احمد شحيمط
كاتب في مجالات عدة كالفلسفة والاداب وعلم الاجتماع
(Ahmed Chhimat)
الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 00:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ما كان للحرب أن تقع لو اختار ترامب صوت السلام والحكمة، لو أنصت ترامب لصوت القانون الدولي الداعم للتفاوض وحل المعضلات بالطرق السلمية لكان الأمر أفضل بعيدا عن لغة التهديد والتقويض، ترامب الزعيم السياسي والإمبراطور الذي رفع شعار السلام بالقوة، وشعار أمريكا أولا عندما اعتلى سدة الحكم بعد مخاض طويل من الصراع مع الحزب الديمقراطي، والصراع مع الإعلام واليسار الراديكالي، انتهى فجأة لاختيار القوة الصلبة في التعاطي مع ملف الشرق الأوسط، يتباهى كما العادة بمنع الحرب العالمية الثالثة، ومنع حروب عديدة، وقال لو كنت رئيسا لمنعت الحرب بين روسيا وأوكرانيا. فكيف ينتهي ترامب نحو المشاركة في حرب موسعة ضد إيران؟ كيف استطاع نتانياهو بذكائه ومكره أن يجر ترامب في الدخول للحرب على إيران؟أسئلة مشروعة للراهن وتحليل للموقف في فهم أعمق لفكرة الاقتناع بضرب إيران، ولن يكون قصفها كما يدعي خصومها إلا بهدف الإجهاز على برنامجها النووي، والحد من قدرتها وقوتها في التهديد لأمن إسرائيل، وأمريكا تمتلك من العدة والقدرة ما يجعلها تفكك أوصال إيران بالردع من خلال إسقاط نظامها والزيادة في عزلتها السياسية والاقتصادية، عندما يتم تشكيل تحالف دولي بين أطراف مناوئة. هنا تبدأ القصة، والحرب التي بدأت فصولها الأولى بإيران تتوسع، تنتهي بالتداعي والسقوط، سقوط الزعيم ترامب في حرب بلا أهداف، دون إدراك ترامب لعواقب الحرب على المنطقة والعالم، تداعيات الحرب على القانون الدولي، تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، تداعيات الحرب على التحالفات الدولية وانقسام الأمم . ومن أشد التداعيات انهيار السلام الهش .
إذا كنت مفكرا وتجيد قراءة الوقائع السياسية من زمن بعيد، هناك تقاطعات بين إيران وأمريكا في ملفات عدة، منها العراق وأفغانستان، وإذا كنت مولعا بقراءة عميقة في الجغرافية السياسية، لا مفر من تحليل التحالفات الدولية، وتشخيص مراكز القوة والنفوذ في العالم، وذلك الاستقطاب الكبير للكيانات المتحالفة والمناوئة، صراع ظاهر على الموارد الطبيعية، والصراع على الحكم والزعامة للعالم، فكرة القيادة لا تخلو من الهيمنة والقوة في حكم العالم، فكرة الاصطفاف، وفكرة التحرر من قبضة الهيمنة، من المحاور الراغبة في فك الارتباط بالعولمة والفكر الليبرالي نحو ميلاد عالم متعدد الأقطاب، هذا العالم الذي بدأ يتشكل بإنشاء منظمة "البريكس"، وبدأت تظهر بوادره السياسية والفكرية كذلك في عودة أمريكا نحو ذاتها من خلال مبدأ "أمريكا أولا"، من خلال الزيادة في الرسوم الجمركية، والحرب على الهجرة غير النظامية، وتقويض الأنظمة المضادة كما وقع في فنزويلا، والتهديد لزعماء أمريكا اللاتينية وأطماع أمريكا في غرينلاند، الزعيم ترامب، إمبراطور يعشق الإملاء والرضا عن البلدان، والقفز على القانون الدولي، أن تأتي طوعا وكرها، أن تأتي بالوعد والوعيد، أن تدفع مقابل الحماية، ولا أمن وسلام إلا مقابل المعادن النفيسة، والزيادة في الاستثمار، وفتح الأسواق للشركات الأمريكية، عين الإمبراطور على الصين، العين التي لا تنام تترقب المؤشرات، والتحركات أمام صعود اقتصادي كبير، أمام تمركز الصين في قلب آسيا وإفريقيا، يد التنين الصيني ممدودة للكل، الصين تقود العولمة في شقها التجاري والاقتصادي، وخواطر الرئيس ومزاجه الفكري والعاطفي مهم في نيل التعاطف، أو تنتظرك العقوبات والحرمان من امتيازات السوق من خلال فك الشراكة في العلاقات ذات الطبيعة المادية أو ينالك الحصار بأشكاله.
قواعد الإمبراطور ترامب نجحت في تحقيق السلم بالقوة، إرغام بعض القوى المتحاربة للجلوس من أجل الحوار والتفاوض، وضع زمن محدد للحرب القائمة في غزة، اتفاقيات السلام بين الهند وباكستان، واقتراح إنشاء مجلس السلام، وفي لحظة معينة تنهار فلسفة ترامب ورغبته في حل المعضلات سلميا، ويبدأ عصر الأزمات من جديد، تتداعي الأشياء النافعة، يسقط القناع، وتسقط فكرة التقارب والتعايش، وكأن مصير العالم تقرره قوى لا مرئية، قوى تنسج خيوط السياسة الدولية بعيدا عن المؤسسات وشفافية القوانين، هناك تحول في الغايات والنوايا للهيمنة والإرغام، تحمل السيطرة مشاريع قائمة على رؤى دينية وتاريخية، تحمل أهداف للزعامة الدولية، في لحظة سريعة تغيرت مواقف الزعيم ترامب من سياسته بفعل رجل غريب الأطوار، يحارب العالم، رئيس تسكنه هواجس بعيدة في التاريخ قائمة على نبوءة توراتية، قائمة على وهم إسرائيل الكبرى، أن يصير سيدا على الشرق الأوسط، ويتحقق هذا الحلم التاريخي والديني، ويعود اليهود في أصقاع العالم إلى أرض الميعاد، الوسيلة الممكنة أن يكون الإمبراطور ترامب وسيلة لغايات معينة، وإذا اختلفت الأهداف والنوايا، تلتقي الأهداف في سيطرة إسرائيل إقليميا بإزاحة القوى الصاعدة، منها إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، والهيمنة لأمريكا دوليا بأي ثمن، وبكل الوسائل دون العودة للأمم المتحدة، ودون أي سند قانوني، وبتالي تفقد الحرب مصداقيتها، ويتنصل منها الغرب الأوروبي، وتتصاعد صيحات الرفض .
همسات في أذن الزعيم بصوت خافت، وخطاب بصوت عال، وما يقال في الهمسات دليل على الرقة والصوت الهادئ في الإقناع والاستمالة بفكرة معينة، ما تحمله من عواطف ومشاعر ومواقف اتجاه خصم أو عدو شديد يهدد الوحدة والوجود، الكلام الخافت لا يخفي نزوع إسرائيل نحو الحرب مع إيران منذ زمن طويل، حرب دوافعها دينية وتاريخية، معركة"هيرمجدون" وعودة المخلص، حرب نهاية الزمان، والحرب بين الخير والشر، والتقابل بين النور والظلام، حرب تعززها النبوءة التوراتية وسفر التكوين، همسات في أدن الإمبراطور تشعل حربا بلا نهاية أو حرب بداية النهاية للإنسان، عندما تتطور وتصير كالنار في الهشيم، ولا تقوى المؤسسات الدولية على منعها، الحرب التي يختلط فيها الحق بالباطل، والحرب التي تتشابك في واقعها المواقف، ويتيه فيها الإنسان بين الصدق والكذب، بين الخطاب الإعلامي والخطاب السياسي، أمام المناورات السياسية، وأمام القصف المتبادل، تطول الحرب، وتتوسع وتشمل المنطقة العربية، تارة في قصف القواعد الأمريكية، بدعوى انطلاق الهجمات، وتارة تحت دافع تعميم الحرب، سلوك انتحاري من القفص العشوائي للبنية التحتية، سلوك اندفاعي يتولد عنه تنامي العداء والاحتقان، يرغب الطرف الإيراني في شمولية الحرب، ويرغب الأمريكي والإسرائيلي أن يكون العرب طرفا في الحرب واللعبة السياسية، هنا تنذر الحرب بالخطر المحدق كلما زاد الصراع لهيبا، كلما زادت المخاوف من التهديد للموارد الطبيعية، والمنشئات المدنية والمؤسسات.
همسات مكررة في أذن ترامب عن تهديد إيران وأذرعها في المنطقة، همسات أقنعت زعيم أمريكي لأول مرة بالسير قدما نحو الشرق، وركوب أمواج البحر من خلال السفن الحربية في تقويض أركان النظام الإيراني، نجحت أمريكا في تصفية المرشد، ونخبة من القادة العسكريين، لم تصر الحرب نزهة قصيرة، ومدة معينة من الزمن، بل الحرب تكتيك واستنزاف، وقصف من الجو وإرسال صواريخ ومسيرات، وتلغيم البحر، الحرب تستهدف ما هو اقتصادي، تستهدف المعابر والبنايات والمؤسسات بأنواعها، يسكن الناس الملاجئ، يعيش الكل في رعب وترقب بعدما كانوا يعيشون في امن وسلام، كل الأشياء تتداعى وتتساقط، ونحن في البداية، ومن يدري أن يصير الخراب أعم وأشمل، لا قوة في العالم يمكنها وقف الحرب، هناك صراع وجودي يتسع، أوهام الرئيس تكبر في الهيمنة الإقليمية، أولويات الحرب تبدأ من القوى المنافسة، وتتدرج الحرب نحو القوى الأخرى الصاعدة، من الخليج إلى مصر ثم الشام وفلسطين، أوهام الإمبراطور في شل قدرات البلدان وتعطيل التنمية، أوهام الاحتواء، والسبيل في ذلك السيطرة على الموارد في المدى الطويل، احتواء الصين واستنزاف روسيا، والقضاء على الأنظمة الداعمة والراغبة في فك الارتباط بالعولمة .
نعتقد أنها بداية للحرب بين الصين وأمريكا على الريادة، حرب على الأطراف قبل بلوغ المركز، حرب عنوانها من يحكم العالم؟ ليست الحرب إيديولوجية بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشيوعي، ليست حربا باردة أو بالوكالة، إنها حرب على القيادة والزعامة، حرب كبرياء وشعور بالمجد والعظمة، الولايات المتحدة لا تؤمن بعالم متعددة الأقطاب، الصين لا تؤمن بمن يكبح طموحها، أمريكا تتداعى من الداخل، تسابق الزمن في دوام هيمنتها، ودواؤها في الحروب خوفا على التصدع الداخلي من القوميات والهويات القاتلة، تراقب الصين عن كثب ومشروعها في اكتساح العالم من خلال مبادرة"الحزام والطريق" كتهديد وجودي لرمزيتها وقوتها، منطق الصراع من خلال سياسة الاحتواء، سياسة وضع اليد على بترول إيران ومعادنها في نسف الشراكة مع الصين، والتقليل من الموارد الطبيعية على نمو الصناعة وعجلة الاقتصاد، الصراع بدأ من فنزويلا وخطف الرئيس مادورو، لينتقل بشكل سريع نحو الشرق من خلال إقناع ترامب بفكرة نتاتياهو في اقتلاع إيران، وتعبيد الطريق نحو خلق الشرق الأوسط الجديد، وبناء جدار من التحالفات لإزاحة إيران، الدولة المارقة، والخارجة عن سياق العولمة، والقريبة من حلف روسيا - الصين، زيارات "ناتانياهو" إلى أمريكا متعددة، والشكر والثناء على الرئيس ترامب كأفضل زعيم للولايات المتحدة، كلام خافت في السياسة، وحديث دو شجون لا يتم الإفصاح عنه في المنابر الإعلامية، ساهم في تشكيل قناعة بدخول ترامب غمار الحرب، والرجل كان دائما يفضل السلام بالقوة على حق القوة.
همسات من خلال حوار دافئ ونقاش عميق المعاني يقود نحو اقتناع ترامب بجدوى الحرب على إيران لنزع سلاحها النووي، بعدما كانت حرب الإثني عشر يوما غير كافية في القضاء على الطموح النووي الإيراني، وما يزيد الأمر خطورة في الفريق السياسي الأمريكي المنقسم بين الصقور والحمائم، من يرغب في الحل الدبلوماسي على طريقة التفاوض والقانون الدولي، ومن يرغب في القوة وإحياء الحروب الصليبية، كما تبدو عقيدة وزير الحرب الأمريكي "بيت هيغست"، الصليبي الأخير، وزير الحرب من زمن القرن الحادي عشر الميلادي، ينقش على جسده وشوما صليبية، داعم لإسرائيل، عنصري ومتطرف، ولا يمتلك الخبرة والكفاءة في قيادة الجيش، نبرته الحادة اتجاه الإسلام والصين والحزب الديمقراطي كلها حقد وعداء، نماذج للشخصيات في القرن الواحد والعشرين، قرن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، شخصية لا تتناغم وعالم القرية الكونية وحقوق الإنسان، نتاج ثقافة اليمين المتطرف في الغرب، دليل آخر على التصدع والتشقق في الثقافة الغربية الداعمة للتعدد والاختلاف والتسامح.
تتداعى الأشياء، وتندفع الغرائز ويعود المكبوت التاريخي والديني من جديد، بفعل عوامل تتعلق بالجموح والاندفاع نحو القوة، نحو ميلاد فكر ماضوي، ونبوءات توراتية، وأفكار قديمة عفا عنها الزمان، وتم طيها بنهاية عصور التخلف والظلام. من حق الشعوب أن تختار الصفوة من القادة، من يمتلكون الكفاءة الأخلاقية والسلامة الفكرية، أما عندما ينبعث من رحم الشعوب زعماء ليسوا زعماء، تلك علامة على التداعي والسقوط، ومن الحكمة أن يستيقظ الشعب الأمريكي، ويعود إلى جذوره القائمة على قواعد النظام الديمقراطي، وعمل المؤسسات، والمنافسة الحرة، والانتقال السلمي للسلطة، أمريكا في حاجة إلى تقييم عملها بعد سنين من الصراعات والحروب في مختلف أنحاء العالم، أشياء تتداعى وتسقط وبالتالي تعجل بالنهاية لكل إمبراطورية قامت وسقطت بفعل السياسات الخاطئة، الغرب الأوروبي أدرك اللعبة السياسية، أدرك منطق الحرب في الشرق، وهم أدرى بالحروب ودوافعها، رجل واحد يصنع حربا جديدة، يخطط لتشكيل تحالفات في الشرق الأوسط، يرغب أن تكون الحرب بين السنة والشيعة، وأمريكا في حربها ترغب أن تكون التحالفات أكثر للتقليل من خسائرها، وتمويلها للحرب، وهي كما العادة تجني ثمار الحروب في آخر المطاف، عندما تبدأ باستدعاء الوحدات العسكرية من كوريا الجنوبية واليابان وبحر الصين الجنوبي، تجوب الأساطيل الأمريكية العملاقة كل البحار، ويمكن أن تطالب الدول العربية بتمويل الحرب أو التعويض عن الخسائر بدعوى الحماية خصوصا إذا انخرطوا في الحرب، الشرق الأوسط كما يريده نتانياهو خال من القوى المنافسة، تفتيت الشرق الأوسط من خلال الفوضى الخلاقة، والحرب بالتدريج والأولويات، وأعتقد أن إسرائيل في خرقها للقانون الدولي يمكنها تبرير القوة، واستعمال كل الوسائل الممكنة كحق طبيعي مطلق في حفظ البقاء ودوام الوجود، سلاحها النووي لا يقبل التفاوض، واستعماله يدخل في خانة الإمكان والاحتمال، والأيام كفيلة بإظهار النوايا والأفعال .
كل الأشياء تتداعى وينهار السلام الهش، وتدخل الأمم في صراعات لا تنتهي، وينذر ذلك بانهيار التعايش، وينطلق عنان الفوضى والتفتيت للشرق الأوسط بناء على خيال مريض للزعيم السياسي، خيال عقيم لمن يريد إحياء الحروب الصليبية، لمن يعتقد في النبوءة وتطهير الأرض من الشر، لمن يؤمن بالحق المطلق على الآخر، ولا ندري كيف اقنع نتانياهو ترامب بالحرب على إيران، وكم تصمد المنطقة أمام تحديات جسام تستدعي اليقظة والحكمة أمام أطراف بنوايا مختلفة، العرب اليوم في حاجة لوحدة الكلمة واليقظة، والحرب ليست حربهم، إنما تقع على حدود منطقتهم، إيران الجار التاريخي والجغرافي، كل القوى الحية مطالبة في اجتراح الحلول بعيدا عن المذهبية والطائفية من خلال حوار عاقل ورزين، يزيل الاحتقان، يعيد الهدوء للمنطقة، وتلتزم إيران بحدودها والسيادة على ترابها، ليس الخليج في حاجة إلى ولاية الفقيه، تقتضي العلاقة حسن الجوار وتبادل المنافع وعدم الاعتداء، الأمر هنا يستدعي الحكمة والتبصر من الجميع في التمرس مع اللعبة السياسة في دقتها وتشابك خيوطها، الحرص كذلك على تشخيص أهداف العقل السياسي الأمريكي البارع في التخطيط والمناورة .
#احمد_شحيمط (هاشتاغ)
Ahmed_Chhimat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟