|
|
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل السابع
نوفل قاسمي
الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 18:49
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
هذا الفصل السابع من كتاب "أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد". الكتاب متوفر بصيغة بي دي أف للقراءة والتحميل على الموقع: https://www.atramenta.net/m/lire/157116031575158416101576-16081606160115751602-157315831608157515851583-1587159316101583/103969
الإرث المسموم: كيف دمر سعيد العقل العربي المعاصر؟
إذا كان إدوارد سعيد قد رحل عن عالمنا بجسده، فإن روحه الأيديولوجية لا تزال تسكن غرف التحقيق في سجون الاستبداد، وحلقات الوعظ الديني المتزمت، وقاعات الجامعات المترهلة في العالم العربي. لقد ترك سعيد وراءه "إرثاً مسموماً" غلفه برداء التحرر الأكاديمي، لكنه في جوهره لم يكن سوى "وصفة طبية" لموت العقل. في هذا الفصل، نستعرض كيف تحولت أطروحة "الاستشراق" إلى "مخدر" جماعي شلَّ قدرة الشرق على رؤية عيوبه، وكيف اغتال سعيد فرص الإصلاح عبر تحويل "النقد الذاتي" إلى "خيانة عظمى".
أولاً: صناعة شماعة الفشل.. حين أصبح "الاستشراق" ملاذ المستبدين
لقد قدم إدوارد سعيد للأنظمة القمعية وللوعاظ المتشددين أعظم هدية كان يمكنهم الحلم بها: "الشماعة الكاملة". فمنذ صدور كتابه، لم يعد التخلف العربي نتاجاً للفساد، أو غياب الديمقراطية، أو انعدام البحث العلمي؛ بل أصبح نتاجاً لـ "صورة مشوهة" رسمها الغرب لنا، ومؤامرة "استشراقية" تهدف لإبقائنا في مرتبة أدنى. * الاستبداد بلغة أكاديمية: عندما ينتقد أي باحث غربي أو منظمة حقوقية غياب الحريات في الشرق، تخرج الأنظمة العربية اليوم مستخدمة مصطلحات "سعيدية" بامتياز: "هذا استعلاء غربي"، "هذا حكم استشراقي لا يفهم خصوصيتنا الثقافية"، "أنتم تفرضون قيمكم الإمبريالية علينا". لقد منح سعيد للمستبدين "لغة معاصرة" لتبرير القرون الوسطى التي يعيشون فيها. * تحالف الوعاظ والمظلومية: التقط التيار الإسلامي المتشدد أفكار سعيد بذكاء منقطع النظير. فكرة "الغرب الذي يشوه الإسلام" أصبحت الوقود الذي يغذي الكراهية والعزلة. لقد استخدموا نقد سعيد للغرب "العلماني" لتعزيز شرعية الغرب "الكافر"، وأوهموا الجماهير أن أي محاولة لعصرنة الفكر الديني هي في الحقيقة "خضوع للأجندة الاستشراقية". وهكذا، تحول سعيد (المسيحي العلماني) إلى "بطل" في عيون من يرفضون الحداثة بكل أشكالها. * تغييب المسؤولية الذاتية: أكبر جريمة ارتكبها هذا الإرث هي "تعطيل مبدأ السببية". فبدلاً من أن يسأل العقل العربي: "لماذا نحن في ذيل الأمم؟"، أصبح السؤال بفضل سعيد: "كيف يصورنا الغرب في أفلامه وكتبه؟". لقد استبدل سعيد "العمل" بـ "الشكوى"، واستبدل "الإنجاز" بـ "تفكيك النوايا".
ثانياً: اغتيال النقد الذاتي.. تهمة "العمالة الفكرية"
قبل إدوارد سعيد، كانت هناك محاولات شجاعة للنهضة (طه حسين، علي عبد الرازق، سلامة موسى) كانت تدرك أن الخلل "بنيوي" في الداخل العربي، وأن الاقتباس من الغرب ضرورة حضارية. لكن سعيد أجهز على هذا التيار تماماً عبر اختراع تهمة "الاستلاب الثقافي" و"التماهي مع المستشرق". * الإرهاب الفكري ضد التنويريين: بفضل إرث سعيد، أصبح كل مثقف عربي يحاول استخدام المنهج العلمي الغربي لنقد التراث أو نقد الواقع السياسي يُوصف فوراً بأنه "مستشرق من الداخل" أو "ببغاء للغرب". لقد خلق سعيد نوعاً من "الشرطة الثقافية" التي تفتش في النوايا؛ فإذا امتدحت الديمقراطية الغربية فأنت "مستلب"، وإذا نقدت التاريخ الإسلامي فأنت "تنفذ أجندة استشراقية". * تقديس "القبح" باسم الخصوصية: أدت أفكار سعيد إلى نشوء تيار يدافع عن "العادات البالية" والتخلف الاجتماعي باعتبارهما "هوية" مهددة. أصبح نقد وضعية المرأة، أو نقد الخرافة الدينية، يُنظر إليه كـ "هجوم استعماري ناعم". لقد نجح سعيد في إقناع العقل العربي بأن "البقاء على التخلف" هو نوع من "المقاومة الثقافية". * موت المنهج: عندما اغتال سعيد مصداقية "المستشرق" (الباحث العلمي)، فإنه في الواقع اغتال "المنهج العلمي" نفسه. فإذا كان العلم الغربي "منحازاً" و"إمبريالياً" بطبعه، فلماذا نتبعه؟ هذه الرؤية أدت إلى هروب العقل العربي من الجدية العلمية إلى "الثرثرة الأيديولوجية" والإنشاء الأدبي الذي برع فيه سعيد.
ثالثاً: سيكولوجية الهزيمة.. من "الباحث عن الحقيقة" إلى "المحامي عن الفشل"
لقد حول إدوارد سعيد المثقف العربي من "قائد للتغيير" إلى "محامٍ فاشل" في قضية خاسرة. سيكولوجية الهزيمة التي كرسها سعيد تتجلى في الاستمتاع بدور "الضحية". * الارتباك الوجودي: يعيش المثقف "السعيدي" تناقضاً مضحكاً؛ فهو يرسل أبناءه للدراسة في الغرب، ويتعالج في مشافي الغرب، ويستخدم "الآيفون" و"الإنترنت" (أدوات الغرب)، ثم يقضي ليله في كتابة مقال عن "توحش الغرب" و"عنصرية الاستشراق". هذا الانفصام ليس نفاقاً فحسب، بل هو "شلل حضاري" يمنع أي تقدم حقيقي. * تحويل العجز إلى بطولة: بفضل سعيد، لم يعد العربي مطالباً بأن يتفوق على الغرب علمياً لكي يشعر بالكرامة؛ يكفي أن "يفكك خطاب الغرب" ويثبت أنه خطاب "عنصري" لكي يشعر بانتصار وهمي. لقد استبدل سعيد "المختبر" بـ "المكتبة"، و"الاختراع" بـ "الجدل اللغوي". * اغتيال "المستقبل" لحساب "التمثيلات": انشغل العقل العربي المعاصر بـ "كيف يرانا الآخر" لدرجة أن نسي "كيف نرى أنفسنا" و"ماذا نريد أن نكون". أصبح الجهد الفكري العربي منصباً على ردود الفعل (Apologetics)؛ الدفاع عن الإسلام، الدفاع عن العروبة، الدفاع عن التراث، بدلاً من "البناء" في هذه المجالات. إدوارد سعيد جعل من "الرد على الغرب" غاية في حد ذاته، بدلاً من أن يكون "تجاوز الغرب" هو الهدف.
رابعاً: النتيجة المادية.. شرقٌ غارق في الدماء وشمالٌ غارق في العلوم
بعد قرابة نصف قرن من "الاستشراق"، أين أصبح الشرق الذي دافع عنه سعيد؟ وأين أصبح الغرب الذي هاجمه؟ * الشرق: غارق في حروب أهلية، استبداد سياسي، بطالة، جهل، وتطرف ديني (داعش والقاعدة هي المنتج الطبيعي للعقل الذي يرفض "الآخر" ويرى فيه شيطاناً مستشرقاً). * الغرب: رغم كل أزماته، لا يزال هو القبلة العلمية، والملجأ الحقوقي، والمصدر الوحيد للتكنولوجيا والمعرفة التي يستخدمها "أعداؤه" لشتمه. إدوارد سعيد لم ينقذ الشرق، بل منحه "موت الرحمة" الفكري. لقد علمه كيف ينام ملء جفونه عن نقائصه، ملقياً باللوم على "الرسام الغربي" الذي تجرأ ورسم ملامح هذا التخلف. لقد دمر سعيد "الجسور" التي حاول التنويريون الأوائل بناءها مع الحداثة، وترك العقل العربي تائهاً في "صحراء المظلومية"، يندب حظه ويشتم المستشرقين بينما البواخر والطائرات والمعادلات الرياضية الغربية تعبر فوق رأسه نحو المستقبل.
الخلاصة
إن كتاب "الاستشراق" كان "نكبة فكرية" لا تقل أثراً عن النكبات السياسية. لقد كان "السم الحريص" الذي دُسّ في عسل البلاغة الأكاديمية. إن تحرير العقل العربي اليوم لا يبدأ بمزيد من "تفكيك الغرب"، بل يبدأ بـ "تفكيك إدوارد سعيد" نفسه؛ بهدم هذه الشماعة، وبالاعتراف الشجاع بأننا لسنا ضحايا "كلمة" أو "صورة"، بل نحن ضحايا "جمودنا" و"رفضنا للمنهج العلمي" و"هروبنا من مواجهة الذات". لقد آن الأوان لندفن "إرث سعيد المسموم"، ولنخرج من زنزانة "الضحية" إلى رحاب "الفعل الحضاري". الغرب ليس شيطاناً، والشرق ليس ملاكاً؛ الغرب "نجح" لأنه أعمل العقل في المادة، والشرق "فشل" لأنه أعمل العقل في "سبّ الآخر". والحقيقة التي يجب أن تُقال في نهاية هذا الكتاب: إن الاستشراق لم يصنع تخلفنا، بل إن تخلفنا هو من صنع الاستشراق.
خاتمة: نحو استشراق عكسي شجاع
لقد انتهت رحلتنا في تفكيك "أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد". رأينا كيف عاش في رفاهية الغرب ليشتمه، وكيف صمت عن استعمار الشرق ليدين استعمار الغرب، وكيف احتقر المستشرقين الذين أنقذوا تاريخه، وكيف كفر بالمطبعة التي منحته صوته. إن الحل ليس في الانعزال، بل في "الاستغراب" (دراسة الغرب) بعين المحب للتعلم، لا بعين الكاره المتربص. إن طريق النهضة يمر عبر الاعتراف بفضل "الحداثة" كقيم عالمية، وعبر تحطيم "أصنام المظلومية" التي نصبها سعيد في عقولنا. لن ننهض حتى نكف عن سؤال "ماذا فعل الغرب بنا؟" ونبدأ بسؤال "ماذا فعلنا نحن بأنفسنا؟".
#نوفل_قاسمي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل السادس
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الخامس
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الرابع
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الثالث
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الثاني
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الأول
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - مقدمة
المزيد.....
-
رغم مخالفات قانونية ودستورية شابت القضية.. -الاستئناف- تؤيد
...
-
اقتصاديات التكافل: رؤية إسلامية لتعزيز مكانة مصر ضمن القوى ا
...
-
دمشق تؤكد حصول فرار جماعي من مخيم الهول الذي كان يؤوي عائلات
...
-
الاحتلال يعتقل 18 فلسطينيا من الضفة ويهدم مباني بسلفيت وجنين
...
-
الفاتيكان يؤكد زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر بين
...
-
حذف العبارات الدينية من سيارات نقل الأموات بالمغرب يثير جدلا
...
-
كيف وجدت أميركا نفسها إلى جانب الإخوان في اليمن؟
-
الجامع الكبير بصنعاء.. روحانية رمضان تعانق عبق التاريخ
-
مصر.. قرار حكومي بإنشاء كلية للقرآن الكريم بطلب من شيخ الأزه
...
-
جامع الجزائر.. قبلة للصلاة والدروس الدينية ومعلم سياحي
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|