محمد بودواهي
الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 22:14
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
عادت اسعار المحروقات في المغرب الى الارتفاع من جديد بزيادة هي الثانية من نوعها خلال ظرف وجيز و بدون مراعاة اية وضعية مهما صعبت مميزاتها . انها زيادة مست البنزين و الغازوال على حد سواء بنسبة كبيرة و لافتة لتعيد الى الواجهة و الى اذهان كل المتتبعين اسئلة قديمة تتجدد باستمرار حول كيفية تشكل الاسعار و حدود تاثير السوق الوطنية بالتقلبات و الطوارئ الخارجية . هذا الارتفاع الذي تزامن مع تجاوز اسعار النفط عالميا عتبة 100 دولار للبرميل لن يمر ذون ان يحذث اثرا عميقا على المستوى الداخلي حيث انعكس بشكل مباشر على سلوك المستهلكين مع توافذ قوي على محطات الوقود قبل دخول الاسعار الجديدة حيز التنفيذ في مشهد يعكس حجم الضغط الذي باتت تمثله كلفة الطاقة على الحياة اليومية لاغلب المواطنين . بالمقابل تحاول الحكومة احتواء هذه التداعيات بشكل كاريكاتوري هزلي لا يرقى الى الجدية المطلوبة عبر اتخاد اجراءات موازية من بينها دعم مهنيي النقل و الابقاء على سعر بعض المواد الاساسية كغاز البوتان غير ان هذه التدخلات تطرح بدورها تساؤلات حول نجاعتها و حدود قدرتها على التخفيف من الاثر الاجتماعي لارتفاع المحروقات . و بين تاثيرات السوق الدولية و اختيارات التجديد الداخلي يتجدد النقاش حول بنية سوق المحروقات بالمغرب و دور الفاعلين فيه و مدى الحاجة الى اليات اكثر فاعلية لضبط الاسعار و حماية القدرة الشرائية .
سنحاول تحليل هذا الوضع من خلال قراءة تطور الاسعار في سياقها الدولي و رصد انعكاساتها على التضخم و القدرة الشرائية و مناقشة توازنات السوق بين منطق التحرير و متطلبات التقنين وصولا الى استشراف الخبرات الممكنة لتعزيز الامن الطاقي و تقليص الهشاشة امام الصدمات الخارجية .
ما نستطيع الجزم فيه هو ان ما كان متوقعا في بلد مثل المغرب لا ينتج البترول و يستورد اكثر من 90 في المائة من حاجياته للطاقة من الخارج حيث سيحصل الارتفاع و هو ما سيضر بالقدرة الشرائية للمواطنين و سيضر كذلك بالاق تصاد الوطني خصوصا اننا خرجنا من سلسلة من الازمات المتتابعة التي اضرت بالوضعية الاجتماعية و التي لم تترمم بالبشكل المطلوب . صحيح ان هناك مجهود من قبل الحكومة التي اتخدت بعض القرارات الايجابية كالزيادة في الاجور لكنها لم تكن تتناسب مع المشاكل الكثيرة التي توالت على الساحة الوطنية كالجفاف و الحرب الروسية الاوكرانية و موجة التضخم غير المسبوقة و اثار وباء كورونا و هي مجموعة من الظروف الصعبة التي تراكمت على الحكومة ...
و انسجاما مع كلام السيد فوزي لقجع وزير الميزانية الذي خرج علينا اليوم ليستعرض علينا ما سماها بالتضحيات التي تقوم بها الحكومة للحفاظ على نفس الاسعار ، سواء اسعار البوطة و الكهرباء و جزء من النقل العمومي و المدرسي حيث الدولة تساهم للتخفيف من الازمة في الخليج و غلق مضيق هرمز ب 600 مليون درهم في الشهر لدعم بوطاغاز و كذلك بمساهمة 400 مليون درهم اضافية لضمان الكهرباء و لكي لا تزداد اسعاره و 640 مليون درهم للنقل العمومي من طاكسيات كبرى و صغرى و حافلات ...اي ما مجموعه مليار و 640 مليون درهم شهريا و هو المبلغ الذي ستصرفه الحكومة كدعم لمواجهة هذه الازمة ( و من جيبها )و لسنا نعرف كم سيستمر هذا الدعم شهرا او شهرين او اكثر حسب ظروف الحرب . ادن بعد مجلس الحكومة الدي انعقد امس الخميس كما هو الحال كل اسبوع خرج عليناىلقجع بتصريح للصحافة ليقول لنا هذا الكلام و بان الحكومة قامت بهكذا مجهود للتخفيف على المواطنين من اثار هذه الازمة .
لنرى اذن هل هذا المجهود كاف او غير كاف ، و لنرى ايضا هل هذا المجهود ستقوم به الحكومة من ميزانيتها و من مالها الخاص ، و هل اخراج مليار و 640 مليون درهم كميزانية و صرفها بطريقة معينة هو كل ما يجب القيام به و بالتالي اعتبار ذلك عملا اجتماعيا و ايجابيا و ذات اثر نفعي و مصلحي استفادت منه طبقات الشعب الفقيرة و المتوسطة ، و هو العمل الذي ستستفيد منه خاصة اننا في سنة انتخابية . ان المسكوت عنه في هذه الارقام التي تم تقديمها لنا هو ان الزيادة التي تمت في المحروقات استفادت منها ايضا الدولة بنسبة معينة بفضل الضرائب التي تفرضها من tva و غيرها و التي تصل الى اكثر من 10 في المائة . بمعنى ان ثمن البنزين لما يكون ب 10 دراهم فان الدولة تاخذ منه درهم واحد ، و لما يبلغ 15 درهم تاخذ منه درهم و 50 سنتيم و هكذا ...و لهذا في اسبانيا مثلا و في دول اخرى تراعي اوضاع طبقات الشعب و حتى الوسطى منها ، و في ظل ارتفاع اثمان المحروقات خفضت من نسبة ضريبة tva لكي يشمل هذا التخفيض جميع مستهلكي البنزين و ليس فقط بعض مستهلكيه كما عندنا من اصحاب النقل العمومي و النقل المدرسي و غيرهما . اذن الحكومة ايضا تستفيد بشكل من الاشكال من هذه الاجراءات ، و لنعطي بعض الارقام في هذه الزيادات حيث نستهلك من الغازوال 20 مليون ليتر يوميا و من البنزين 3، 6 مليون لتر يوميا و هي ارقام ادلى بها مجلس المنافسة في لقاءاته و جلساته في اخر دراسة قام بها ، و لذلك نحن نتكلم مع الدولة بارقامها رغم ان ارقامها ليست بدقيقة و حيث لابد من بعض النواقص و بعض التحريفات ...
كان لابد من بعض الاجراءات التي كان على الحكومة اتخادها في مثل هكذا وضعية لكنها لم تاخذ مع الاسف .اجراءات جدية و صارمة ليتم التحكم في الاسعار من اسعار الوقود الى سلسلة من الاسعار الاخرى المرتبطة بالضرورة بالاعمال و الخدمات ... كان يجب تخفيض ضريبة tva و لو لشهر او بضعة اشهر موازاة مع الازمة العالمية كما كان يجب ضبط هوامش الربح و هو الاجراء الذي تم اتخاده في العديد من دول العالم كاسبانيا مثلا القريبة منا ، كان تراقب الدولة اسعار شركات المحروقات التي من المفروض ان يتم التحكم في ارباحها لتكون ارباحا معقولة و ليس ارباحا كلها جشع و نهب و استغلال و هي الامور التي جعلت المواطنين هم من يتحملون عبء و ثقل و كل ماسي هذه الفوضى العارمة التي لا يحكمها اي قانون و حتى ان كان قانونا فهو قانون غاب بامتياز .
اذن هي اوضاع ماساوية يتحملها المواطن المغربي لوحده خارج اية حماية من مؤسسات الدولة في ظل اوضاع دولية متازمة لا دخل له فيها و لا مسؤولية ، في الوقت الذي تعمل فيه الدولة نفسها على حماية مداخلها و ميزانيتها و ارباحها و ضرائبها و حماية كذلك الطبقات القريبة منها من بورجوازية كومبرادورية و من شركات راسمالية استغلالية و من طبقة فلاحية ريعية تستفيذ من مئات الالاف من الهكتارات و مياه السدود بصفر درهم و من طبقة حاكمة من وزراء و برلمانيين و كبار موظفي الدولة الذين يستفيدون من كل الامتيازات التي لا حصر لها من سيارات و بنزين و اراضي و خدمات و عمال وووو...
ان مثل هكذا اجراءات هي ليست قرارات تقنية و ليست قرارات اقتصادية ، انه منحى نيوليبرالي واضح و متطرف ، انه اختيار سياسي و ايديولوجي في اطار اقتصاد السوق لكن ليس السوق الذي فيه معايير و قوانين التي تحترم و لو الجزء القليل من احترام مبدا التنافسية و الشفافية و التركيز و احترام الجودة و معرفة هوامش الربح . انه نظام نيوليبرالي ريعي ليس فيه ادنى محافظة على التوازنات المالية و لا على القدرة الشرائية لاغلب المواطنين من طبقات فقيرة و متوسطة ، و ليس هناك اي تدخل في السوق و لا تحديد للهوامش و لا وضع اي سقف للاسعار و لا اي تدخل في عمل الشركات و لا اجبارها و لو على الحد الاذنى من احترام القانون و رعاية مصلحة العمال من ترسيم و تحديد ساعات العمل و احترام الحد الادنى للاجور و تطبيق السلم المتحرك لها .
ان الدولة وما تقوم به فقط هو حماية القاعدة الاقتصادية لكبار شركات المحروقات لان لديها لوبي صحيح و قوي ، و لديها ادرع للتذخل في القرار العمومي ، و نافذة في اجهزة السلطة الى حد بعيد و الدليل هو صاحب 48 في المائة منه حصة سوق المحروقات و هو رئيس الحكومة عزيز اخنوش و طبعا داعميه من اصحاب الشركات الاخرى من بتروم و زيز و شال و غيرها . و نحن نرى كيف ينسقون فيما بينهم و يحددون الاسعار بشكل جماعي و متفق عليه ذون ادنى خروج عن مبدا الاتفاق و الانسجام و دون الدخول في سيرورة الصراع و التنافس وفق مبادئ الراسمالية و قانون السوق . و هو امر من الطبيعي ان يسيروا وفقه ما دام ان ارباحهم و ثرواتهم تضاعفت مئات المرات و بمئات الملايير من الدولارات و ليس الدراهم منذ مرحلة كوفيد الى الان .
ان الدولة بهكذا سياسة و هكذا خيارات نيوليبرالية تمارس العداء الطبقي بشكل متوحش جدا اتجاه غالبية الشعب حيث انها تترك الاستغلال ليمارس في ابشع صورة دون ادنى تذخل و لو وصلت الامور حد التفقير المطلق و حد التجويع و ذلك لانها تخضع و بالقوة لجشاعة و توحش ارباب العمل و تركع لجبروتهم الراسمالي المتطرف ، و بالتاكيد تتدخل فقط عندما تسوء الامور على مستوى الشارع و تتصاعد الاحتجاجات و تكثر الاضرابات و المسيرات و التظاهرات و تصبح الاوضاع الامنية في خطر ، و عدم الاستقرار هو السمة الغالبة مما يهدد الدولة و مؤسساتها و يجعلها قاب قوسين او ادنى من السقوط . انذاك فقط يتحرك الجكم و النظام لفرض مطالب الشعب على الطبقة البرجوازية و يحقق اغلب الحقوق وفقا لتوازنات الصراع و ميول كفة الغلبة و القوة لصالح جماهير الشعب و تنظيماتها الديموقراطية و الثورية قبل ان تنضج الشروط الذاتية و الموضوعية و يتطور الوعي الى مستوى راق و يصبح الصراع الطبقي الى مستوى اعلى مما يجعل الاوضاع تخرج عن السيطرة و يعبد الطريق امام التنظيم الثوري لتحقيق البديل الديموقراطي و ازاحة البورجوازية و نظامها السياسي و الايديولوجي و الاقتصادي من حكم التاريخ .
#محمد_بودواهي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟