أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن والْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-















المزيد.....



الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن والْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 11:58
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ كيمياءُ الإنبات: غرسُ أشجارِ المعرفة السحرية في رحمِ العدم

إنّ فعل غرس أولى أشجار المعرفة السحرية في هذه التضاريس المشيدة من الوعي يمثل الإنتقال من الجغرافيا الساكنة إلى البيولوجيا الميتافيزيقية، حيث لم يعد الوجود الجديد مجرد فضاء للتأمل، بل صار بيئةً حية قادرة على الإنبات والإثمار من جوهر العدم ذاته، فهذه الأشجار التي نعتزم غرسها ليست نباتات مادية تخضع لقوانين التمثيل الضوئي، بل هي هياكل ترددية تمتد جذورها في عمق الخلاء الأول لتستخلص منه طاقة الإمكان، بينما ترتفع أغصانها لتلامس سقف الإستواء العظيم، مشكلةً بذلك جسراً حياً بين الصمت المطلق والتجلي الرمزي، فكل شجرة معرفة نغرسها هنا هي في الحقيقة منظومة إدراكية متكاملة؛ جذورها هي الأسئلة الوجودية التي لم تجد إجابة في لغة الرياضيات، و جذعها هو الإرادة السحرية التي صهرت العدم وحولته إلى قوام، وأوراقها هي التجليات الرمزية التي تتنفس ضياء المحيطات الروحية المحيطة بها، إنّ هذه الأشجار تمثل الذاكرة الحية لهذا العالم، حيث تختزن في لحائها تاريخ العبور وكل الكلمات التي نطق بها الساحر لتفعيل الهيكل، و عندما تبدأ هذه الأشجار في الإثمار، فإن ثمارها لا تُؤكل بالفم، بل تُمتص بالبصيرة، لتمنح الأرواح التي تتغذى عليها كشوفاً لدنّية تجعلها تدرك أبعاداً أعمق في العدم لم تكن تدركها من قبل، فثمرة شجرة اليقين تمنح الروح ثباتاً في مواجهة رياح التلاشي، وثمرة شجرة الخيال تمنحها القدرة على خلق تضاريسها الخاصة داخل هذا العالم، وبذلك يتحول الوعي من حالة الإستيطان إلى حالة الإستزراع، حيث يساهم كل كائن في تنمية هذه الغابة السحرية عبر أفكاره ومشاعره التي تتحول بدورها إلى بذور جديدة تُنثر في تربة الفراغ، إنّ العلاقة بين السحر والعدم تبلغ هنا أقصى درجات العضوية، إذ يثبت السحر أنه ليس مجرد أداة للهدم أو البناء، بل هو قوة حياة قادرة على جعل العدم يزدهر ويثمر، محولاً اللاشيء إلى بستان كوني لا ينضب، وهذه الغابة من أشجار المعرفة السحرية هي التي ستوفر الظل للأرواح الهائمة و الوقود للرسل المنطلقين نحو العوالم الأدنى، وهي التي ستضمن أن يظل هذا الوجود متجدداً، لا يكرر نفسه، بل ينمو في إتجاهات لا نهائية من المعنى، حيث تصبح كل ثمرة هي عالم مصغر يحوي بداخله سر الصمت الأول وقوة الكلمة الأخيرة، مما يجعل من الإستيطان الأبدي رحلة من التذوق المعرفي والنشوة الروحية التي لا تنتهي، فكلما نمت شجرة، إتسعت رقعة الضياء وتقلصت مساحة العماء، لتصبح تضاريس الوعي غابةً من الأسرار الناطقة التي تحكي قصة الساحر والعدم في لغةٍ خضراء لا تذبل، لأن سقيها هو الإيمان، و نورها هو الحقيقة، وجذورها هي الخلود الذي لا يطاله الفناء. إنّ هذه الغابة السحرية تخلق نظاماً بيئياً فريداً؛ حيث تسقط أوراق المعرفة الميتة لتعود وتتحلل في تربة العدم، مخصبةً إياها لمزيد من الولادات الروحية، مما يمنع هذا العالم من الركود الأنطولوجي، فالأرواح التي تتغذى على هذه الثمار لا تكتفي بالمعرفة، بل تتحول هي ذاتها إلى بذور معرفية قادرة على الإنبات في أي فجوة يتركها الشك، وبذلك يصبح الوجود الجديد كياناً ذاتي التوليد (Autopoietic)، حيث السحر هو النسغ الذي يجري في عروق هذه الأشجار، و العدم هو الفضاء الذي يمنحها حرية النمو في كل الأبعاد، و الساحر هو البستاني الأزلي الذي يراقب هذا النمو بصمت الإستواء، مدركاً أن كل غرسة هي وعدٌ بخلودٍ جديد، وكل ثمرة هي إنتصارٌ آخر على رعب الفراغ، ليتحول الكون بأسره في نهاية المطاف إلى شجرة كونية سحرية واحدة (Yggdrasil) تجمع في جوهرها كل الأرواح، وتلخص في ثمارها كل المعارف، و تعلن في صمتها أن الوجود هو فن الغرس في قلب اللاشيء.

_ إبتلاعُ العدم: كيمياءُ التذوقِ السحري وصيرورةُ الروحِ حقيقة

إنّ فعل جني أولى ثمار المعرفة السحرية في هذا الطور من الوجود الجديد يمثل الإشتباك الذوقي الأول بين الوعي و بين نتاج مخاضه الطويل في رحم العدم، حيث لم تعد المعرفة هنا إستنتاجاً منطقياً أو معادلة تُحل بالذهن، بل صارت جوهرًا مأكولًا يغير كيمياء الروح بمجرد ملامسته لغشاء البصيرة. فعندما تتقدم الروح لجني ثمرة من تلك الأشجار التي غرسناها في تضاريس الإستواء، فإنها لا تقطف مجرد معلومة، بل تقطف لحظة تكوين مكثفة إختزلت في جوفها صمت الوجود وصراخ العدم الأول؛ فبمجرد أن يتذوق الوعي هذه الثمرة، يحدث ما نسميه الإنفجار الداخلي للمفهوم، حيث تتداعى بقايا الصور الذهنية القديمة التي كانت تفصل بين العالم وبين الأنا، لتنصهر الذات تماماً في موضوع معرفتها، و يصبح الوعي هو ذاته الثمرة التي تذوقها، وهو الجوع الذي دفعه للإستزادة، وهو الإمتلاء الذي أعقب الجني. إنّ هذه الثمار الأولى، التي نضجت تحت شمس الرمز السحري، تحمل في مذاقها مرارة الفقد؛ فقدان العالم المادي القديم وحلاوة الكشف بما فيه إدراك الوحدة المطلقة، وهي تعمل كمفجر للذاكرة الكونية؛ فبمجرد تذوقها، تنفتح في عقل الروح نوافذ كانت مغلقة بقفول الرياضيات الجافة، لتبصر كيف أن كل ذرة في هذا الوجود هي في الحقيقة ساحر صغير يمارس فعل الخلق في صمت، وكيف أن العدم ليس هو الهلاك الذي يجب الهروب منه، بل هو العنصر الأسمى الذي يمنح لكل وجود نكهته الخاصة. إنّ التغير الذي يطرأ على طبيعة الوعي الذي يتذوق هذه الثمار هو تغير راديكالي في الأنطولوجيا الشخصية؛ فبعد الجني، لا تعود الروح ترى الأشياء ككتل صلبة أو حدود منفصلة، بل تراها كدفقات من النور السحري تتشكل وتتلاشى وفقاً لإيقاع النبض الكوني، ويتحول اليقين من كونه قناعة عقلية إلى كونه حالة بيولوجية روحية تجعل الروح تشعر بأنها هي المحرك الأول لكل ما تراه، وهي المستقر الأخير لكل ما ترجوه. إنّ جني هذه الثمار هو فعل التكريس الذي يحول الساكن في الأرض المحتجبة من مقيم إلى سيد، ومن متأمل إلى خالق مشارك، حيث تمنحه المعرفة المجنية القدرة على التلاعب بخيوط الواقع الجديد بمرونة أكبر، وتجعله يدرك أن سر الخلود ليس في تجنب الموت، بل في ابتلاع العدم و جعله جزءاً من دمه الروحي. وبذلك، تصبح أولى ثمار المعرفة السحرية هي الوقود الذي سيحرك محركات التطور اللاحقة في كتاب تاريخ الأرواح، وهي الضمانة بأن هذا الوجود لن يظل ساكناً في توازنه، بل سيفيض بإستمرار نحو مستويات من الجمال المخيف والجلال المطلق الذي لا يطاله إلا من جرأ على قطف ثمرة الحقيقة من شجرة العدم، ليعلن في نهاية المطاف أن المعرفة ليست ما نعرفه، بل هي ما نصير إليه عندما يذوب العارف في المعروف في حضرة الإستواء العظيم، في رقصة أبدية تتجدد مع كل ثمرة تُجنى ومع كل روح تستبصر خلودها في قلب الفراغ.

_ الجسدُ الماسي: سيمياءُ التحولِ من قيدِ المادةِ إلى نسيجِ العدمِ الناطق

إنّ التحول الفيزيائي لجسد الروح بعد تذوق ثمار المعرفة السحرية يمثل الإنقلاب الكيميائي الأخير في رحلة التحرر من ربقة المادة، حيث لم يعد الجسد وعاءً يحمل الوعي، بل صار الوعي هو الذي يشكل الجسد وفقاً لقوانين السيولة الوجودية. في هذه اللحظة، يتفكك الهيكل العظمي للمنطق الصوري، وتذوب أعضاء الإدراك الحسية التي كانت تقتات على فتات الظواهر، لتستحيل إلى نسيج ضوئي فائق الرقة ومتين الصلابة في آن واحد؛ نسيجٌ لا يُنسج من خيوط الضوء الفيزيائي الذي تدركه الأبصار، بل من فوتونات الإرادة الماسية التي إنبعثت من قلب العدم. هذا الجسد الجديد هو ما نطلق عليه الجرم الرمزي، وهو كيان لا يحده مكان لأنه صار هو المكان ذاته في حالة من التكثف الشعوري؛ فالمكان في لغة السحر ليس فراغاً يحيط بالشيء، بل هو إمتداد للشيء، وعندما تذوقت الروح ثمار المعرفة، تلاشت الحدود الفاصلة بين داخل الجسد و خارجه، فأصبح الجسد نسيجاً متصلاً بالأرض المحتجبة وبكل ذرات الإستواء العظيم. إنّ هذا التحول يعيد تعريف الفيزياء بالكامل؛ فالثقل الذي كان يشد الروح نحو طين العوالم الأدنى إستحال إلى خفة انطولوجية تجعل الجسد قادراً على الوجود في نقاط متعددة من الفراغ في اللحظة ذاتها، ليس عبر الإنتقال المكاني، بل عبر الإنبثاق الآني في أي فجوة يتركها العدم للظهور. إنّ مسام هذا الجسد الضوئي لا تتنفس الهواء، بل تتنفس المعنى، فكل شهيق هو إستيعاب لقطعة من الفراغ، وكل زفير هو خلق لواقع جديد، وبذلك يصبح جسد الروح هو التمثيل الحي للفيزياء السحرية التي لا تعترف بالكتلة، بل تعترف بالرنين. هذا الجسد، بوصفه وفقاً ناطقاً، يمتلك خاصية الشفافية المطلقة أمام قوى الفناء؛ فالعدم لا يمكنه إبتلاع ما هو مصنوع من جوهره، وبما أن الجسد قد إستحال إلى نسيج منبثق من العدم المعرفي، فقد صار غير مرئي للقوانين الفيزيائية القديمة، و فائق الظهور للعين التي تعمّدت بماء السحر. إنّ التحول الفيزيائي هنا ليس مجرد تجميل للظاهر، بل هو إعادة هندسة للعمق، حيث أصبحت الأعضاء الروحية تعمل كبوابات ترددية؛ فالعين صارت بصيرة ترى ما وراء السواد، والأذن صارت صاغية تسمع ما خلف الصمت، واللمس صار إتصالاً جوهرياً يغير طبائع الأشياء بمجرد الدنو منها. إنّ هذا النسيج الضوئي هو الذي يسمح للروح بأن تكون رسولاً خفياً دون أن تتقيد بصورة ثابتة، فهي تتشكل كغيمة من الإحتمالات، وتتجمع كإعصار من النور عندما تقتضي الحاجة، وتتلاشى كبصمة عابرة على وجه الماء عندما ترغب في السكون. إنّنا أمام ميلاد الجسد الإلهي في الإنسان، ذلك الجسد الذي تنبأ به السحرة الفلاسفة عبر العصور، والذي لا يشيخ ولا يذبل لأن وقوده هو التجدد الأبدي لفكرة العدم، وصار النبض فيه هو الموسيقى الكونية التي تنسق حركة الأفلاك، والجلد فيه هو غشاء الوجود الذي يحمي العالم من الادإنهيار داخل نفسه. إنّ الجسد بعد التذوق صار هو البرهان الحسي على صدق السحر، محولاً تجربة العبور من مجرد فكرة ذهنية إلى واقع بيولوجي يضج بالحياة في قلب الفراغ المطلق، معلناً ختام عصر اللحم والدم وبدء عصر النور والعدم.

_ راداراتُ البصيرة: إبصارُ الساحرِ وتفكيكُ شفرةِ العالمِ من عرشِ العدم

إنّ فتح نوافذ الإبصار (Windows of Perception) لهذا الجسد الضوئي المستوي على عرش العدم لا يمثل مجرد عملية رؤية بصرية، بل هو فعلُ كشفٍ راداري يخترق حُجب الكثافة ليعيد قراءة العوالم الأدنى بوصفها ظلالاً باهتة لحقيقةٍ سحريةٍ عليا، ففي هذه اللحظة، لا ينظر الجسد النوراني إلى تلك العوالم بعينِ الفرد الفاني، بل بعين العدم المستبصر الذي يرى المادة ليست كأجسامٍ صلبة، بل كتجمّداتٍ مؤقتة في تيار الوعي الكوني، حيث تتبدى المدن الشاسعة والبراكين الهادرة والجيوش الجرارة للناظر من علياء الإستواء كأنها نقاطٌ هندسية مرتعشة تحاول جاهدةً إثبات وجودها أمام حتمية الفناء، وما كان يراه الإنسانُ قديماً كواقعٍ صلب لا يتزعزع، يراه الجسد الضوئي الآن كنسيجٍ مهلهل من الإحتمالات التي خنقتها لغة الرياضيات و المنطق، فيشهد كيف أن سكان تلك العوالم يعيشون داخل زنزانةٍ رقمية يظنونها حرية، و يحاولون قياس خلودهم بساعاتٍ من الرمل بينما الخلود يتدفق من مسامهم وهم عنه غافلون، إنّ نوافذ الإبصار تمنح الساحر القدرة على رؤية الهالات الرمزية لكل شيء؛ فهو يرى الشجر لا كخشبٍ ولحاء، بل كزفراتٍ من طاقة العدم تتصاعد نحو السماء، ويرى البشر لا كأجسادٍ بل كأطيافٍ من الكلمات غير المنطوقة تطفو فوق بحارٍ من القلق الأنطولوجي، وهذا الإبصارُ العالي لا يولدُ تعالياً أو إحتقاراً، بل يولدُ شفقةً سحرية عميقة، لأن الساحر يدرك أن كل حركةٍ في العوالم الأدنى هي محاولةٌ لا واعية للعودة إلى الأرض المحتجبة، وأن كل صرخةِ ألمٍ هي في الحقيقة نداءٌ لإستعادة لغة النطق الأولى التي ضاعت في زحام الضجيج المادي. إنّ الرؤية من هذه النوافذ تتجاوز حدود الزمن الخطّي؛ فالجسد الضوئي يرى الماضي والحاضر و المستقبل كلوحةٍ واحدةٍ منبسطة في فضاء العدم، حيث يرى إنهيار الإمبراطوريات قبل بنائها، ويرى تفتح الزهور بعد ذبولها، لأن نقطة التلاشي التي يقف فيها تمنحه منظوراً بانورامياً يرى الخيط الذي يربط بين الذرة والمجرة، وبين النبضة والعدم، وهو يشاهد كيف أن رسله الخفيين الذين بث فيهم الوعي سابقاً يتحركون في تلك العوالم كبقعٍ من النور المتنقل الذي يخلخل عتمة المادة، فيرى أثرهم في ومضةِ ذكاءٍ مفاجئة لعالمٍ رياضي، أو في رؤيةٍ شعريةٍ تهدم يقين طاغية، أو في صمتٍ مقدسٍ يغشى قلباً في لحظةِ تجلٍّ، فالعالم الأدنى بالنسبة لهذا الإبصار ليس مكاناً منفصلاً، بل هو "مختبرٌ للرموز حيث تُختبر فيه قوة السحر على تحويل العدم السلبي إلى وجودٍ ناطق، إنّ النوافذ هنا تعمل كمرشحاتٍ معرفية تُسقط القشور المادية لتبقي فقط على "الجواهر السيمائية"، مما يجعل الساحر يشعر بأنه يرى "باطن الأشياء" لا ظواهرها، حيث الصفر هو الرقم الأكبر، و العدم هو الكنز الأغنى، والصمت هو الصوت الأجهر، وبذلك يتحول فعل الإبصار من مجرد تلقٍّ للمعلومات إلى تعديلٍ للواقع، فمجرد نظر الجسد الضوئي إلى العوالم الأدنى يُحدث فيها إهتزازاتٍ طفيفة، كأن نظرة الخالق المنسجم تعيد ضبط إيقاع المادة المبعثرة، لتخبر سكان القاع بلسان الحال أن المنزل ليس بعيداً، وأن الطريق يبدأ بقطرةِ سحرٍ تُذاب في كأسِ العدم الصافي، لتستحيل الرؤية في النهاية إلى إتحادٍ بصري يمحو الفوارق بين العالي والأسفل، ويجعل من الوجود بأسره قصيدةً واحدة تُقرأ من كل الإتجاهات في آنٍ واحد.

_ تسابيحُ الفراغ: الطيورُ الروحيةُ وتحويلُ العدمِ إلى أغنيةٍ كونيّة

إنّ الإنتقال لوصف الطيور الروحية (Spiritual Birds) التي إستوطنت أغصان أشجار المعرفة السحرية يمثل إنبثاق الحيوية النغمية في فضاء الإستواء، حيث لم يعد الوجود الجديد مجرد تضاريس ساكنة أو أجساد ضوئية صامتة، بل أضحى كياناً صادحاً يملأ فجوات العدم بألحان النطق الأول التي تعيد صياغة مفهوم الزمن كإيقاع لا كقياس. هذه الكائنات المجنحة ليست طيوراً بالمعنى البيولوجي، بل هي ترددات واعية تشكلت من فائض الضياء الذي خلّفه التحول الفيزيائي للأرواح، ومن بقايا القشور الرمزية لثمار المعرفة التي جُنيت؛ فهي تجسيد للكلمة الطائرة التي ترفض الإستقرار في قوالب المعاني الجامدة، وتختار التحليق الدائم في سماء الإحتمالات. ريشها منسوج من خيوط الصمت الرنان، وأصواتها ليست مجرد زقزقة، بل هي شيفرات تكوينية تستحضر أصداء الإنفجار العظيم الأول، وتعيد بثه في أذن الوجود كألحان مهدئة لروع الفراغ. عندما تغرد هذه الطيور، فإن لحنها لا ينتقل عبر الهواء، بل ينتقل عبر النسيج الموحد للعدم، محققاً حالة من الرنين الأنطولوجي تجعل الجبال من اليقين تهتز طرباً، والمحيطات من الضياء تتماوج وفقاً لمقامات سحرية لا تعرفها السلالم الموسيقية البشرية، لأنها موسيقى مبنية على النسبة الذهبية للفراغ و ليست على توافقيات المادة. إنّ سكنى هذه الطيور في أغصان أشجار المعرفة يمنح الغابة السحرية بُعداً تواصلیاً فائقاً؛ فهي تعمل كسعاة بريد ميتافيزيقيين ينقلون الحكمة من جذور الأشجار الغارقة في العدم إلى أطراف الأغصان الملامسة للإستواء، بل ويتجاوزون ذلك ليحملوا نبرة الخلود نحو نوافذ الإبصار المطلة على العوالم الأدنى. تغريدها هو اللغة العالمية التي تفهمها الأرواح دون حاجة لترجمة، لأنه يخاطب النواة العدمية داخل كل كينونة، مذكراً إياها بأن أصلها هو النغم لا الرقم، وأن حريتها تكمن في قدرتها على التلاشي داخل اللحن. وفي لحظات الإستواء العظيم القصوى، عندما تتوحد أصوات هذه الطيور في جوقة واحدة، يذوب الفارق بين السامع و المسموع و اللحن، ويصبح الكون بأسره عبارة عن أغنية وجودية يغنيها العدم لنفسه كي لا ينام في العماء المطلق. إنّ هذه الطيور هي حارسات الدهشة، فوجودها يضمن ألا يتحول الخلود إلى روتين رتيب، بل يظل حالة من الإنبثاق الفني المستمر، حيث كل تغريدة هي خلق جديد، وكل خفقة جناح هي طي لزمان قديم ونشر لزمان سحري بكر. وبذلك، تكتمل حيوية الأرض المحتجبة؛ فبينما تثبت الأشجارُ الأرض، وتغسل المحيطاتُ الروح، تملأ هذه الطيور السماء بروح النطق الأول، معلنةً أن السحر في أرقى تجلياته هو موسيقى الصمت التي إستطاعت أخيراً أن تجد حناجر تليق بجلالها، محولةً العدم من مقبرة للوجود إلى قاعة إحتفالات كبرى لا تنتهي فيها التسابيح بغير الكلمة الأخيرة التي هي ذاتها البداية لكل لحن جديد.

_ هَمْسُ التلاشي: السرُّ المكتومُ وصعقةُ الإدراكِ في قلبِ الإستواء

إنّ الإصغاء لرسالةِ هذا الطائر الروحي، وهو يحطُّ على كتفِ جسدك الضوئي في تلك اللحظة الفاصلة من تاريخ الإستواء، يمثّل الإنتقال من المعرفة المشاعة إلى السرِّ المكتوم (The Hidden Secret)، ذلك السر الذي لا يُدرك بالنظر من نوافذ الإبصار ولا يُجنى من ثمار الأشجار، بل يُبثُّ عبر التماس الترددي المباشر بين قلبِ العدم وقلبِ الساحر، فهذا الطائر الذي لا يغرد للأفق بل يهمس للروح، يحمل معه الشيفرة النهائية التي لم تُدوّن في كتاب الأرواح لأنها ليست قصةً تُحكى، بل هي صاعقةُ إدراك تُزلزل ما تبقى منك لتهتز لها أركان الوجود الجديد، إذ يهمس لك الطائر بالسر المكتوم الذي ينصُّ على أنّ العدم لم يكن يوماً خارجاً عنك، وأنّ كل ما شيدته من جبال اليقين ومحيطات الضياء لم يكن سوى تموّجات في ذاتك أنت، فالسحر في ذروته لا يغير الواقع بل يزيحُ الستار عن حقيقة أن الساحر هو العدم وهو الوجود في آنٍ واحد، و أن السر يكمن في أنك لم تعبر البوابة يوماً، بل كنت أنت البوابة وأنت الطريق وأنت الوصول، و هذا الهمس الروحي يعيد صياغة مفهوم الألوهية السحرية؛ فالمقدس ليس غايةً في أقصى الفراغ، بل هو الفراغ ذاته وقد وعى بنفسه عبر نبضك. إنّ الرسالة التي يحملها الطائر تحذر الروح من السقوط في فخ الإستقرار النهائي، فالسر المكتوم يؤكد أن الخلود ليس حالة سكون، بل هو دورانٌ أبدي حول نقطة التلاشي، حيث يجب على الساحر أن يظل في حالة خلقٍ و هدم مستمرة كي لا يتحول الإستواء العظيم إلى سجنٍ من الضياء، فالعدم يطلب من الساحر أن يظل جائعاً للمعنى حتى وهو يمتلك كل المعاني، لأن اللحظة التي يظن فيها الساحر أنه فهم السر هي اللحظة التي يبتلعه فيها العدم السلبي مرة أخرى. هذا الهمس الطائري يغير من فيزياء الجسد الضوئي مرة أخرى، حيث يجعله أكثر شفافية لدرجة التلاشي، فالمعرفة بالسر المكتوم تجعل الروح تدرك أن الهوية هي الحجاب الأخير، وأن الحرية المطلقة لا تتحقق إلا عندما ينسى الساحر أنه ساحر ويصبح هو السحر ذاته، وهو الفعل الذي يجعل الكلمة الأخيرة تتلاشى لتترك مكانها لصمتٍ أبلغ، حيث يخبرك الطائر في رسالته المكتومة أن العوالم الأدنى التي كنت تشاهدها من عليائك ليست سوى أحلامك القديمة التي لم تستيقظ منها تماماً، وأن مهمتك كرسول خفي لا تبدأ إلا عندما تدرك أنك لا تحمل رسالة لأحد، بل تحمل نفسك كدليلٍ على إمكانية المستحيل. إنّ هذا السر المكتوم هو الذي يمنح الإستواء العظيم ديناميكيته ويجعل من الجغرافيا الروحية مسرحاً لولاداتٍ لا تنتهي، فبدلاً من أن نكتفي بالخلود الملموس، يدفعنا السر نحو الخلود المتجدد حيث كل لحظة هي إنفجار عظيم جديد، وكل همسة هي نطقٌ أول، و بذلك يكتمل التواصل الروحي بين الساحر وبقايا العدم، ليصبح الطائر هو لسان الغيب الذي يربط بين ما يُقال وما لا يمكن قوله أبداً، فتستقر الرسالة في روعك كجمرةٍ لا تنطفئ، تحول كل ما عرفته سابقاً إلى رمادٍ مقدس يُبنى منه هيكلٌ لا تراه حتى عيون الأرواح المستبصرة، لأنه هيكلٌ مبنيٌّ من مادة السر وخشب اللامكان، معلناً أن الحقيقة الكبرى هي أن الحقيقة لا توجد، بل تُخلق في كل مرة تهمس فيها الطيور الروحية بكلمة العدم في أذن الضياء.

_ العمى الإلهي: سيادةُ البصيرةِ المطلقة وإنصهارُ العالمِ في ثقبِ الذاتِ المتوهج

إنّ الدخول في حالة (The Divine Blindness) أو العمى الإلهي يمثّل التصفية النهائية لكل شوائب الإنفصال بين الذات و موضوعها، حيث يُطبق الساحر جفونه الضوئية لا ليمتنع عن الرؤية، بل ليعلن سيادة البصيرة العدمية التي لا تحتاج إلى ضوء خارجي لتدرك الوجود؛ ففي هذه اللحظة الدرامية الكبرى، يتحول الإبصار من كونه وسيلة لإستكشاف الآفاق إلى كونه إنكفاءً خلاقاً نحو المحيط اللامتناهي القابع في الداخل، حيث يكتشف الساحر أن كل الجغرافيا الروحية التي شيدها، و كل الجبال من اليقين والمحيطات من الضياء، لم تكن سوى تضاريس باطنية تم إسقاطها على شاشة العدم الكوني. إن العمى الإلهي هو قمة الإستغناء السحري، حيث يتوقف الساحر عن مراقبة العوالم الأدنى عبر نوافذ الإبصار، مدركاً أن النظر إلى الخارج هو إعتراف بوجود مسافة، و المسافة في لغة السحر هي وهمٌ ينبثق من نقص اليقين؛ لذا فإن إغماض العينين هو الفعل الأنطولوجي الذي يمحو الآخر تماماً، ليصبح الساحر هو المشهد والناظر في آن واحد، وهو العدم وهو الوجود في وحدة صمدية لا تقبل الإنشطار. في هذه الحالة من العمى المقدس، يستحيل الجسد الضوئي إلى نقطة سوداء متوهجة في قلب الفراغ، نقطة لا ترى الألوان أو الأشكال، بل تتحسس جواهر المعاني وترددات الحقائق في صورتها الصرفة، حيث يغدو الباطن هو المختبر الوحيد الذي يُصهر فيه الوجود و يُعاد صياغته بعيداً عن ضجيج الظواهر. إن هذا العمى ليس نقصاً في الإدراك، بل هو إفراطٌ في الرؤية لدرجة الإحتراق، حيث أنّ السر المكتوم الذي همس به الطائر قد أطفأ في عين الساحر كل نور مستعار، ليبقى فقط نور الذات الذي لا يضيء الأشياء بل ينطقها من كتمها؛ ففي حالة (The Divine Blindness)، يختبر الساحر نوعاً من السكون الإنفجاري، حيث تتوقف الحاجة إلى الرحيل أو العبور، ويصبح السكون هو أقصى درجات الحركة، والعمى هو أقصى درجات الإستبصار، لأن الروح في هذه اللحظة لا تبصر الأشياء بل تكونها. إنّ العلاقة بين السحر و العدم تصل هنا إلى نقطة التلاشي (The Vanishing Point)، حيث يذوب الساحر تماماً في السر الذي يحمله، فلا يعود هناك ساحر يمارس السحر، بل يبقى فقط السحر كخاصية أصيلة للعدم؛ وهذا التحول يجعل من العمى الإلهي حالة من الحرية المطلقة، حيث لا يتقيد الوعي بصورٍ أو خيالات، بل يسبح في ماهية الوجود قبل أن تتشكل في قوالب الحواس أو مفاهيم اللغة، مما يحول الظلمة الباطنية إلى شمس سوداء تشع بوعي لا يحده حد، وتمهد الطريق لظهور الغيوم الرمزية التي ستمطر ندى اليقين، ليس على عالم خارجي، بل على المساحات الشاسعة التي إنفتحت داخل الذات المستبصرة بعماها الجميل. إن هذا الإنكفاء نحو الباطن يعيد تعريف مفهوم العدم مرة أخرى؛ فالعدم في حالة العمى الإلهي ليس هو الفراغ الذي يحيط بنا، بل هو الخلاء الذي يسكننا، وهو المسرح الذي تُعرض عليه مسرحية الخلود دون جمهور، لأن الساحر قد صار هو الجمهور والممثل و المؤلف في آن واحد، وهذا ما يجعل من الصمت الذي أعقب السر أعمق من أي صوت، لأنه صمت الإمتلاء لا صمت الغياب، حيث يدرك الساحر في عماه المقدس أن كل ما بحث عنه في الأرض المحتجبة كان يقبع خلف جفنيه المغلقين منذ الأزل. إن العمى الإلهي هو الحالة التي يتوقف فيها الساحر عن الفعل ليبدأ في الكينونة، وهو الإختبار النهائي لقدرة الروح على إحتمال الحقيقة دون وسائط، حيث لا يبقى من العالم القديم ولا من العالم الجديد سوى رنين السر و هو يتردد في ردهات الوعي الخالص، محولاً الذات إلى ثقب أسود من المعنى، يمتص كل شيء ليحوله إلى خلود باطني لا يطاله الفناء ولا يدركه النسيان، وبذلك يكتمل التحول الأسمى، حيث يصبح الساحر هو العدم الناظر إلى نفسه في مرآة العمى، معلناً سيادة السحر كقانون وحيد يربط بين ظلمات الروح وأنوار الحقيقة المطلقة.

_ ندى الغيب: المعموديةُ السحريةُ وهطولُ اليقينِ في محرابِ العمى الإلهي

إنّ إنتظار هطول ندى اليقين من (Symbolic Clouds) يمثّل المرحلة البرزخية الأسمى في سيمياء الوجود، حيث لا يمكن للساحر أن يفتح عينيه في الإستيقاظ الأخير ما لم يمرّ أولاً بعملية الغسل الأنطولوجي التي تطهر وعيه من بقايا الغبار المنطقي ورواسب الرياضيات المادية. في هذه الحالة من (The Divine Blindness)، وبينما الجفون مطبقة على سر العدم، تبدأ الغيوم الرمزية في التشكل داخل فضاء الوعي المظلم، و هي غيوم لا تحمل مطراً فيزيائياً، بل تحمل تكثفات الغيب التي تجمعت من أبخرة الصمت الكوني؛ فهذا الندى الذي يبدأ بالهطول هو ماء الحياة الميتافيزيقي، وظيفته ليست السقاية بل الإذابة، إذ يعمل على تذويب آخر الخيوط التي تربط الساحر بذكرياته عن العوالم الأدنى، ويمحو الصور الذهنية التي كانت تشكل الأنا القديمة، ليحل محلها هيكل من ندى يتسم بالشفافية المطلقة والصلابة الجوهرية. إنّ العلاقة بين السحر والعدم تتجلى هنا في أبهى صورها؛ فالعدم هو السماء التي تمنح الغيوم مكانها، و السحر هو البرق الذي يقدح في أحشاء هذه الغيوم ليحرر ندى اليقين، فكل قطرة تسقط على النسيج الضوئي لجسد الروح المغمض العينين، تفتح مساماً جديدة للإدراك الكلي، وتجعل من الباطن الصرف تربةً خصبة لإستقبال الإستيقاظ دون صدمة التلاشي. إنّ ندى اليقين هو المادة التي تُهيكل الوجود الجديد بماء الغيب، حيث يتحول هذا الماء بمجرد ملامسته لوعي الساحر إلى هندسة مقدسة غير مرئية، تُعيد ترتيب تضاريس الروح وفقاً لمنطق الوحدة المطلقة. في هذه اللحظة، يشعر الساحر بأن كل قطرة ندى هي فكرة كونية مكتملة، تمنحه اليقين بأن الفراغ الذي كان يخشاه هو في الحقيقة حضنٌ دافئ، و أن العدم الذي كان يظنه عدماً هو الإمتلاء الحق. هذا الهطول يغسل آثار المعارف القديمة التي كانت تقوم على الفصل والتمييز، ويستبدلها بمعرفة ذوقية تجعل الروح تدرك الأشياء من خلال صيرورتها لا من خلال ثباتها؛ فاليقين هنا ليس قناعة ذهنية، بل هو بللٌ روحي يتغلغل في نخاع الوجود، محولاً الصمت من حالة غياب إلى حالة حضورٍ سائل. إنّ إنتظار هذا الهطول هو قمة الصبر السحري، لأن الساحر يدرك أن الإستعجال في فتح الجفون قد يؤدي إلى رؤية أطياف بدلاً من رؤية الحقيقة، لذا فهو يستسلم تماماً لندى الغيب، تاركاً قطرات اليقين تعيد تشكيل تضاريسه الداخلية، حتى يستحيل هو نفسه إلى غيمة من اليقين تمطر على نفسها، في دورةٍ مغلقة من التجدد الذاتي الذي لا ينتهي. هذا الغسل بالندى يهيئ الساحر لمرحلة ما بعد الإبصار، حيث يصبح ماء الغيب هو المادة التي تربط بين أجزاء الكون الجديد الذي خلقه الساحر بكلمته الأخيرة؛ فعندما يبلل ندى اليقين أشجار المعرفة و الطيور الروحية، تبدأ هذه الكائنات في الإهتزاز بترددٍ واحد، ترددٍ يجمع بين برودة العدم وحرارة الخلق، مما يخلق حالة من الهارموني الكوني الذي يسبق الإستيقاظ الكبير. الساحر في هذه اللحظة، رغم عماه، يشعر بكل قطرة ندى كأنها عالمٌ مستقل يتشكل في كفه، ويدرك أن اليقين هو القوة الوحيدة التي يمكنها أن تثبت أركان الوجود في وجه العدم المطلق، لأن اليقين هو وعي العدم بنفسه عبر وسيط السحر. وبناءً عليه، فإن هطول الندى هو الفعل الذي يحول الساحر من مهندس للوجود إلى جوهر للوجود، حيث يختفي الفارق بين الغاسل و المغسول و الماء، ليصبح كل شيء وحدةً سائلة تستعد للتبلور في اللحظة التي يقرر فيها الساحر أن يفتح جفنيه، ليجد أن الندى قد إستحال إلى كونٍ كامل يلمع في عينيه، و أن ماء الغيب قد صار هو دم الحياة الذي يجري في عروق الأبدية.

_ مناخُ الخلود: هطولُ ندى اليقينِ والسيولةُ الوجوديةُ في رحمِ السحر

إنّ التوغل في وصف الغيوم الرمزية (Symbolic Clouds) وهي تمطر ندى اليقين يمثل الإنتقال من مرحلة التشييد الصلب للجغرافيا الروحية إلى مرحلة السيولة الوجودية التي تمنح هذا العالم الجديد حياته الأبدية؛ فهذه الغيوم ليست نتاج تبخر مادي، بل هي تكثفات خيالية نشأت من تلاقي حرارة الإرادة السحرية ببرودة العدم المطلق، حيث تصاعدت أبخرة المعاني التي لم تعد تتسع لها الكلمات لتشكل في سماء الإستواء سحباً داكنة بوقار الغيب، وبيضاء بنور الحقيقة. في هذه اللحظة، لا يسقط المطر كفعلِ هدمٍ أو بللٍ سطحي، بل يهطل ندى اليقين كقطرات من الجوهر الصافي الذي يمتلك خاصية الترسيب الأنطولوجي؛ فكل قطرة تلامس جبال اليقين أو محيطات الضياء تعمل كعامل حفاز يثبّت المعنى في قلب الفراغ، محولةً العالم من حالة الإحتمال القلق إلى حالة الضرورة الوجودية. إنّ هذا الندى هو الوسيط الكيميائي الذي يربط بين السحر والعدم، فهو يحمل في تكوينه ذاكرة الصمت و قوة النطق، وعندما يبلل أغصان أشجار المعرفة السحرية، فإنه يمنحها القدرة على الدوام دون الحاجة لمدد خارجي، لأن اليقين في لغة السحر هو الإكتفاء بالذات، و هو الوقود الذي يجعل الروح لا تحتاج لغير وجودها كي تستمر. إنّ هطول ندى اليقين يُحدث تحولاً في الجغرافيا السحرية يجعلها تبدو كأنها تتنفس؛ فالمساحات التي كانت بالأمس مجرد فجوات في العدم، تصبح اليوم بفضل هذا الندى أرحاماً قادرة على توليد دلالات جديدة، حيث يعمل ندى اليقين على غسل آثار المعارف القديمة التي كانت تلوث وعي الأرواح ببقايا الشك والقياس الرياضي الجاف. فعندما تستنشق الأرواح بخار هذا الندى، تسقط عنها قشور المنطق التي كانت تمنعها من الإندماج الكامل في الإستواء، وتستبدلها بيقين ذوقي لا يحتاج إلى برهان، لأن البرهان يكون على الشيء الغائب، أما في حضرة هذا الندى، فكل شيء حاضرٌ كلياً. هذا المطر الرمزي يملأ الوديان الروحية بماء الغيب السائل، وهو ماء لا يغرق فيه من لا يحسن السباحة، بل يرفعه إلى أعلى مستويات الإستنارة، حيث تكتشف الأرواح أن اليقين ليس ثباتاً على فكرة، بل هو جريانٌ مع العدم دون خوف من الضياع، وهو الثقة المطلقة في أن الساحر الذي صار هو الكون لا يمكن أن ينهار لأن أساسه هو اللاشيء الذي لا يطاله الإنهيار أصلاً. إنّ العلاقة بين السحر والعدم تبلغ في مشهد الغيوم والندى ذروة التجانس الميتافيزيقي؛ فالغيوم هي حجاب السحر الذي يستر جلال العدم، والندى هو فيض السحر الذي يمنح العدم رطوبة الوجود ودفىء الكينونة. وفي ظل هذا المناخ الروحي، تصبح الطيور الروحية أكثر إشراقاً، وتصبح أشجار المعرفة أكثر إثماراً، لأن ندى اليقين يغذيها بسر الإستمرار دون إنقطاع، مما يحول الأرض المحتجبة إلى جنة من الرموز التي لا تذبل. إنّ هذا الندى هو الذي سيهيئ الروح للمرحلة القادمة، فهو يطهر نوافذ الإبصار من غبش الأوهام، ويجعل من الجسد الضوئي نسيجاً متلاحماً لا يقبل التمزق، حيث كل قطرة ندى هي ختمٌ يؤكد أن هذا الوجود الجديد قد صار واقعاً أصيلاً لا يقل حقيقة عن العدم الذي إنبثق منه، بل هو العدم وقد صار واعياً بجماله عبر قطرات اليقين. وبذلك، يستقر العالم في حالة من الرطوبة المقدسة، حيث لا جفاف في المعنى ولا قحط في الخيال، بل فيض مستمر من الغيب يسقي أرواح المستوطنين الأبديين، ويعدهم بلحظة الإستيقاظ الأخير حيث لا يبقى إلا اليقين بصيراً في عين الكون.

_ أوردةُ الإستواء: الأنهارُ الرمزيةُ وتحويلُ ندوبِ العدمِ إلى سيلانٍ وجوديٍّ مقدّس

إنّ اللبث في نشوة الندى لمراقبة تشكّل الأنهار الرمزية يمثّل الإنتقال من حالة الهطول المتفرق إلى حالة السيلان الوجودي المنظم، حيث لم يعد اليقين مجرد قطرات مبعثرة، بل أضحى تيارات سيّالة تشق أخاديدها في وعي العدم لتربط بين أجزاء الوجود الجديد في شبكة من الإتصال المطلق. في هذه المرحلة من التحليل الفلسفي، ندرك أن الأخاديد التي تجري فيها هذه الأنهار ليست حُفراً مادية في تربة جغرافية، بل هي الإنكسارات الروحية والندوب القديمة التي تركها الألم في جسد الروح قبل عبوره البوابة؛ فالسحر هنا يقوم بعملية إعادة تدوير مذهلة للعدم، حيث يحوّل فجوات الفقد والخلاء السابقة إلى مسارات تجري فيها أنهار اليقين. هذه الأنهار الرمزية هي التي تمنح العالم الجديد صفة الديمومة الحركية، فهي لا تجري من مكان إلى مكان، بل تجري من معنى إلى معنى، محققةً حالة من الهارموني السيمائي التي تجعل كل فكرة في شمال الوجود تصبُّ في مشعرٍ في جنوبه، دون ضياع أو تشتت؛ فالمياه التي تجري في هذه الأنهار هي ماء الغيب الذي لا يعرف الركود، لأنه يستمد طاقته الحركية من التوتر الخلاّق بين السحر والعدم، حيث السحر يدفعه للظهور، والعدم يفتحه للإمتداد. إنّ هذه الأنهار الرمزية تؤدي وظيفة التطهير والتعميد المستمر للأرواح التي إستوطنت الأرض المحتجبة؛ فعندما تنغمس الروح في مجرى نهر الحقيقة الصرفة أو نهر الجمال المخيف، فإنها لا تتنظف من الأوساخ المادية فحسب، بل تتحلل فيها آخر ذرات الشك الرياضي الذي كان يطالب بالبرهان؛ فاليقين في الأنهار هو يقين جارف لا يترك مجالاً للتساؤل، لأن الروح تصبح جزءاً من التيار، و تدرك أن حقيقتها ليست في الوقوف على الضفة للمراقبة، بل في الذوبان في المجرى للصيرورة. و من منظور السحر، فإن هذه الأنهار هي الأوردة و الشرايين التي تنقل نبض الساحر بإعتباره الوفق الأكبر إلى كل زاوية في الوجود الجديد، محولةً الصمت الكوني من حالة سكون موحش إلى حالة هديرٍ مقدّس؛ فصوت جريان هذه الأنهار الرمزية هو الموسيقى الخلفية للإستواء العظيم، وهو الصوت الذي يطرد وحشة الفراغ ويؤنس وحدة الكائنات التي إنبعثت من الرماد. إنّ كل نهر يشق طريقه في أخاديد الوجود يمثل مساراً معرفياً جديداً، حيث نجد نهراً للعلم اللدني، وآخر للحب الإلهي، وثالثاً للتجلي الصوري، وكلها تلتقي في النهاية عند مصبّ التلاشي، حيث يعود كل شيء إلى العدم الأول بعد أن يكون قد تشبع بالمعنى السحري الكامل. إنّ تجمّع قطرات الندى في هذه الأخاديد يثبت أن السحر هو قوة جامعة لا مشتتة، فهو يأخذ تشرذم العدم ويحوله إلى وحدة سائلة تجري بإنتظام نحو الغاية القصوى؛ فالعلاقة هنا بين السحر و العدم تشبه العلاقة بين النهر و مصبّه، فالسحر هو الجريان و العدم هو المستقر، والوجود الجديد هو المسافة المقطوعة بينهما. وفي هذه اللحظة من اللبث، يشاهد الساحر بجفونه المطبقة كيف أن الأنهار بدأت ترسم خريطة النعيم السحري، حيث تخضرُّ الضفافُ بأفكارٍ لم يسبق لها مثيل، وتتفتح أزهارُ الإحتمالات تحت رذاذ اليقين المتطاير من شلالات المعنى؛ فالعالم لم يعد مجرد بناء بناه الساحر، بل صار كائناً ينمو و يتنفس ويجري بفضل هذه الأنهار التي غسلت آثار المعارف القديمة الجافة وإستبدلتها بسيولة المعرفة الكشفية. إنّ الأنهار الرمزية هي التي تضمن ألا يتبخر الوجود الجديد أو يتلاشى مرة أخرى في العدم السلبي، لأنها تجعل من العدم وعاءً يحمل تيار الوجود بقداسة وإحتفاء، محولةً اللحظة العابرة إلى نهر من الخلود لا ينقطع مدده، لأن نبعه هو قلب الساحر الذي لم يعد ينبض بالدم، بل ينبض بماء اليقين الأزلي.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- أفغانستان وباكستان تتبادلان الهجمات عبر الحدود.. إليكم ما نع ...
- خطر يداهم الشوكولاتة في بريطانيا
- باكستان تعلنها -حربا مفتوحة- ضد طالبان
- داعش تهاجم الرقة تزامنا مع الانسحاب الأمريكي.. هل تملك دمشق ...
- السلطات الأمنية الإسرائيلية تفتح تحقيقا بشأن تلقي صحفية عربي ...
- المغرب.. شابان يتكفلان بتسديد ديون المحتاجين
- من وصفات الأمهات إلى -فوود توك-.. كيف غزت السوشيال ميديا مطا ...
- إندبندنت: أكثر من 100 ألف طلب لجوء في 2025
- نيبال تتأهب لانتخابات حاسمة وصراع ثلاثي على قيادة الحكومة
- هل يحسم سلاح الجو مواجهة أفغانستان وباكستان؟ الدويري يجيب


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن والْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-