|
|
بزوغ اليمين المتطرف الى الواجهة في المانيا . ماذا يحذث ؟ اين اليسار ؟
محمد بودواهي
الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 02:53
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
شريحة العمال او الطبقة العاملة عموما في المانيا تعتبر طبقة يسارية بامتياز حيث معظم العاملين ينتخبون في الانتخابات الحزب الاشتراكي الديموقراطي لعقود طويلة و حيث هناك مناطق بالضبط داخل المانيا تعتمد بشكل كلي و مطلق على هذا الحزب و حتى على الحزب الشيوعي الالماني لعقود طويلة من الزمن . و لكي تعود احزاب اليسار مرة اخرى الى الظهور في هذه الانتخابات يبدو ان الساحة السياسية بدات تعرف تحولات عميقة ستقلب كل شيء على عقب و ستغير موازين القوى الى ما هو نقيض و معاكس تماما . ففي الانتخابات الاتحادية الاخيرة بدانا نلاحظ تطورا كبيرا في وعي العمال او لنقل بشكل اصح تراجعا خطيرا في قناعاتهم و ادراكهم السياسي فبداوا ينتقلون شيئا فشيئا من المعسكر اليساري الذي يتناسب و وضعهم الطبقي و يوافق طموحهم الاشتراكي و نزعتهم الديمواقراطية الى المعسكر اليميني المتطرف ذي التوجه الليبرالي الراسمالي المتوحش الذي لا يمكن ان يدير ظهره للعمل الاستغلالي البشع اللاانساني في المعامل و المصانع او لنقل بشكل اصح لا يمكن ان يعيش بدونه لان كلا من الراسمال و الاستغلال يكمل الواحد منهما الاخر و لا يمكن ان يستغني عنه . ان المانيا تعرف في الحقبة الاخيرة نسبة نمو متدنية جدا لم تتجاوز 0،2 في المائة في عام 2025 و هو رقم خطير لحالات افلاس الشركات التي سجلت اعلى مستوياتها في 10 سنوات خلال العام نفسه باكثر من 24 الف حالة و بزيادة 10،3 في المائة عن العام السابق لدرجة ان صحيفة بيلد الشعبوية نشرت عنوانا مدويا ( شركة المانية تعلن افلاسها كل 20 دقيقة ) . سابقا كانت تعتمد وسائل الانتاج على الطاقة الاحفورية و انتقلت الان الى الطاقة الكهربائية و التي خلقت مشاكل كبيرة و دفعت بالعديد من العمال الى عالم البطالة بين ليلة و ضحاها . اضافة الى ذلك المنافسة داخل المجتمع و داخل الدول بين المنتجات المحلية و المنتجات القادمة من اسيا و خاصة من الصين و خصوصا في مجال صناعة السيارات الكهربائية حيث وضعت العمال امام مشكلة حقيقية اخرى مما عبد الارض او مهد لصعود اليمين المتطرف في هذا المجال . هذا ملخص للوضع الاقتصادي في المانيا مؤخرا ، التاثير الاجتماعي كبير فاكثر من 200 الف موظف فقدوا وظائفهم في عام 2025 ، الارقام تبين ان البلد شهد مليونا و 860 الف عاطل عن العمل الى حدود يناير 2026 بزيادة تقترب من 200 الف شخص مقارنة بالعام الماضي . لكن هناك من يستفيد من هذا الوضع و تحديدا اليمين المتطرف حيث دق المتابعون ناقوس الخطر في الانتخابات الفيدرالية لعام 2025 التي شهدت صعود حزب البديل من اجل المانيا الى المركز الثاني محققا نسبة 20،80 في المائة من الاصوات . يركز الحزب بشكل كبير على العاطلين الالمان و على معاناتهم من البطالة و من ارتفاع تكاليف المعيشة و يتبنى استراتيجية تسمى شعبوية الرفاهية التي تربط بين تحسين الوضع الاجتماعي و بين الحد من الهجرة و تقليص الدعم الموجه للمهاجرين و للخارج . يركز الحزب بشكل كبير على الشباب المحبطين اقتصاديا مستعينا بتطبيقات التواصل الاجتماعي الشبابية كتيك توك و حتى تيليغرام . لكن المؤشر الاخطر وقع في ولاية بادن فورتمبيرغ التي تعتمد بشكل كبير على الصناعة و تحتضن مقرات عدد من شركات السيارات الالمانية كميرسيدس بنز و بورشه و اودي . هذه الولاية عانت بشكل كبير من التحول القسري نحو السيارات الكهربائية مما اثر على الالاف من الشركات الصغيرة و المتوسطة في الولاية و خصوصا الشركات المرتبطة بصناعة السيارات . فعموما فقد قطاع السيارات لوحده في المانيا قرابة 49 الف وظيفة عام 2025 جزء كبير منها في هذه الولاية . و في انتخابات الولاية التي جرت قبل مدة ليست بالطويلة حقق حزب البديل من اجل المانيا قفزة نوعية بحصوله على ضعف الاصوات التي حصل عليها عام 2021 بنسبة اقتربت من 19 في المائة من مجموع الاصوات و هو اعلى رقم يحققه على الاطلاق في الولايات الغربية الالمانية . خطورة اليمين المتطرف لا تكمن فقط في خطابه القومي المتشدد و العودة الى الدولة القومية بدلا من التوحد داخل اوربا و انما يكمن في انتقاله من هامش المجتمع الى وسط المجتمع و تمكنه من الوصول الى الناخبين من العمال و الطبقة الوسطى داخل المجتمع مما زاد في حدته و قوته ، و ليس في المانيا فقط و انما في عدد غير قليل من دول الاتحاد الاوربي كايطاليا و اسبانيا و هولندا و بلجيكا اضافة الى الدول الاسكندنافية . هذه الظاهرة تعتمد بالدرجة الاساس على مخاطبة العمال بماساتهم و معاناتهم اليومية التي يعانون منها نتيجة التغيرات التي وقعت على عملية الانتاج داخل المجتمع . يتغلغل اليمين المتطرف في قلب الصناعة الالمانية مستغلا حالة الاحباط من فقدان الوظائف و حجر الزاوية في هذه التطورات منظمة سينتروم التي قوى نشاطها مؤخرا في مواجهة النقابات التقليدية التي يراها اليمين شريكا في عمليات التسريح الجماعي في محاولاتها الحفاظ على تنافسية الشركات الالمانية . تقدم سينتروم نفسها كنقابة بديلة لعمال صناعة السيارات و هي منظمة حديثة نسبيا تاسست في مصنع ميرسيدس بنز بشتوتغارت و قد حذرت منها اجهزة الاستخبارات الالمانية بانها مرتبطة بالتطرف اليميني . ضاعفت المنظمة عدد مرشحيها لمجلس العمال في اكثر من مكان كما هو الحال في مصنع فولسفاكن في مدينة تيسفيكاو مستغلة اعلان الشركة عن اغلاق محتمل لمصانع عديدة . علما ان هذه المجالس تمنح الموظفين صوتا في صياغة توجهات الشركات . كانت الاتهامات التي تلاحقها بالارتباط بالنازية الجديدة سببا حتى في اعتراض حزب البديل عليها . غير ان الحزب غير نظرته اليها في السنوات الاخيرة . بيورن هوكه ابرز القياديين المتطرفين داخل الحزب ضغط لالغاء تحفظ الحزب على التعامل معها مؤكدا الحاجة الى منظمة بهذه القوة في المصانع و الشركات الكبرى خصوصا مع النفوذ القوي لخصوم الحزب داخل النقابا الاخرى و من ذلك الحزب الاشتراكي الديموقراطي . رئيسة حزب البديل من اجل المانيا بدورها اليس فايدل ظهرت في فبراير الماضي الى جانب مؤسس المنظمة اوليفر هيلبرغر امام مصنع لميرسيدس لغاية توزيع المنشورات الانتخابية . كما ان عددا من ممثلي هذه المنظمة في المجالس العمالية ينتمون الى الحزب في ما يظهر انه منفعة متبادلة تفيد المنظمة في تجاوز النظرة اليها كنازية جديدة . و قد وصل التاثير الى تكتلات اقتصادية و تجارية اخرى . ففي نونبر 2025 اعلنت جمعية الشركات العائلية الالمانية رفع الحظر المفروض على الاتصال مع الحزب البديل بحجة انه اضحى حزبا يمثل ربع الناخبين الالمان قبل ان تتراجع عن القرار بعد انسحاب شركات كبرى كروسمان . يرفع الحزب خطابه الداعم للشركات الصغيرة و المتوسطة تماما كما صرح تيمو كروبالا الرئيس المناوب للحزب الذي عبر عن قلقه اتجاه وضع الشركات الالمانية و يقترح الحزب اجراءات جذابة للشركات الالمانية و من ذلك الالغاء الكامل لبعض الضرائب و تخفيض اخرى و انهاء البيروقراطية . لم يعد الامر خاصا بحزب البديل ، فالاتحاد المسيحي الديموقراطي الذي يتزعم الحكومة الحالية يتخد التوجه الصارم ذاته منذ وصول ميرتس الى منصب المستشار .و مع حرب ايران و ارتفاع اسعار الطاقة هل يجد المتطرفون في المانيا ارضية خصبة للانتشار بين صفوف الطبقة العاملة التي تتاثر اكثر من غيرها بغلاء تكاليف المعيشة ؟ ا ن ما يحير حقيقة كل الملاحظين و المتتبعين و يثير دهشة الجميع هو هذا الاندحار الفضيع و هذا التقهقر اللامسؤول لكل قوى اليسار و لكل الاطارات السياسية و النقابية و المجتمع المدني ذات التوجه الاشتراكي و الشيوعي ليس في المانيا فحسب بل في كل اوربا و بالتالي في كل العالم ..؟؟؟؟؟ ان الكثير من المنظرين و المتخصصين و في هذا الخصوص و من خلال العديد من الكتابات ليؤكدون ان سيرورة الصراع الطبقي في ظل الهيمنة المطلقة للامبريالية المتوحشة اقتصاديا و سياسيا و ايديولوجيا و عسكريا و بشكل خاص من طرف الولايات المتحدة الامريكية التي بسطت نفودها الكلي على كل بقاع العالم باستثناء طبعا ما هو خاضع للمجال الصيني و بشكل اقل لروسيا رغم ان هؤلاء الاخيرين باتوا جزءا من الراسمالية الدولية و التي بدورها تمارس سياسة العداء المطلق و الممنهج اتجاه الفكر النقيض الذي لا مناص منه لخلاص البشرية و الانسانية من براثين الاستغلال و الاضطهاد و التوحش و الحروب .... انها الاشتراكية يا ناس ....وبدونها لا يمكن الكلام عن اية قفزة الى الامام ...انها حتمية التاريخ مهما قام بتلك الخطوات الى الوراء ...
#محمد_بودواهي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المغرب بطلا و السينغال في هستيريا و الكراغلة الاجلاف يلطمون
...
-
الصراع الديني العقائدي المزمن بين اسرائيل المتطرفة و ايران ا
...
-
الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران وسيرورة الصراع الديني
...
-
جاء الحزب ..... راح الوطن
-
السيرورة المتعثرة نحو الديموقراطية و خيانة الاحزاب و تواطؤ ا
...
-
تطورات الوضع السياسي في المغرب - الواقع و الافاق -
-
المغرب بين ضرورة الاصلاح او شبح المجهول في ظل ازمة اقتصادية
...
-
لا محيد عن النضال الجاد و الصامد في مواجهة سياسة التفقير الم
...
-
النظام الرأسمالي وبوادر بداية الانهيار
-
وجهة نظر : تخفيظ ميزانية ملك
-
عندما يختلط الكدب بالتهور بالتفاهة في تصريحات رئيس وزراء
-
محطة جديدة في مسار اليسار الجدري بالمغرب
-
أين التفاهة البنكيرانية من سياسة الحكمة في بلجيكا وفرنسا ؟؟؟
...
-
نجاعة الحكومة في التدبير وليس في الشارات الرنانة
-
الحراك الشعبي بين حضور الشباب والجماهير وغياب المثقفين وخيان
...
-
المغرب بين التبعية السياسية واستنزاف الخيرات ، والأمل في الا
...
-
الرهان الفاشل في المخطط البحريني السعودي لإيقاف الزحف الثوري
-
رحيل بنزكري ...عطاء وأخطاء ...
-
لا بديل عن الثورة الشعبية لكنس الدولة المخزنية والحكومة المل
...
-
الميكيافيلية المقيتة وخدماتها الجليلة لنصرة حكام الاستبداد
المزيد.....
-
كلمة الميدان: حول إعلان عودة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يون
...
-
الحزب الشيوعي السوداني: بيان جماهيري بخصوص مجزرة مستشفى الضع
...
-
How Microplastics Threaten Marine Ecosystems and the Food Ch
...
-
Children, Power, and Hypocrisy: Sarajevo’s Pilgrimage to Was
...
-
What I Saw in Cuba Was Resilience
-
Up For Grabs: Polycrisis (Part 1)
-
No Kings Now, and Then More
-
Millions in the Streets Nationally Make History
-
الحزب الاشتراكي الديمقراطي يريد قواعد انتقالية لقانون الجنسي
...
-
حزب النهج الديمقراطي العمالي يدعو إلى المشاركة المكثفة في تظ
...
المزيد.....
-
المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة
/ شادي الشماوي
-
كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
النظرية الماركسية في الدولة
/ مراسلات أممية
-
البرنامج السياسي - 2026
/ الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
-
هل الصين دولة امبريالية؟
/ علي هانسن
-
كراسات شيوعية (الصراع الطبقي والدورة الاقتصادية) [Manual no:
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
موضوعات اللجنة المركزية المقدمة الى الموتمر 22 للحزب الشيوعي
...
/ الحزب الشيوعي اليوناني
-
الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو
/ غابرييل هيتلاند
-
فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم
...
/ مايكل جون-هوبكنز
-
نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و
...
/ شادي الشماوي
المزيد.....
|