|
|
قصة التطرف والجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء
أحمد رباص
كاتب
(Ahmed Rabass)
الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 19:08
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
تهدد القوة المستمرة والمتنامية للمنظمات المتطرفة العنيفة في منطقة الساحل بتفاقم الأزمة الإنسانية ونشر عدم الاستقرار في جميع أنحاء إفريقيا، مما يشكل مخاطر أمنية ومالية كبيرة على الولايات المتحدة وأوروبا. استمرار انهيار الدعم الدولي لمكافحة الإرهاب، فضلا عن إضعاف قيادة الجهود الإقليمية، خلق فراغا يمكن أن يتوسع فيه التطرف العنيف. وقد استغلت المنظمات بما فيها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (داعش)، وتنظيم الدولة الإسلامية في إقليم غرب إفريقيا (إيسواب)، وآخرون بالفعل هذا الفراغ، مستخدمين دول المنطقة كمنصات لشن هجمات عشوائية على القوات الحكومية والمدنيين على حد سواء. كما إستفادت الجهات الفاعلة الأخرى غير الحكومية، مثل مجموعة فاغنر، من غياب التدخل الأجنبي لتوسيع نفوذها. من شأن التقارب أن يفاقم من التهديدات الأمنية، سيما وأن زيادة التعاون بين المنظمات الإرهابية، وبين المنظمات الإرهابية والإجرامية، يمكن أن تزيد من حدة الخطر الذي تشكله تلك الجماعات في المنطقة وخارجها. تمتد منطقة الساحل من السنغال إلى إريتريا، وتقع بين الصحراء الكبرى في الشمال والمناطق الاستوائية الإفريقية في الجنوب، وقد واجهت منذ فترة طويلة أزمات أمنية وإنسانية حادة ومعقدة. منذ حصولها على الاستقلال في الستينيات، شهدت العديد من دول منطقة الساحل تطرفا عنيفا بسبب التقاء الحكم الضعيف وغير الشرعي، والتدهور الاقتصادي، وتفاقم آثار تغير المناخ. وتصاعدت أعمال العنف والصراع والجريمة على مدى العقد الماضي تجاوز الحدود الوطنية، وشكل تحديات كبيرة للدول داخل المنطقة وخارجها. وما تزال منطقة الساحل هي نقطة العبور الرئيسية للمهاجرين المسافرين من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى الدول الساحلية الشمالية ثم إلى أوروبا. المزيد من العنف يمكن أن يزيد بشكل كبير من معدل النزوح والهجرة من المنطقة، تفاقم الضغوط على الدول الإفريقية الشمالية والساحلية وأوروبا. وتقع بؤر العنف والكوارث الإنسانية في منطقتي ليبتاكو-غورما وحوض بحيرة تشاد. تقع ليبتاكو-غورما في منطقة الساحل الأوسط، في المناطق الحدودية لبوركينا فاسو ومالي والنيجر. ويرتبط عدم الاستقرار الحالي بانهيار الدولة الليبية في عام 2011، مما أدى إلى انتشار الأسلحة والمقاتلين المسلحين في المنطقة. وأدى تدفق المتطرفين إلى شمال مالي إلى إحياء تمرد الطوارق في عام 2012، والذي ظهر سابقا في أعوام 1963 و1990 و2006. ومع أنهم لا يمثلون سوى 10٪ من سكان مالي، سعى الطوارق، الشعب المنظم في إطار الحركة الوطنية لتحرير أزواد، إلى إقامة دولة مستقلة وانضموا إلى جماعات إسلامية متعددة، بما في ذلك تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة الوحدة والجهاد في غرب إفريقيا وأنصار الدين لطرد القوات الحكومية من الشمال. وكان الرئيس آنذاك أمادو توماني توري خلع في انقلاب مارس 2012 الذي قام به الجيش، نتيجة رفضه فشل الحكومة في قمع التمرد. أدى الانهيار اللاحق لمؤسسات الدولة في الشمال إلى تمكين الحركة الوطنية لتحرير أزواد من الاستيلاء على العواصم الإقليمية غاو وكيدال وتمبكتو؛ وكانت المجموعة قد أعلنت دولة أزواد المستقلة في شمال مالي بحلول أبريل. تحالفت الحركة الوطنية لتحرير أزواد المنشقة بسرعة عن تنظيم القاعدة مع الجماعات الإسلامية الأخرى في يونيو عقب محاولتهم فرض الشريعة الإسلامية وإعلان الخلافة الإسلامية على الأراضي الشمالية. وبعد فترة من الهدوء النسبي، تدهورت الأزمة في يناير 2013 مع تقدم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، وأنصار الدين نحو الجنوب للقبض على كونا في وسط مالي. وفي غشت، عادت مالي مرة أخرى إلى حكومة يقودها مدنيون بقيادة إبراهيم بوبكر كيتا، والتي وقعت فيما بعد (2015) على اتفاقية سلام مع ائتلاف من جماعات استقلال الطوارق توجد بينها الحركة الوطنية لتحرير أزواد. واستبعد التحالف المنظمات الإسلامية التي سرعان ما استغلت الاتفاق لتوسيع نطاق نفوذها، ونشره في وسط مالي وبوركينا فاسو والنيجر المجاورتين. وأصبحت ليبتاكو جورما منذ ذلك الحين مرتعا للتطرف العنيف في منطقة الساحل. أظهر استهداف فندق راديسون بلو (Radisson Blu) في مالي، وفندق سبلينديد (Splendid في بوركينا فاسو، وفندق ليتول دو سود (L’Etoule du Sud) في ساحل العاج في عامي 2015 و2016 مدى التهديد الإسلامي لمنطقة الساحل وغرب أفريقيا. في سبتمبر 2016، ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى على السطح في بوركينا فاسو، حيث شن أول هجوم كبير له على نقطة حدودية بالقرب من مدينة ماركوي البوركينابية. وفي عام 2017، انضم العديد من أعضاء تنظيم القاعدة إلى ما يسمى بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين. لقد تزامن حدث ظهور الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين مع تكثيف العنف في منطقة الساحل. كل منهما توغلتا أبعد جنوبا في ليبتاكو-غورما، مما هدد أمن الدول الساحلية المستقرة نسبياً في غرب إفريقيا. وقد سيطرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مؤخرًا على الأراضي في شمال ووسط مالي، في حين اقتصرت الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى على شمال بوركينا فاسو وغرب النيجر بسبب اشتباكات مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي بدأت في عام 2020. وساد التطرف العنيف في حوض بحيرة تشاد عند تقاطع الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا في نفس الفترة مع عودة ظهور بوكو حرام في شمال نيجيريا، الحركة التي أسسها محمد يوسف في شمال شرق نيجيريا عام 2002 أُجبرت على عام 2009 على العمل في سرية تامة بعد أن قتلت قوات الشرطة النيجيرية أكثر من سبعمائة عضو، من بينهم يوسف، خلال مداهمة في يوليوز من ذلك العام. وفي يونيو وغشت 2011، عادت بوكو حرام إلى الظهور، مما أشار إلى استراتيجيتها الأكثر توسعية وعدوانية من خلال إطلاقها الهجمات الانتحارية على الشرطة ومقر الأمم المتحدة في أبوجا بنيجيريا. اكتسبت المجموعة سمعة سيئة على المستوى الدولي بعد اختطافها 276 فتاة من مدينة شيبوك بنيجيريا، مما أدى إلى ظهور حركة “أعيدوا فتياتنا” العالمية في أبريل 2014. في عام 2015، بوكو حرام تعهد بالولاء إلى الدولة الإسلامية التي نصبت نفسها بنفسها وأعيدت تسميتها باسم الدولة الإسلامية، ولاية غرب إفريقيا. وكان فصيل منشق عن جماعة بوكو حرام الأصلية نشطا حتى عام 2021، عندما قتل تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا زعيمه واستخوذ على أراضيه، وأنزلت أعضاءه إلى جزر نائية في بحيرة تشاد. ومنذ ذلك الحين، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية، ولاية غرب إفريقيا على شمال شرق نيجيريا وأجزاء من النيجر. ويعزو الخبراء توسع التطرف العنيف في منطقة الساحل إلى استمرار سوء الحكامة الذي يتسم بالفساد: تراجع ديمقراطي، تآكل الشرعية، انتهاكات حقوق الإنسان. العديد من دول المنطقة تتقاسم ديناميات داخلية مماثلة لعدم المساواة — تميل سلطة الدولة إلى التركيز في المناطق الجنوبية والحضرية بينما تظل المناطق القروية والشمالية متخلفة وجاهزة للاستغلال من قبل الجماعات المتطرفة. وهكذا، تحتل دول الساحل باستمرار مرتبة عالية في مؤشر الدولة الهشة؛ وخاصة تشاد ومالي ونيجيريا. وتشكل عمليات النقل المتكررة للسلطة مشكلة أيضًا: تشاد، وبوركينا فاسو، ومالي، وموريتانيا، والنيجر راكمت خبرة خمسة وعشرين انقلابا ناجحا بين عامي 1960 و2022. أدت الانقلابات العسكرية المتتالية في مالي في عامي 2020 و2021، والتي أدت إلى قيام الحكومة المؤقتة الحالية في مالي تحت قيادة المجلس العسكري، إلى إطلاق أحدث ما يسمى بوباء الانقلاب في المنطقة، والذي شهد حوادث مماثلة في بوركينا فاسو وتشاد والنيجر. أدت وفاة الرئيس التشادي إدريس ديبي في 20 أبريل 2021 إلى خلق حالة من الفوضى وظهور أزمة في قيادة الجهود الإقليمية لمكافحة الإرهاب. في عهد ديبي، عملت تشاد وجيشها بمثابة محور الربط في تحالفات أمنية إقليمية عبر كل من ليبتاكو-غورما وحوض بحيرة تشاد. تم تفعيل فرقة العمل المشتركة المتعددة الجنسيات تم تفعيل —المكونة من بنين والكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا— في عام 2014 للرد على تهديد بوكو حرام والجريمة المنظمة واللصوصية في حوض بحيرة تشاد. في فبراير 2017، أعلنت فرنسا ومجموعة الخمس لدول الساحل (G5) — بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر— عن إنشاء قوة الساحل قوامها خمسة آلاف جندي تهدف إلى محاربة إرهاب الجماعات المسلحة بتفويض موسع لعبور الحدود في منطقة الساحل. ونتج عن سقوط ضحايا مدنيين وتسجيل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان على يدي قوات الأمن في تشاد، مالي، و نيجيريا إلى مزيد من تقويض الجهود الإقليمية والوطنية. وفي عام 2013، بدأت المشاركة الدولية بشكل جدي عندما دخلت القوات الفرنسية مالي بناء على طلب الحكومة المالية. عملية سيرفال، تحولت في ما بعد إلى عملية برخانو أصبحت قوة قوامها ثلاثة آلاف جندي تتمركز في نجامينا بتشاد، وتركز على استئصال المتطرفين العنيفين في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، بالشراكة مع الحكومات المحلية وبدعم من تشاد وموريتانيا. وفي عام 2015، توسعت ولاية عملية برخان لتوفير المزيد من الدعم للقوة المتعددة الجنسيات [قوات الدفاع الشعبي] في حربها ضد بوكو حرام. وسرعان ما نجحت عملية برخان من خلال إنشاء الأمم المتحدة مهمة تحقيق الاستقرار المتكاملة المتعددة الأبعاد في مالي، وفي عام 2020، تلقت فرقة العمل تاكوبا دعما من الاتحاد الأوروبي. بحلول عام 2020، كانت فرنسا قد نشرت حوالي� جندي مدعومين بـ 15.000 من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من جميع أنحاء العالم. كما قدمت الولايات المتحدة الدعم اللوجستي والاستشاري إلى كل من القوة المتعددة الجنسيات وقوة الساحل G5. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الجيش الأمريكي زاد من حجم وجوده في منطقة الساحل، ونشر ما يقرب من 1500 جندي في المنطقة، واشرف على بناء قاعدة الطائرات بدون طيار في النيجر كمنصة لشن ضربات ضد الجماعات في جميع أنحاء غرب وشمال أفريقيا. في 4 أكتوبر 2017، سقط أعضاء الولايات المتحدة في فرقة عمل العمليات الخاصة في كمين رتبته جماعة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في تونجو تونجو، النيجر، مما أدى إلى مقتل أربعة جنود. وما تزال الولايات المتحدة أيضا أكبر المانحين بلمساعدة الإنسانية؛ واستمرت في تقديم التدريب العسكري، مثل برنامج فلينتلوك؛ وسلمت للمنطقة بلغت تكلفتها ملايين الدولارات. ورغم المشاركة الدولية المتزايدة، فقد تسببت الحملة ضد المسلحين بدلاً من ذلك في انتشار التشدد إلى البلدان عبر الساحل. هذا الفشل المقترن بتآكل شعبية فرنسا في مستعمراتها السابقة قاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للإعلان يوم 13 يوليو 2021 أن عملية برخان ستنتهي في الربع الأول من عام 2022. وفي فبراير 2022، أعلنت فرنسا وحلفاؤها الأوروبيون المنتمين إلى فرقة العمل تاكوبا عزمهم على سحب جميع قواتهم من مالي، منهين بذلك تدخلهم الذي دام قرابة عقد من الزمن. استغل المتطرفون العنيفون الفراغ الأمني الناتح عن ذلك فتصاعدت الهجمات عبر منطقة الساحل. شهدت الأشهر الستة الأولى من عام 2022 أ زيادة دراماتيكية في الهجمات، خاصة في منطقة ليبتاكو-غورما وامتدت إلى ساحل غرب إفريقيا. أكثر من ألفي مدني قُتلوا خلال هذه الفترة، بزيادة قدرت بأكثر من 50٪ مقارنة بعام 2021. وقد استهدفت العديد من الهجمات على وجه التحديد بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، والتي أطلق عليها اسم “الأمم المتحدة ذات المهمة الأكثر خطورة لحفظ السلام”. وبدلاً من الدعم الفرنسي، طلب المجلس العسكري المالي المساعدة الأمنية من مجموعة فاغنر، وهي منظمة مرتزقة روسية تشارك في سياقات هشة أخرى بما في ذلك جمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا وموزمبيق والسودان وسوريا وأوكرانيا. منذ دخولها إلى القارة السمراء في ديسمبر 2021، نشرت مجموعة فاغنر ألف مرتزق في مالي متمركزين في خمسة عشر موقعا استيطانيا، بما فيها القواعد الفرنسية السابقة. كان شهر مارس 2022 هو الشهر الأكثر دموية الذي سجله مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح منذ عام 1997، بالتزامن مع تجدد النشاط من قبل تنظيم الدولة الإسلامية على طول الحدود بين النيجر ومالي ومذبحة مورا في وسط مالي. وفي 23 مارس، أطلق جنود ماليون برفقة مرتزقة روس من مجموعة فاغنر هجوما لمدة خمسة أيام على البلدة للقضاء على المسلحين الإسلاميين، مما أسفر عن مقتل أكثر من ثلاثمائة مدني. تدهورت آفاق جهود محاربة الإرهاب الإقليمية والدولية بشكل أكبر في ماي 2022 عندما قامت الحكومة المالية رسميا بإنهاء العمل بمعاهدة التعاون الدفاعي مع فرنسا إلى جانب اتفاقية وضع القوة التي كانت تحكم فرنسا سابقا وعمليات الاتحاد الأوروبي في البلاد. وانسحبت الحكومة العسكرية في مالي أيضا من منطقة دول الساحل الخمس (G5)، وبذلك قللت بشكل كبير من قدرة المنظمة على مكافحة الإرهاب. في يونيو، قتلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين 132 قرويا في وسط مالي، بعد هجوم كان الأكثر دموية من نوعه على المدنيين منذ الانقلاب. وفي يونيو 2023، طالبت حكومة مالي برحيل بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، وهي قوة أممية لحفظ السلام. وافقت الأمم المتحدة على ذلك وانسحبت في غضون ستة أشهر، مما أثار مخاوف من فراغ في السلطة وانتكاسات في انتقال مالي إلى الحكم المدني؛ الشيء الذي طالب به المجلس العسكري مراهنا على استفتاء يونيو 2023 كخطوة أولى على هذا المشوار. ولعبت البعثة المتكاملة أيضا دورا رئيسيا في تهدئة الانفصاليين الطوارق، الذين حذروا من أن رحيل الأمم المتحدة سيوجه ضربة قاتلة لاتفاقية السلام. أدت الأزمة الإنسانية الحادة إلى تفاقم التهديد الذي شكله التطرف العنيف على الاستقرار الإقليمي. هرب من النزاع خلال العقد الأخير 2.6 مليون مدني في ليبتاكو جورما و.8 مليون في حوض بحيرة تشاد، مع تدفق مئات الآلاف من اللاجئين إلى البلدان المجاورة. تعتبر دول الساحل باستمرار من بين دول العالم التي تعاني من معضلات معقدة كالفقر وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع معدلات البطالة وأسرع نمو سكاني في العالم. لطالما تم الاعتراف بأزمة حوض بحيرة تشاد باعتبارها موطنا لواحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم بسبب الضرر الجسيم لتغير المناخ وسوء الحكامة في المناطق القروية. درجات الحرارة في منطقة الساحل آخذة في الارتفاع بوتيرة فاقت سرعتها المتوسط العالمي بمرة ونصف، مما أضر بشكل مباشر بسبل عيش الملايين الذين يعتمدون على الموارد الطبيعية. وقد أدى تناقص موارد الأراضي والمياه إلى تزايد التوترات والاشتباكات بين مجتمعات الرعي والزراعة وصيد الأسماك. ولم تساعد المنظمات المتطرفة العنيفة في تفاقم الظروف الإنسانية فحسب، بما في ذلك عن طريق استهداف العاملين في المجال الإنساني، بل استغلت أيضا ظروفا غير آمنة لتجنيد السكان والسيطرة عليهم في منطقة الساحل. وبالإضافة إلى ذلك، تزايدت الاقتصادات الهشة وانتشر النشاط غير المشروع للمتطرفين العنيفين والمنظمات الإجرامية في المنطقة، مما ساهم بشكل أكبر في عدم الاستقرار. في يناير 2023، دعا خبراء الأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق مستقل في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المحتملة التي ارتكبتها القوات الحكومية ومجموعة فاغنر في مالي. وأثبت الخبراء أن “مناخ الإرهاب والإفلات التام من العقاب” هو ما ميزت أنشطة مجموعة فاغنر في البلاد، مشيرين إلى مجزرة مورا في مارس 2022. أصبح مستقبل فاغنر في غرب إفريقيا أقل تأكيدا بعد تمرد الجماعة الفاشل في يونيو 2023 في روسيا، لكن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قال إن روسيا تسمح باستمرار عملياتها الإفريقية. في يوليوز 2023، اتهمت الولايات المتحدة زعيم مجموعة فاغنر يفغيني بريجوزين بكونه يتولى تنسيق قرار مالي بطرد بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي لتعزيز مصالح فاغنر. من جهتها، نفت بوركينا فاسو المجاورة تعاقدها مع مجموعة فاغنر، لكن الرئيس المؤقت قال إن دولة روسيا استراتيجي. في غضون نفس السنة، واجهت قوات الأمن في مالي وبوركينا فاسو محاولات للكشف عن مسؤوليتها عن مذابح ذهب ضحيتها مدنيون. أولاً، في إبريل، ألقى الناجون من مذبحة في بوركينا فاسو اللوم على الجيش لقتله 136 مدنيا. ثم، في شهر ماي، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً اتهمت فيه الجنود الماليين والمقاتلين الأجانب بتصفية أكثر من خمسمائة مدني في عملية مارس 2022. وفي الوقت نفسه، كثفت الجماعات المسلحة الهجمات على القوات التطوعية المدنية سيئة التدريب. انسحاب الأمم المتحدة من مالي زاد من مخاطر أعمال العنف ضد المدنيين، حيث حاولت الجماعات المتطرفة الاستيلاء على المراكز الحضرية كما فعلت في بوركينا فاسو. وجه انقلاب 26 يوليوز في النيجر، التاسع في غرب أفريقيا خلال السنوات الثلاث الماضية، ضربة قوية لجهود مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في منطقة الساحل. تصدت حكومة النيجر لمحاولة انقلاب في مارس 2021، قبل يومين من تولي الرئيس المنتخب محمد بازوم منصبه، لكن محاولة الانقلاب الأخيرة نجحت في الإطاحة به. ورغم الضغط من جانب الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، بالإضافة إلى العقوبات والتهديد بالتدخل العسكري، رفض قادة الانقلاب التنازل عن السلطة معلنين حكومة جديدة. وأعلن أعضاء المجلس العسكري منذ ذلك الحين أنهم سيحاكمون بازوم بتهمة الخيانة؛ علما بأنه يقبعىحاليا في مكان غير معلوم بعد هروب فاشل من منزله في نيامي. ردا على ذلك، قام الاتحاد الأفريقي بتعلق عضوية النيجر، في أول اتصال له بالمؤسسة منذ انعقادها مباشرة بعد الانقلاب. وقد دعمت الأنظمة العسكرية القريبة، غينيا وبوركينا فاسو ومالي، المجلس العسكري الذي تعهد مع المجلسين الآخرين بالتعامل مع التدخل العسكري في النيجر باعتباره “إعلان حرب”. وفي 16 سبتمبر، وقع القادة العسكريون في مالي وبوركينا فاسو والنيجر اتفاق دفاع مشترك، يعزز تحالفهما ضد التدخل الخارجي. أصبحت النيجر آخر رائد في الغرب شريكا في محاربة الإرهاب في منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة بعد سلسلة من الانقلابات في الدول المجاورة، لكن الاستيلاء يهدد بقلب وضعها كقوة حصن ضد فراغ السلطة المتوسع. بعد وقت قصير من الاستيلاء على السلطة، توقف قادة الانقلاب عن التعاون العسكري مع فرنسا التي نقلت قواتها إلى النيجر عام 2022 عندما تدهورت علاقاتها مع مالي. في 22 أكتوبر، أكملت فرنسا انسحاب قواتها من النيجر وأتمت عودتها إلى أرض الوطن، فيما تم نقل المعدات عبر تشاد والكاميرون. وفي المقابل، أشارت الولايات المتحدة إلى أنها ستواصل إقامة علاقات عملية مع المجلس العسكري في النيجر. جاء ذلك بعد فترة وجيزة من تصنيف الولايات المتحدة رسمياً للاستيلاء العسكري على السلطة على أنه انقلاب، مما استلزم تعليق الولايات المتحدة لأكثر من 500 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية. وما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بنحو ألف جندي في البلاد، وقد استأنفت مؤخراً طلعات الطائرات المسيّرة وعمليات محاربة الإرهاب التي تُدار من قواعدها الموجودة هناك. ومع ذلك، يتزايد القلق من أن مجموعة فاغنر الروسية “تستغل” حالة عدم الاستقرار في النيجر لتوسيع نفوذها الإقليمي، كما حذر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بعد الانقلاب. في غضون ذلك، تصاعدت وتيرة العنف المتطرف في منطقة الساحل. وشهدت الأشهر السبعة الأولى من عام 2023 مقتل ما لا يقل عن 7800 مدني، في ارتفاع ملحوظ مقارنةً بعام 2022، وفقا لمشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة. وتتناقض هذه البيانات مع مزاعم المجالس العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بأنها عالجت انعدام الأمن بفعالية. تقف مالي على حافة حرب أهلية مع تعزيز الجماعات الإسلامية ومتمردي الطوارق لسلطتهم في شمال البلاد. ويتزامن تصاعد العنف مع انسحاب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث تضاعفت الهجمات أكثر من مرتين منذ انتهاء المرحلة الأولى من انسحابها في غشت. وقد استغلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الانسحاب بشكل خاص لشن هجوم جديد، حيث فرضت حصارا على مدينة تمبكتو الشمالية ونفذت سلسلة من الهجمات على أهداف عسكرية ومدنية. في الوقت نفسه، أعادت مالي نشر قواتها في الشمال الشرقي مع تصاعد حدة الاشتباكات مع متمردي الطوارق المنتمين إلى تحالف حركات أزواد. ويُقال إن مجموعة فاغنر تقود الهجوم المالي للسيطرة على معقل المتمردين في كيدال. امتدت أعمال العنف الأخيرة في مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر المجاورتين. ففي الخامس من سبتمبر، قُتل سبعة عشر جنديا وستة وثلاثون مقاتلا متطوعا في اشتباكات مع مسلحين إسلاميين في شمال بوركينا فاسو. وبعد أقل من شهر، قُتل تسعة وعشرون جنديا في هجوم شنه تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (داعش-الغرب) في غرب النيجر. وقد أدى تفاقم عدم الاستقرار إلى تراجع متزايد في الديمقراطية، حيث تكافح الحكومات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر لاستعادة السيطرة في أعقاب تراجع الدعم الدولي.
#أحمد_رباص (هاشتاغ)
Ahmed_Rabass#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اليوم 28 من الحرب على إيران: طهران تطرح خمسة مطالب غير قابلة
...
-
علي بوعبيد لا يتعاطف لا مع إيران ولا مع أعدائها
-
اليوم 27 من الحرب على إيران: إسرائيل تدعي أنها قتلت قائد الب
...
-
اليوم 26 من الحرب على إيران: أمريكا بين الترحيب بالمفاوضات و
...
-
إخماد حريق مصفاة فاليرو بينما ظلت أسبابه غير معروفة
-
اليوم 25 من الحرب على إيران: مقتل مغربي يعمل لدى القوات المس
...
-
اليوم 24 من الحرب على إيران: ترامب يدعي حدوث اختراق بينما تر
...
-
اليوم 23 من الحرب على إيران: غروسي يحاول ترتيب جلسة تفاوض بي
...
-
فرنسا: اعتقال -گانيتو- الشاب ذي الأصول المغربية بعد هروبه من
...
-
اليوم 22 من الحرب على إيران: دمار وقتلى بمدينة عراد وكاتس يت
...
-
أزمة النخب في المغرب.. محاولة في التحيين
-
اليوم 21 من الحرب على إيران: ترامب يطلب من الكونغرس 200 مليا
...
-
المخرج السينمائي الأيراني محمد رسولوف يتمكن من الهروب من بلا
...
-
القاتل الاقتصادي جون بيركنس يعترف بجرائمه
-
اليوم 20 من الحرب على إيران: منشآت الغاز المسال بالمنطقة تلت
...
-
النسخة الثانية من “المنتدى الوطني للمدرس” تثير عدة انتقادات
...
-
وفاة الكاتب والباحث المعجمي عبد الغني ابو العزم
-
ارتفاع تكلفة الوقود بأوربا التي رفضت مساعدة ترامب على فتح مض
...
-
اليوم 18 من الحرب على إيران: إسرائيل تعلن عن مقتل علي لاريجا
...
-
فوائد القراءة لا تعد ولا تحصى
المزيد.....
-
العراق.. 5 قتلى من الشرطة والحشد واستهداف لمقرات نيجيرفان وم
...
-
مقال بنيويورك تايمز: إيران تعتقد أنها قادرة على كسب حرب طويل
...
-
الصحفي دومينيك واغورن: رصدت الأحداث من داخل إيران وأعرف لماذ
...
-
كيم يشرف على اختبار محرك صواريخ -هدفها الوصول لأميركا-
-
دفاعات الإمارات تتعامل مع اعتداءات صاروخية ومسيرات إيرانية
-
نبض أوروبا: دول أوروبا لا تدعم حرب إيران لكنها تلعب دورا حاس
...
-
هل باتت دفاعات أوكرانيا وخبراؤها أهدافا لإيران؟
-
باريس تشتبه في علاقة بين الهجوم المحبط ضد بنك أمريكي والحرب
...
-
استطلاع: فانس يتصدر ترشيحات المحافظين لرئاسة الولايات المتحد
...
-
-كذب في كل شيء-.. حرب إيران تؤزم علاقة ترمب بشباب ماغا
المزيد.....
-
حين مشينا للحرب
/ ملهم الملائكة
-
لمحات من تاريخ اتفاقات السلام
/ المنصور جعفر
-
كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين)
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل
/ رشيد غويلب
-
الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه
...
/ عباس عبود سالم
-
البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت
...
/ عبد الحسين شعبان
-
المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية
/ خالد الخالدي
-
إشكالية العلاقة بين الدين والعنف
/ محمد عمارة تقي الدين
-
سيناء حيث أنا . سنوات التيه
/ أشرف العناني
-
الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل
...
/ محمد عبد الشفيع عيسى
المزيد.....
|