مأمون شحادة
الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 19:25
المحور:
القضية الفلسطينية
خضرة حمدان… تلك الفلاحة الفلسطينية التي لم تكن مجرد بائعة تجوب الطرقات، بل كانت حكاية تمشي على قدمين، وذاكرة حيّة تنبض بعبق الأرض.
من قرية الجبعة جنوب ـ غرب بيت لحم، كانت تبدأ رحلتها مع الفجر، حين لا يزال الضوء خافتاً، فتسير بخطى ثابتة نحو بلدة الخضر، وبرفقتها ابنها الصغير نبيل، كأنهما سطران في قصيدة من صبر وحنين.
لم تكن تحمل بضائعها فحسب، بل كانت تحمل روح الريف كلّه؛ في قِربةٍ سعنٍ مصنوعة من جلود الأغنام أو الماعز المدبوغة، تخضّ اللبن بيديها، فيتحوّل إلى “لبن مخيض” كأنه خلاصة تعبها وعرقها. كانت خطواتها على الطريق أشبه بإيقاع مألوف، يعرفه أهل الخضر كما يعرفون صباحاتهم، حتى غدت جزءاً من يومهم، لا تغيب صورتها عن الذاكرة ولا عن الوجدان.
كنّا، ونحن صغار، نناديها “الجبعيّة”، لا على سبيل التعريف فحسب، بل كأن الاسم يحمل معها كل الجبعة: ترابها، ونسيمها، وطيبة ناسها. وكانت، رغم مشقة الطريق وثقل الحمل، تفيض وقاراً وبساطة، فيحترمها الناس ويُجلّونها، لا لما تبيع فقط، بل لما تمثّله من كرامة الكدح وشرف العمل.
خضرة حمدان لم تكن امرأة عابرة في الأزقة، بل كانت شاهداً على زمن أنقى، حين كانت البساطة عنوان الحياة، وكان التعب يُثمر محبة في القلوب قبل أن يُثمر رزقاً في الأيدي.
رحلت خطواتها، وربما غاب صوتها، لكن أثرها ظلّ عالقاً في الذاكرة، كنداء قديم لا يزال يتردّد في شوارع الخضر كلما مرّ الصباح.
:
:
من ذكريات ثمانينيات القرن الماضي
🌼 خضرة خضر حسين حمدان (أم محمد)، فلاحة فلسطينية من قرية الجبعة جنوب ـ غرب بيت لحم، ولدت عام 1928، وتوفيت عام 2016.
#مأمون_شحادة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟