أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد جودة أحمد - استخدام -وجهة النظر- في القصة القصيرة














المزيد.....

استخدام -وجهة النظر- في القصة القصيرة


خالد جودة أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 21:34
المحور: الادب والفن
    


عنوان قصة "البنون" للقاصة "جمالات عبداللطيف" يحيل مباشرة للمغزي القصصي الساطع من خلال اختصار النص الشريف المعلوم: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا)، فهناك يقينا النقاط كعلامة ترقيم مضمرة (.... والبنون) تشير للنص الشريف المعبر تماما عن محتوى القصة.
ثم تستهل القصة ذاتها باستهلال صادم وقوى للقارئ، حيث يتبين أن السادرة في القصة هي إنسانة أصبحت جثة ترقد في فراشها. وإذا كان للسطر القصصي الأول سحره وجاذبية وقدرته المؤثرة لا شك على جذب القراء، فقد حقق سطر القصة الأول هذا المفهوم المدرسي بجدارة: "ولليوم الثالث على التوالى ترقد في وسط السرير جثتي .. جحافل النمل تتكدس بين أصابع كفي وقدمي تحمل فتات من لحمي المهترئ وتمضى في دأب إلى مساكنها"
هذا الشروع المثير في القصة يمهد للقادم القصصي، ليكتشف القارئ تلك الحادثة الإنسانية المؤسفة والمتكررة عن موت أحد الوالدين وحيدا فريدا في مسكنه، لا يجد اهتماما من أقرب أقربائه وهم الأبناء الذين أهلموه وجحدوا كرامته وفضله في أشد صور المآسي الإنسانية ضراوة وعنفا، ليكتشف الجيران رائحة هذا الجثمان بعد أيام من وفاته، ويعاينوا قسوة هذا الجحود والعقوق.
هذه حادثة واقعية تتكرر ويعانيها الناس كثيرا، وطالعوها صباح مساء في الأخبار والمرويات الحزينة.
هنا عالجها الفن القصصي بآلية ممتازة، وبفكرة أصيلة في خارطة طريق الإبداع القصصي وهو أسلوب السارد الذي انتخب ضمير البوح الحميمي "أنا" ليسرد تجربته المرة كما عاينها هو بنفسة لا كما تحكي عنه بأسلوب الراوي العليم.
هذا الأسلوب الحميمي والمترع بالأسي الإنساني يحقق فائدة عظمي للفن القصصي فيما يعرف في هذا اللون من القصص بتأثير "وجهة النظر"، بمعني أن تروى الأحداث من وجهة نظر بطل القصة نفسه، ويتذوق القراء الأفكار والرؤي من منظور الذات القصصية الشهيدة، فيحقق هذا الأسلوب الفني التماهي الإنساني المرغوب مع الذوات القصصية، ويكتوي بالمغزي وحرارته الإنسانية الحارقة.
والقصة بهذه التقنية تعد مرآة لفن السرد المبتكر الذى حقق التجديد الجوهري في استخدام "وجهة النظر" والذي يجمع بين الرؤية الذاتية والرؤية الموضوعية في نفس الوقت. والذي أسس هذا الأسلوب الروائي الأمريكي "وليم فولكنر" (1897 : 1962) خاصة في روايته "الصوت والغضب"، كما قدم هذا الروائي الفذ طريقته لسرد الأحداث عن طريق اللاوعي ليس لشخصية روائية واحدة بل للشخصيات الروائية جميعا بالتبادل بينها، وفي ذات الوقت يسخر فنه لبلوغ غاياته الأخلاقية والمعنوية، وتوضيح حالة موضوعية اجتماعيا، عبر هذا الأسلوب الفني الساحر.
والناحية الموضوعية في القصة حققتها جوارح الذات القصصية في حالتها الأثيرية (الطيفية) بتعبير القصة، فهى السارد البليغ والتى انفصلت عن الجسد المسجي وقد بدأت بوادر تحلله، لتشرف عليه من موطن أعلى تحكي التجربة القصصية الفنتازية (حيث لا يحكي أحد عن أحداث ما بعد وفاته).
بالتالي السارد الذاتي استحال أيضا إلى سارد موضوعي بصير بالوقائع يسردها عن جدث لم يستطيع أن يقدم حكايته المترعة بالأسف، لكن مع رعاية الاحتفاط بسحر "وجهة النظر" في هكذا قصة إنسانية.
ويتعمق هذا الأسلوب السردي بتقديم موازي للذات الساردة الطيفية كشخصية قصصية مبتكرة تصوغ القصة لها معلمها الجسدي في أكثر من موطن قصصي، وتحيل إلى قصة خلفية للحدث القصصي (وفاة الزوج): "... لكنني أصبحت كائنا طيفيا أقل حجما من تلك الفراشة التى تقف على إطار صورة زوجي"
ويظل تعميق المغزي في تلك اللقطة القصصية المؤثرة بتدشين لكائنات أخرى حاضرة من نمال وذباب وبكتيريا هائمة تتغول في الجسد المنحور بالعقوق. وأيضا مثول كائنات أثيرية (كونية) هما الملكان كاتبي أعمال الإنسان.
أيضا عبرت القصة عن وجهة نظر الأمومة في مفارقة مدهشة أخرى تعمق من سحر هذا المنظور السردي، حيث يلتمس الطيف الأمومي الأعذار للابنة كثيرة الاعتذار، وبطول مرضها، وكثرة ما يشغل الابنة (خلفية اجتماعية واقتصادية قاسية مضمرة) ثم نبل أخلاقها ورعايتها جيرانها وخشيتها من فزعهم بالرائحة المنكرة.
ثم شارفت القصة ذروة سنام غايتها بالخاتمة التى بسطت هذا الطموح الذي هو أبسط حقوق الإنسانية: "لفافة قماش أبيض وبعض المسك"
قصة لا تنسي حقا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحت البلاغة بين اليومي والكوني
- تشظي الذات الأنثوية ورحلة تيار الوعي
- فن القصة القصيرة والأثر التشكيلي .. الحب غير المشروط موضوعًا ...
- فن القصة القصيرة والمقاومة .. السير على حد السكين
- التأطير القصصي المكثف لمأساة المرأة الوحيدة
- توريق الصورة القصصية ومدافعة اليأس
- -كانوبوس-: سردية التاريخ الفنتازي المثير
- ملكة القلوب وجائحة الطلاق العاطفي
- حرائق الروح الإنسانية


المزيد.....




- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صوت المقهورين
- شعانين بلا كشافة ولا موسيقى.. كنائس دمشق تحتج بصمت على هجوم ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة عن مسرح سناء الشّعلان في جامعة كاليكوت ...
- بين القانون والقرصنة.. فيلم -إيجي بست- يحكي قصة الموقع الأكث ...
- غزة وفنزويلا وإيران.. عندما يطبق ترمب ما كتبه حرفيا
- رحيل المخرج مهدي أوميد أحد أبرز رواد السينما العراقية والكرد ...
- دليلك لاستخدام ليريا 3 برو.. النموذج الأكثر تقدما من غوغل لت ...
- -بوتّو-.. فنان رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يجني الملايين
- في حبِّ الحُزانى
- مارس .. موت و ميلاد


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد جودة أحمد - استخدام -وجهة النظر- في القصة القصيرة