مراسلات أممية
الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 00:48
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
أترى العناد قد وُلِدَ معي؟
عنادُ ما يبدو اليوم ضربًا من الجنون
عنادُ مواجهة العدو
عنادُ أن أعيش بلا ثمن
سيلفيو رودريغيز El necio
لا تمر كوبا بأزمة اقتصادية بسيطة. إنها تخضع لعملية خنق محسوبة. لا يتعلق الأمر بـ«سياق غير مناسب» ولا بمجموعة من الأخطاء الداخلية: إنه ميزان قوى مفروض من الخارج، تدعمه الولايات المتحدة كسياسة استراتيجية طويلة الأمد.
تعيش الجزيرة حربا اقتصادية دائمة منذ أكثر من ستة عقود: عقوبات، تضييق مالي، وفرض عقوبات على أطراف ثالثة إن تعاملت معها، ثم الحصار الطاقي وهو عنصر حاسم اليوم. إن اختزال الوضع الحالي في «استنفاد النموذج» يعني القفز على الجوهر: إن واشنطن لا تدبر خلافات، بل تنظم آلية للإطاحة بالنظام. ظل هدفها دائما كما هو منذ إعلانه في ستينيات القرن الماضي: إحداث الخصاص، وإشاعة حالة من السخط، وفرض شكل جديد من الخضوع. لكن المرحلة الحالية واضحة أكثر، فهي تتمثل في صنع أزمة اجتماعية وأزمة دولة تمهد الطريق أمام مخرج مضاد للثورة عن طريق الاستنزاف، يتم تقديمه باعتباره «تطبيعا».
بعد زوال الكتلة السوفياتية، لم يتراجع الحصار بل أصبح مؤسسيًا وأكثر توسعا. عززت القوانين الخارجية نظام عقوبات لا يعاقب كوبا فحسب، بل يعاقب كذلك أي شركة أو بنك أو دولة تحاول إقامة علاقات طبيعية معها. لا يتعلق الأمر بنزاع بين بلدين: إنه آلية شاملة تهدف إلى تأديب البلد. بعبارة بسيطة: تحوز الأزمة الكوبية على مركز ثقل خارجي، وأيضا على مركز ثقل داخلي، لكنه خاضع لهذا الضغط.
كان إدراج كوبا في القائمة الأمريكية للبلدان التي تدعم ما يسمى بالإرهاب هو الخطوة الحاسمة في المرحلة الأخيرة. ترتب عن هذا الامر طرد كوبا من النظام المالي الدولي: أقفلت بنوك عملياتها، وتم تجميد تحويلات، وأصبح من المستحيل الحصول على قروض وتأمينات تجارية. على سبيل المثال، أوقف بنك BNP Paribas، الذي كان يتعامل مع كوبا حتى عام 2014، عملياته بعد أن فُرضت عليه غرامة قدرها 8.9 مليار دولار؛ وبالمثل، في عام 2018، فُرضت على بنك Société Générale غرامة قدرها 1.34 مليار دولار. إن الأمثلة عديدة، ولكن الأهم هو الأثر العقابي: فهناك بنوك أخرى تمارس الرقابة الذاتية على نفسها حتى لا تخاطر بفقدان الوصول إلى سوق أمريكا الشمالية، وهكذا، رفض أكثر من أربعين بنكًا أجنبيًا، بين مارس 2024 وفبراير 2025، إجراء معاملات مع مؤسسات مصرفية كوبية؛ ورفضت خمسة بنوك على الأقل معالجة المدفوعات - دون سابق إنذار - عندما حاولت كوبا شراء مواد أساسية.
في الممارسة العملية، حُرمت البلاد من إمكانية تمويل تنميتها، واقتصرت على تدبير قصير الأجل دون هامش حقيقي للتخطيط. إن البلد الذي يُمنع من الحصول على القروض لا يواجه صعوبات فحسب، بل يُدفع إلى البحث الدائم عن البقاء على قيد الحياة فقط.
منظومة الحصار
ليس الحصار حادثة تاريخية، إنه بنية تراكمية. منذ عام 1962، أضافت كل مرحلة من مراحل السياسة الأمريكية طبقات إلى الحظر الأصلي. واشتد الضغط بعد سقوط الاتحاد السوفيتي – حين فقدت كوبا شريكها الرئيسي –. فرض قانون توريتشيلي (1992) قيوداً صارمة على التجارة غير المباشرة. وشكل قانون هيلمز-بورتون (1996) قفزة نوعية من خلال جعل الكونغرس يتحمل مسؤولية الحصار وتوسيع نطاقه خارج الحدود الإقليمية، مما مهد الطريق لفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع الممتلكات التي تم تأميمها بعد الثورة.
أصبح الحصار منظومة قانونية صارمة، وصُمم لأن يدوم.
لم تؤد الفترة القصيرة من التهدئة في عهد أوباما إلى تفكيك هذه المنظومة. بل عززتها إدارة ترامب بفرض عقوبات جديدة، وتم تقييد السياحة، وفرضت قيود على تحويل الأموال، واتخذت تدابير تعرقل إمدادات الوقود. وقد عزز تصنيف كوبا كدولة داعمة للإرهاب هذه المرحلة القسرية من خلال تفعيل آليات تلقائية للإقصاء المالي.
ليس الامر تأويلا، فمنذ ستينيات القرن الماضي، حددت العقيدة الأمريكية نفسها الهدف في الحرمان المادي المتعمد - الجوع واليأس والسخط - كوسيلة لكسر السيرورة الثورية.
أزمة وتفاوتات في سياق خانق
سيكون تناول الوضع سطحيا إذا اختزلنا الوضع الكوبي في الحصار وحده. فالحرب الاقتصادية لا تمحو التناقضات الداخلية: بل تزيدها حدة.
تكمن النقطة الحرجة في الوقت الحالي، في كون الخنق المالي تم تعزيزه بحصار طاقي، مما يزيد من حدة الأزمة. لا يتعلق الأمر فقط بـ «انقطاعات الكهرباء»: فعندما ينقص الوقود، لا تنطفئ المصابيح فحسب؛ بل يتوقف النقل، وتنقطع سلسلة التبريد، ولا تصل المياه، وتتأخر المدخلات في الوصول، وتصبح كل رحلة أكثر تكلفة، وتصبح الحياة اليومية أسيرة الترشيد. هذا ما يجعل الخنق تجربة مباشرة.
يؤثر هذا بشكل مباشر على إعادة الإنتاج الاجتماعي. تفرض النُّدرة ترشيد إنتاج الكهرباء ويؤثر على الخدمات الأساسية؛ تعتمد المستشفيات وأنظمة إمدادات المياه على أجهزة الطوارئ التي تصبح أكثر هشاشة في غياب الوقود. المشكلة إذن ليست نفسية، بل مادية. ما هو على المحك هو إمكانية الحفاظ على الحياة الطبيعية في ظل الحصار.
يحد انخفاض عائدات السياحة -وهي المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية - من القدرة على الاستيراد. تدهورت القدرة الشرائية، فيما تؤثر التوترات النقدية على قطاعات واسعة. فالسخط حقيقي، لا ينبغي إنكاره، لكنه ليس تقدمياً بشكل آلي: ففي حالة الخنق، يبقى الاحتجاج الاجتماعي ساحة للنضال. ويمكن أن يغذي مطالب بالعدالة الاجتماعية، أو أن يتم استغلاله لتغذية خيار العودة إلى الوضع السابق، بوعد «حلول سريعة» عبر التبعية المالية.
في هذا السياق، تصبح التفاوتات أكثر وضوحاً مما كانت عليه في العقود السابقة. لقد أدى الانفتاح على المبادرات الخاصة (الصغيرة أو المتوسطة) والوزن المتزايد لتحويلات الأموال إلى تفاوتات اجتماعية مرتبطة بالقدرة على الوصول إلى العملات الأجنبية. تركز القطاعات المرتبطة بالسياحة أو الأنشطة الخاصة المربحة موارد لا يمكن للآخرين الوصول إليها. ويعزز اعتماد الدولار الجزئي لبعض القنوات التجارية هذا التجزؤ.
لا يتعلق الأمر بعودة مفتوحة إلى الرأسمالية، أو بتعزيز برجوازية مهيمنة، بل بتوترات تؤثر على التصور اليومي للعدالة والمساواة. سيكون إنكار هذه التوترات أمرا لا مسؤولا؛ أما المبالغة في تقديرها إلى درجة الإعلان عن انهيار وشيك، فذاك أقرب إلى سردية الخصم منها إلى تحليل جاد.
ومع ذلك، لا تبقى كوبا سلبية. فالموارد المحدودة، تدفع البلاد باتجاه تحول طاقي بهدف تقليل اعتمادها على الخارج، عبر توسيع الطاقة الكهروضوئية، وتعديلات تنظيمية لأجل تطوير الطاقات المتجددة، واتفاقيات دولية للبنى التحتية للطاقة الشمسية. هذا التوجه لا يحل المشاكل الناجمة عن الحصار، لكنه يغير ميزان القوى من خلال الحد من تأثير الابتزاز بالوقود، مما يتيح هامشاً لتثبيت الإنتاج والحياة الاجتماعية.
كل هذا يحدث في ظل اقتصاد يعاني من قيود شديدة، مع نظام ضمانات اجتماعية، على الرغم من ضعفه، لا يزال يضمن الوصول الشامل إلى الرعاية الصحية والتعليم ومعدل توظيف مرتفع -في حين أن التقشف والهجمات على ظروف عيش العمال/ات أصبحت أمراً شائعاً في العالم الرأسمالي» المتقدم».
المشاركة السياسية تحت الضغط
لا يمكن قراءة انتفاضات عام 2021 على أنها انفجار مجرد أو فقط «صحوة ديمقراطية». إنها تعبير عن جيل ولد في خضم السيرورة الثورية وعاش دائمًا في ظل إجراءات استثنائية مطولة: قيود مادية مستمرة، ووعود بالتحسن تتأجل دائمًا، وآفاق تقدم ضيقة بسبب الضغط الخارجي المستمر.
هذا ليس جيلًا «للثورة المضادة». إنه جيل نشأ في ظل الأزمة. وهذا فرق مهم.
أدت الهجرة – التي كانت في الغالب اقتصادية، على الرغم من عواقبها السياسية – إلى إفراغ الأحياء، وتفتيت الشبكات الأسرية، وتآكل الانتظارات. إن الإجهاد حقيقي، والإحباط كذلك.
يحول التحليل الليبرالي هذا التآكل إلى تشخيص آلي لفشل منظومي. وهو يقيس التجربة الكوبية بمقياس الديمقراطية الليبرالية كما لو كانت معياراً عالمياً، في حين أظهر هذا النموذج حدوداً صارمة، سواء في المشاركة الشعبية الفعلية أو في ضمان ظروف معيشية كريمة. وهو ما أدى، في أوروبا والمنطقة ما بعد السوفياتية، إلى تناوب على للسلطة دون تحول هيكلي، إلى درجة أنه شجع على ظهور أنظمة استبدادية. ويبدو هذا المسار الآن أفقاً لا مفر منه في كوبا.
لكن الاختصار التحليلي لا يفسر: إنه يبسط. فكوبا ليست ديمقراطية متعددة الأحزاب. لقد تم بناء نظامها السياسي على أسس أخرى: حزب واحد، ومنظمات جماهيرية، وآليات استشارة ومشاركة تختلف عن البرلمانية البرجوازية. يمكن مناقشة طريقة عمل النظام وحدوده، لكن اختزاله إلى صورة كاريكاتورية استبدادية يتجاهل السياق الذي يعمل فيه.
لم تكن شرعية النظام الكوبي قائمة على التناوب الانتخابي التنافسي، بل على قدرته التاريخية على التصويب والتكامل العضوي بين هياكل الدولة والنسيج الاجتماعي. يجب مناقشة هذا الآلية، لكنها ليست غير موجودة ولا شكلية بحتة.
في سياق حصار طويل الأمد، يتقاطب المجال السياسي حول معضلة مادية – الاستقلال أو التبعية – مما يقلص بشكل كبير المجال السياسي للبدائل اليسارية. عندما يتصرف الخصم بفرض عقوبات وتمويلات انتقائية وحرب إعلامية، قد يُستغلّ البُعد السياسي الخارجي من قبل أنصار تغيير النظام. لهذا السبب، لا يمكن لنقد يساري يطمح أن يكون فعالاً أن يقدم نفسه على أنه «طريق ثالث مجرد» منفصل عن الصراع الرئيسي: يجب أن يكون موجوداً في قلب الديناميكية السياسية الحقيقية، يصارع على التوجه والأولويات والرقابة الشعبية وتصويب التفاوتات انطلاقاً من قاعدة تقرير المصير.
ولهذا الأمر أهميته: فالمحتوى الجماهيري للمنظمات القائمة – النقابات، والهياكل الإقليمية، وفضاءات الشباب، والحزب نفسه – يمكن أن يسمح بحياة سياسية أكثر انفتاحاً في ظروف طبيعية. لكن الضغط الخارجي يدفع في الاتجاه المعاكس: فهو يولد ردود فعل دفاعية ويضيق هامش التجريب. وتتمثل المهمة في النضال من أجل هذه الهوامش دون إعطاء مجال للعدو.
كوبا وإعادة تشكيل الإمبراطورية
لا يمكن فصل الهجوم الحالي عن الوضع العالمي الحالي. تواجه الولايات المتحدة سيناريو أقل ملاءمة مما كان عليه الحال في السنوات التي أعقبت الحرب الباردة. إن بروز الصين، واستمرار قوة روسيا، وتفكك النظام الدولي، كل ذلك يقوض هيمنتها. في هذا السياق، أصبح إعادة تأكيد السيطرة على أمريكا اللاتينية أولوية.
إن تشديد الحصار على كوبا، والعقوبات والحصار العسكري على فنزويلا – وصولا لخطف رئيسها وزوجته –، فضلاً عن الضغط المستمر على الحكومات التي تحاول فتح هوامش للاستقلالية، كلها أمور تندرج في منطق مشترك: الحيلولة دون توطد على مستوى القارة تلك التجارب التي تعيد النظر في التبعية البنيوية.
إن ضرب كوبا يؤدي وظيفة نموذجية: كانت الثورة الكوبية – ولا تزال – في جوهرها سيرورة تحرر وطني قطعت علاقة التبعية السياسية والعسكرية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، وفعلت ذلك من خلال إعادة تنظيم اجتماعي جاء من القاعدة. لم يكن الإصلاح الزراعي، وتعميم الرعاية الصحية والتعليم، ومحو الأمية، وبناء دولة اجتماعية، وتأكيد سياسة خارجية مستقلة مجرد «سياسات عامة» معزولة: بل كانت تجسيداً لحق تقرير المصير التي تم انتزاعه.
لهذا السبب تظل التجربة الكوبية ملهمة، حتى عندما تمر بأزمات: لأنها تجسد إمكانية خطيرة على النظام الإمبراطوري، وهي إمكانية خروج بلد هامشي من الإطار المفروض عليه، مع ضمانه للحقوق الاجتماعية الشاملة، وحفاظه على هامش حقيقي لاتخاذ القرارات في مواجهة الوصاية الخارجية. هذه القوة التاريخية – أكثر من أي شعار – هي ما يسعى البعض إلى معاقبته: ليس كوبا فحسب، بل الفكرة نفسها بأن التحرر الوطني يمكن أن يمهد الطريق لتحوّلات اجتماعية عميقة.
إذا لم تنجح 60 سنة من الحصار في القضاء على هذه التجربة التاريخية لتقرير المصير، فإن الخضوع ليس حتميا. إذا كان على كوبا أن تنهار بسبب الإرهاق الاقتصادي، فسيكون ذلك إشارة تاريخية على مستوى القارة: هزيمة ذات آثار مماثلة – على مستوى أمريكا اللاتينية – لما مثله عام 1991 بالنسبة للمعسكر التحرري، من حيث وظيفتها في فرض الإكراه.
إن الدعم الدولي للجزيرة محدود. تحافظ الصين وروسيا على علاقاتهما، ولكن وفقاً لحساباتهما الاستراتيجية الخاصة. تمر أمريكا اللاتينية بمرحلة مختلفة تماماً عن الدورة التقدمية التي شهدتها في بداية القرن، وتعيش عزلة أعمق مما كانت عليه في فترات أخرى، لكنها ليست عزلة مطلقة.
التضامن والنزاع القاري
تواصل بعض الدول إظهار التضامن على الرغم من الضغط الأمريكي، ولا سيما المكسيك؛ واحتجت دول أمريكية لاتينية أخرى علناً، لكنها استسلمت عمليا للوضع. لكن الأهم من ذلك هو تلك المبادرات التي بدأت في التشكل من القاعدة: لا شك أن اللقاء المناهض للفاشية ولأجل سيادة الشعوب الذي سينعقد في بورتو أليغري (مارس 2026) سيكون محوره الرئيسي التضامن الضروري مع كوبا، فيما بدأت حملات ضد الحصار تشق طريقها.
وبنفس المنطق، بدأ تنظيم أسطول تضامني - مستوحى من الأسطول الذي تم حشده لتقديم المساعدة للشعب الفلسطيني والتشهير بالإبادة الجماعية في غزة - من أجل تحدي ليس فقط الحصار الاقتصادي في منطقة البحر الكاريبي، بل أيضاً الحصار الإعلامي الذي يسعى إلى عزل الجزيرة.
لا تزال هذه السيرورات مجزأة، لكنها تشير إلى مهمة استراتيجية: جعل الحصار له تكلفة سياسية، وإخراجه من المجال «التقني» ووضعه في قلب المواجهة العامة. إن الحاجة إلى التضامن مع الشعب الكوبي لا يمكن أن تكون إلا أكثر إلحاحاً.
الدفاع عن كوبا هو الدفاع عن الحق في الوجود
إن الوضع الكوبي ليس بسيطاً: فهو ليس «فشلاً محتوما»، ولا ديكتاتورية بيروقراطية كاريكاتورية، ولا ملحمة جامدة. إنها تجربة تاريخية تخضع لضغط شديد، وتمر بالعديد من التناقضات، وتتسم بقدرة على الصمود تنفي كل التوقعات بالانهيار على مدى ستة عقود.
يحاول الخنق الاقتصادي الحالي إثبات أنه لا يمكن لأي شعب في القارة أن يقرر مسار تنميته إذا كان هذا المسار يخرج عن الحدود التي تضعها الهيمنة الأمريكية. هذه الرسالة لا توجه إلى هافانا وحدها: إنها موجهة إلى كل من يطمح إلى تنظيم اقتصاده وموارده وحياته السياسية دون خضوع.
إن الدفاع عن كوبا لا يعني إنكار مشاكلها أو إنهاء النقاش حول التغييرات اللازمة؛ بل يعني الاعتراف بأن الصراع بنيوي وأن نتائجه تتجاوز حدود الجزيرة.
في كوبا، هناك شيء أعمق على المحك: إمكانية أن تمارس الشعوب اللاتينية، في ظل ظروف حقيقية، حقها في تقرير مصيرها. لهذا السبب لا يمكن أن يكون التضامن مجرد مبدأ: بل يجب أن يترجم سياسياً – بتفكيك الحصار، وإدانة النفوذ الأمريكي خارج الحدود، وخوض جدل حول معنى الازمة الاجتماعية – والحفاظ على دعم نقدي لا يترك كوبا وحدها في مواجهة هجوم بنيوي.
يتمثل الواجب الأممي الأول في كسر الحصار. وهذا يعني النضال ضد الحصار باعتباره سياسة حرب، وتخريب الدعاية الجارية في بلداننا التي تعتبر خنق كوبا «دفاعا عن الديمقراطية». لا يمكن الحفاظ على أي تقرير مصير إذا تم التطبيع مع الخنق.
في الوقت نفسه، يجب أن نقولها بوضوح: إن الدعم النقدي ليس حياداً. يمكن ويجب أن تكون هناك انتقادات للامساواة الناشئة أو للقرارات المثيرة للجدل؛ لكنها لا يمكن أن تصبح ذريعة للعدوان أو لغة يتم استعارتها من استراتيجية تغيير النظام. إن الانتقاد لا يعني – ولا يمكن أن يعني – فتح الباب أمام الإمبريالية أو تسهيل هجومها: بل يعني الدفاع عن الحق في اتخاذ القرار دون وصاية ومناقشة التحولات انطلاقاً من هذا الأساس.
وأخيراً، لا يمكن حل الأزمة بالبيانات، بل يتم الصراع حولها بقوى اجتماعية ملموسة، وبتنظيم ووساطات قادرة على تحويل الاستياء إلى مشروع، وبالدفاع عن الحياة المشتركة في مواجهة التفكيك الذي يفرضه الخنق. إذا كان الهدف من الحصار هو إثارة اليأس والاستسلام، فإن المهمة هي تحقيق العكس: القدرة الجماعية، والتضامن المادي، والأفق السياسي.
وفي هذه المواجهة، ليس الحياد بريئاً.
نيكولا مينا
20 فبراير 2026
مجلات الأممية الرابعة
بالعربية
https://alomamia.org/
بالانكليزية
https://internationalviewpoint.org/
بالفرنسية
https://inprecor.fr/
#مراسلات_أممية (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟