أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد جودة أحمد - نحت البلاغة بين اليومي والكوني














المزيد.....

نحت البلاغة بين اليومي والكوني


خالد جودة أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 00:06
المحور: الادب والفن
    


قصة “كولاجين” للقاص أ. رضا يونس قصة اجتماعية في قصديتها طبقا لتقديري، تتعاطي مع الكلي الاجتماعي، وتشتمل معادلها الموضوعي، وتعتني به ويتعملق هذا المعادل ليشكل العمود الفقري للقصة ويستغرقها جميعا بما في ذلك ثريا القصة ورمزها الكلي.
وفي الحقيقة يصعب تصنيف هكذا قصة، حيث تتوهج غواية التصنيف، هل هي قصة كناية لا تقصد المعني المباشر لمفرداتها أم لما ورائها من إشارات مستترة مرغوبة؟، أم لون من تسريب معطيات فنتازية للواقع، أم هي من أدب اللامعقول؟ وهو ما أرجحه، وقد فتنت بهذا الأسلوب في الكتابة عندما طالعت منذ سنوات طويلة مجموعة قصص (الكرة ورأس الرجل) للقاص (محمد حافظ رجب)، وكانت متعة كبيرة -تكررت بمطالعتي كولاجين-وقد أندهشت تماما، وكانت أول مرة أتذوق في قصة قصيرة أسلوب اللامعقول الساحر حينها.
ويضاعف تقدير القصة إضافة لاختيارها الفني وقالبها المثير أنها جاءت على خلفية من صفعات وركلات رجل الأعمال في أحد المحميات السكنية المرفهة لعامل الأمن المستسلم (حتى يحفظ لقمة عيشة المغموسة بالمذلة) في حادثة سجلتها الكاميرات في مارس 2026، حيث عصف الرجل الثري المتخم بكبريائه وقيمه المادية بالعامل المسكين في قسوة بالغة، وأصبحت القصة موضع الاهتمام البالغ في وسائل التواصل الاجتماعي، لتخبر قصة “كولاجين” عن لون أدب أسميه (أدب باب السور)، والذى أرى شيوعه في الفترة الأخيرة، حيث السور يمايز بين شريحتين اجتماعيتين منفصلتين تماما، وكما عبر عنها أدباء كثر منهم د. أحمد خالد توفيق في (يوتوبيا) وهاله البدري في (مدن السور)، وغيرهما، ومنهم أيضا قاصنا الذي يؤثر كتابة المختلف القصصي، ويميل للتجريب الفني للتأثير ووخز القارئ.
يشير د. شاكر عبدالحميد في كتابه (الغرابة) بتصرف: إلى تأثير الغرابة بجلب المألوف موضوعا في إهاب الغريب فنا. وفي صفحة 286 من كتاب (كتاب في كلمة وكلمة في كتاب) لعلاء الديب 2023-لا أدرى لماذا لم يطلق على الكتاب الاسم الأصلي الشهير “عصير الكتب” الكتاب الثانى- يتحدث عن الأداة الفنية القادرة على إذابة وتحليل الواقع، لتجرده من صورته المألوفة فتغير شكله ولونه وقوامه لإثارة العين والعقل والإحساس فترى حقيقة هذا الواقع.
وإبدال المألوف باللامعقول مفارقة مدهشة تستحق التأمل، والدهشة عنصر رئيس كما عبر الروائي الفرنسي “باتريك موديانو” الفائز بنوبل 2014: “النص السردي لا تكفي تقنياته السردية، بل يحتاج إلى الدهشة ليكون مقنعا، فعامل الإبداع والذى يتمثل ببساطة في إدهاش القارئ وجعله يتوقف أمام النص ليقول يا إلهى كم كان ممتعا”، وعنصر الدهشة هو موطن تفوق قصة “كولاجين” ووسيلتها الأولى لدعم الثيمة الاجتماعية والتى تستغرق مشروع القاص رضا يونس الإبداعي قولا واحدا كما كشفت مجموعته القصصية المعنونة “أحلام جائعة” والمجموعة الأخرى “طهى قسري”
أما الأداة الفنية الرئيسة للقاص فتجسدت في نحته البلاغي، وعنايته بالصور الاستعارية الكلية، فالصورة البيانية ليست بهدف إضافة المذاق البياني للكلمات في حد ذاتها، لكن توظيفها في مغزي القصة الكلي، فأصبحت القصة جميعها نحتا بلاغيا على مقام الاجتماعي بممكناته الاقتصادية خاصة.
واستعمل القاص لبناء الصور الكلية على “التجسيد” أكثر من “الاستعارة المثلية” أو “التجسيم”، أو “التشخيص” والتجسيد يعنى إكساب المعنويات صفات محسوسة، وهى شائعة في المتن القصصي: (تسعير المشاعر / الأمنية المملحة / سكب الأحلام / الأمل المغذي / بلاعة التضخم / ارتشاف الذكريات / ...)، أما “التجسيم” (إيصال المعنى المجرد مرتبة الإنسان في قدرته واقتداره) فتجلت في طائفة من تعبيرات القصة: (رائحة تغلق الخياشيم / الحسد المدفون في البطن / ...)
والقصة ترثي لتآكل الطبقة الاجتماعية الحافظة للمجتمع المانعه لخشونة مفاصله، الشريحة الوسطي التي ينبت بتربتها النهضة الثقافية والرقي الاجتماعي، وتصوغ القيم العاصمة من الانكسار والاندحار للأمة.
وتجلي هذا الرثاء في اختيار البطل القصصي المأزوم تجتاحه الكبرياء “موظف” على درجة مدير عام يعاني من ضعف شأنه وانهيار طبقته وسحقها.
وجاء توظيف المفردات ذكيا يتماشي مع القيم السلبية التى تمايز بين قمة راضية وقاع منسحق تماما تحت سياط الحاجة والعوز الشديد، فمعني التسليع ساطعا بقوة فللمشاعر تسعيرها، والتنويع في التسليع بين التسليع الجديد للفقير، وتسليع عتيق لأصحاب الرفاهية مع الربط مع الاتجاه الاقتصادي الكوني. وتبئير الشيئية (وجه مطبوع بطابع استهلاكي شره)
أما معادله المضوعي المهيمن والرئيس فكان أجزاء الدجاجة وأنواع الفاكهة مؤشرا للتباين الطبقي الحاد والخطير، فجزء الدجاجة الفقير في مكوناته الغذائية لا يحتوي لحما أو أليافه المغذية والكولاجين الذي يبني جدرانه أصبح “الأمنية المملحة” للفقير المنسحق الجديد القادم من طبقته الاجتماعية المنهارة، وتصل السخرية مداها خاصة في الخاتمة، أنها أمنية رغم هزالها أصبحت مقدسة لدى الفقير يلقي عليها المحبة ويحتفي بها في قدر كبير ويسكب عليها ماء الصنبور، وينبت قصصيا الملمح العجائبي المستملح والمرير أيضا بتقديم وصفة الطعام الردئ.
وجاء الحوار مكون رئيس في القصة ليكشف المعايير الطبقية الجديدة القائمة على التباين الاجتماعي الحاد. والوجية القصصية مزجت بذكاء اليومي بالكوني والهامشي بالأممي والمعنوي الشعوري بالحسي المجسد في قصة ممتعة ومؤلمة في آن واحد.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشظي الذات الأنثوية ورحلة تيار الوعي
- فن القصة القصيرة والأثر التشكيلي .. الحب غير المشروط موضوعًا ...
- فن القصة القصيرة والمقاومة .. السير على حد السكين
- التأطير القصصي المكثف لمأساة المرأة الوحيدة
- توريق الصورة القصصية ومدافعة اليأس
- -كانوبوس-: سردية التاريخ الفنتازي المثير
- ملكة القلوب وجائحة الطلاق العاطفي
- حرائق الروح الإنسانية


المزيد.....




- هل يجب أن تكون الموسيقى صاخبة جدًا لنحرق سعرات أكثر؟
- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026
- الأردن يرمم -ذاكرة الأرض-: مئات الآلاف من وثائق ملكيات الضفة ...
- رحيل سيد نقيب العطاس.. رائد -إسلامية المعرفة- واستعادة الأدب ...
- 28 رمضان.. من ميلاد الأندلس إلى زفاف -أميرة القلوب-
- حفل الأوسكار الـ 98.. إطلالات صنعت اللحظة على السجادة الحمرا ...
- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد جودة أحمد - نحت البلاغة بين اليومي والكوني