتيها بعد الانفصال. ومع تراكم هذه الضغوط دون انفراجة حقيقية، وصلت إلى حالة إنهاك شديد انتهت بالمأساة التي هزّت الرأي العام. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: إذا كانت هذه كل العوارض والظواهر التي أتحدث عنها، فما هو المرض إذن، السبب الأصلي؟ حسنًا… سأجيب.

تستند قوانين الأحوال الشخصية في مصر حتى اليوم، والمطبقة على المصريين المسلمين، بشكل أساسي إلى الفقه الحنفي (المذهب الحنفي)، وهو المذهب الرسمي المعتمد في معظم مسائل الأسرة، وذلك وفقًا للقانونين رقم 25 لسنة 1920 ورقم 25 لسنة 1929 وتعديلاتهما. كما اعتمد المشرّع المصري على مبدأ الانتقاء الفقهي (التخيير) في بعض التعديلات، مثل قانون 100 لسنة 1985، فاستعان بآراء من المذاهب السنية الأخرى (المالكي، الشافعي، والحنبلي) في مسائل مثل الطلاق للضرر والنفقات، للخروج من ضيق بعض آراء المذهب الحنفي في هذه القضايا.

وتشهد الساحة منذ فترة ليست بالقليلة حوارات متواصلة حول مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، يُتداول أنه قد يدخل حيّز التنفيذ خلال عام 2026. ويقع المشروع في نحو 355 مادة، ويهدف إلى تحديث المنظومة، مع السعي إلى إرساء قواعد يُقال إنها مبنية على الشريعة الإسلامية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل أنصف الإسلام المرأة؟ وهل أنصفتها الشريعة، المستمدة من الآيات والنصوص و الأحاديث، في تطبيقاتها الفقهية الحالية؟؟

قولا واحدًا ونهائيًا وفاصلًا: لم ينصفها على الإطلاق، تلك هي الحقيقة المؤكدة، خاصة أن جميع الاجتهادات الفقهية التي أُشير إليها، على اختلاف مذاهبها، تظل في النهاية محكومة بإطار مرجعي واحد، تدور داخله ولا تجرؤ على الخروج عنه.

إن ما حدث مع بسنت لم يكن استثناءً، بل نتيجة منطقية لتراكم طويل من اختلالات قانونية واجتماعية ونفسية، جرى تقنينها وشرعنتها وفق مرجعية تُقدَّم بوصفها حاكمة، فتُفرغ المرأة من ذاتها، وتختزل دورها في إشباع الرجل وتلبية رغباته، على حساب روحها وكيانها الإنساني المستقل. وبطبيعة الحال، تُنتج هذه المنظومة الجائرة في النهاية واقعًا تُترك فيه المرأة لمواجهة مصيرها منفردة، بلا حماية كافية، وبلا آليات إنصاف فعّالة.
فأي نقاش جاد حول هذه المأساة لا يمكن أن يتوقف عند حدود التعاطف أو الإدانة، بل يجب أن يمتد إلى مراجعة ضميرية حقيقية للمنظومة بأكملها: قوانينها، مرجعياتها، وآليات تطبيقها، ومدى صلاحيتها في عالم اليوم، عالم ما بعد الحداثة.

لهذا، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: إلى متى سيستمر هذا النمط في إنتاج المآسي؟
وهل هناك إرادة حقيقية لكسر هذه الدائرة، أم أننا سنظل ننتظر الضحية التالية؟ لقد كانت آخر عبارات بسنت سليمان في فيديوها الأخير لمتابعيها (((خدوا بالكم من البنتين))) فلعلّي، بهذا المقال، أكون قد قمت بما يمليه عليّ ضميري، بتناول السبب الأصلي، عسى أن يساهم هذا الطرح في كشف الحقيقة، ولو بقدر، قبل أن تتكرر المأساة من جديد.
تنويه مهم: نُشر هذا المقال اليوم في نسخته الأصلية باللغة الإنجليزية في صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، ويُنشر هنا حصريًا باللغة العربية في «الحوار المتمدن».



#محمد_سعد_خير_الله (هاشتاغ)       Mohaemd_Saad_Khiralla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ومضة ضوء :-السيسي يدعو إلى حلٍ لأزمة مصر… فهل سيستمع؟-
- ومضة ضوء :47 عامًا من السلام غير المكتمل بين مصر وإسرائيل .
- ومضة ضوء :((بنيامين نتنياهو... سانتا كلوز الشرق الأوسط))
- ومضة ضوء: الهجوم الإيراني على دول الخليج: ازدواجية السياسة و ...
- ومضة ضوء :الميثاق المفقود: لماذا يحتاج العالم لحقوق إنسان جد ...
- ومضة ضوء :بين جزيرة إبستين وقصور الخلافة الإسلامية: الجريمة ...
- ومضة ضوء : الهولوكوست والاختبار الإنساني… الشرق الأوسط يسجل ...
- ومضة ضوء :اختطاف سلفانا: اختبار أخلاقي لدولة كاملة
- ومضة ضوء : التحالف العسكري الإسرائيلي الإماراتي ضرورة استيرا ...
- ومضة ضوء :بأمر المرشد علي خامنئي: 7 دولارات إضافية شهريًا يا ...
- ومضة ضوء : ترامب ضد مادورو القوة حين تقرر إنهاء ديكتاتور.
- ومضة ضوء: قراءة هادئة في مسألة ترامب وجماعة الإخوان.
- ومضة ضوء: في سوريا تم استبدال الديكتاتور بإله.
- ومضة ضوء : -لم يكن هناك أبداً دولة باسم فلسطين-
- ومضة ضوء : دولة التلاوة: حين يتحول برنامج تلفزيوني إلى أداة ...
- ومضة ضوء : موريس سيربيكو عصرنا.
- ومضة ضوء :من المنيا إلى جنيف صرخة ضد التهجير المقدس.
- ومضة ضوء : غزة بين الوهم والواقع .
- ومضة ضوء: رسالة إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان: ما أحوج ...
- ومضة ضوء:خطاب محمد سعد خيرالله في ميدان غوستاف أدولفس بالسوي ...


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سعد خير الله - ومضة ضوء :(( من الآيات إلى المأساة: قصة بسنت سليمان وسؤال العدالة الغائب))