أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نوفل قاسمي - أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الأول















المزيد.....

أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الأول


نوفل قاسمي

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 19:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هذا هو الفصل الأول من كتاب "أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد" وهو متوفر (للقراءة والتحميل) بصيغة بي دي أف على الرابط التالي:
https://www.atramenta.net/m/lire/157116031575158416101576-16081606160115751602-157315831608157515851583-1587159316101583/103969



المفارقة الوجودية: نقد الغرب بأدواته



لا يوجد مشهد يختزل الكوميديا السوداء في الفكر المعاصر أكثر من مشهد إدوارد سعيد، الأستاذ ببدلاته الإيطالية الفاخرة، وهو يجلس في مكتبه المريح بجامعة كولومبيا في قلب مانهاتن، ليكتب عن "قهر الغرب" و"بشاعة الإمبريالية". إنها المفارقة الوجودية التي تضرب جذورها في عمق خطاب ما بعد الاستعمار؛ حيث يتم شتم "المركز" من داخل "المركز"، وبتمويل من "المركز"، وباستخدام أرقى أدوات "المركز" المعرفية. في هذا الفصل، نفكك بنية هذا النفاق المعرفي، ونكشف كيف تحول سعيد إلى "حصان طروادة" أيديولوجي، استخدم حريات الغرب ومناهجه ليغتال الحقيقة الغربية نفسها.



أولاً: عش الرفاهية.. الثائر في أحضان الإمبراطورية

تبدأ حكاية إدوارد سعيد من تناقض صارخ بين "الهوية المعلنة" و"الواقع المعاش". لقد قدّم سعيد نفسه للعالم كصوت للمحرومين والمستضعفين، لكن سيرته الذاتية تقول شيئاً آخر تماماً. ولد سعيد وفي فمه ملعقة من ذهب، في كنف عائلة فلسطينية ثرية أتقنت اللعبة الغربية قبل أن يتقنها هو. انتقل من مدارس القدس والقاهرة النخبوية إلى أرقى قلاع التعليم في الولايات المتحدة. لم يعرف سعيد يوماً شظف العيش في مخيم، ولم يقف في طابور خبز في حارة شرقية، بل تنقل بين ردهات "برنستون" و"هارارفر"، حيث صُقلت عقليته وفق أدق المعايير الأنجلوسكسونية.

إن المفارقة هنا ليست في ثرائه الشخصي، بل في كونه ثمرة شرعية للمؤسسة التي كرس حياته لشيطنتها. لقد احتضنه الغرب، ليس كلاجئ بائس، بل كعقل واعد، وفتح له أبواب أعرق الجامعات التي لا يدخلها إلا "الصفوة". ومن هذا "العش المخملي" في نيويورك وواشنطن، بدأ سعيد ينسج خيوط اتهامه للغرب بأنه كيان "إقصائي" و"عنصري".

كيف يمكن لعقل يحترم المنطق أن يقبل اتهام منظومة بالانغلاق وهي التي منحته أعلى منصاتها ليعبر عن رأيه؟ إن رفاهية سعيد لم تكن مادية فحسب، بل كانت رفاهية "أمان"؛ فالرجل الذي اتهم الغرب بمحاولة السيطرة على الشرق عبر "الكلمة والصورة"، كان هو نفسه يسيطر على المنابر الثقافية العالمية بكلمته وصورته، مستفيداً من آلة الدعاية الغربية التي زعم أنها "تُشيطن" أمثاله. لقد كان سعيد "المستشرق العكسي" الأكبر؛ إذ استهلك خيرات الغرب المادية والروحية، ثم استدار ليعض اليد التي علمته كيف يكتب النقد.



ثانياً: سرقة المناهج.. التفكيك كخيانة عظمى

النقطة الأكثر إثارة للازدراء في منهجية سعيد هي "التبعية المعرفية" التي حاول إخفاءها خلف ستار من البلاغة العربية. لقد اتهم سعيد الغرب بأنه فرض قوالبه المعرفية على الشرق، لكنه حين أراد أن يبني أطروحته، لم يجد في التراث الشرقي، لا عند ابن تيمية ولا الغزالي ولا ابن خلدون، أداة واحدة تسعفه في "تفكيك" خطاب الغرب.

لقد ارتمى سعيد في أحضان "ميشيل فوكو" و"أنطونيو غرامشي". استعار مفهوم "السلطة والمعرفة" من فوكو، ومفهوم "الهيمنة" من غرامشي، ليضرب بهما العقلانية الغربية. وهنا يبرز السؤال الوجودي: هل كان لإدوارد سعيد أن يحقق أي اختراق فكري لو كتب بمنهج "الأصول" أو "الفقه" أو "الكلام"؟

الإجابة القاطعة هي: لا. لقد نجح سعيد لأن الغرب "سمح له" بالنجاح عبر أدوات الغرب نفسه. لقد "سرق" المنهج التفكيكي الفرنسي الذي صُمم أصلاً لنقد الذات الأوروبية، وحوّله إلى سلاح "هوياتي" لخدمة أجندة شرقية عاطفية. هذا هو قمة "النفاق المعرفي"؛ أن تحتقر العقل الغربي وتصفه بالتآمر، بينما أنت عاجز عن صياغة جملة نقدية واحدة دون العودة إلى قواميس الفلاسفة الغربيين.

إن لجوء سعيد لفوكو ودريدا هو اعتراف ضمني بهزيمة العقل الشرقي. فإذا كان الشرق يمتلك تلك العظمة والحقيقة التي يزعم سعيد أن الغرب شوهها، فلماذا لم يستخرج منها أدواته النقدية؟ لماذا يذهب "المثقف الثوري" إلى باريس ولندن ليستورد أدوات الهدم؟ الحقيقة أن سعيد لم يكن يدافع عن الشرق، بل كان يمارس "الاستعلاء الغربي" في أبهى صوره ضد الشرق نفسه؛ فلقد خاطب الغربيين بلغتهم وفلسفتهم، تاركاً للشرقيين فتات العواطف ونظريات المؤامرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع حضاري.



ثالثاً: الحرية التي خانها.. التسامح كمنصة للهجوم

في الوقت الذي كان فيه إدوارد سعيد يلقي محاضراته في كولومبيا، وينشر مقالاته في "نيويورك تايمز" و"الغارديان"، منتقداً السياسات الإمبريالية ومتهماً العقل الغربي بالفساد، كان الشرق الذي يدافع عنه يرسف في أغلال أبشع أنواع القمع الفكري والسياسي.

لقد استغل سعيد "قيم التسامح" الغربية أبشع استغلال. الغرب، في لحظة نقد ذاتي متطرفة، سمح لهذا المثقف أن يشتم أركان حضارته وهو جالس على كراسيها العلمية. لم يُعتقل سعيد، لم تُصادر كتبه، لم يُكفّر، ولم يُنفَ من بلده "الجديد". بل على العكس، نال الجوائز والحظوة والتقدير.

بالمقابل، دعونا نتخيل "إدوارد سعيد عكسياً" في أي عاصمة عربية أو إسلامية في السبعينيات أو الثمانينيات. تخيل باحثاً يحاول نقد "التمركز حول الذات الإسلامية" أو يفكك "خطاب الفتوحات" بنفس الطريقة التي فكك بها سعيد "الاستشراق". ماذا سيكون مصيره؟ السجن، أو الاغتيال، أو التكفير، أو في أحسن الأحوال النفي ليعيش في… الغرب!

لقد خان سعيد قيمة "الحرية" حين استعملها كطريق ذي اتجاه واحد. انتقد "الرقابة" الغربية المتخيلة على صور الشرق، بينما صمت صمتاً مطبقاً عن الرقابة الحقيقية، والجلادين الحقيقيين، والمقصلة التي كانت تحصد رؤوس المبدعين في الشرق. هذا النفاق الأخلاقي هو ما جعل من "الاستشراق" كتاباً وظيفياً؛ فهو لم يهدف لتحرير العقل، بل لهجاء "الآخر" الذي منحه الحرية.

لقد جعل سعيد من الغرب "شيطاناً" لأنه تجرأ على دراسة الشرق وتصنيفه، بينما تناسى أن هذا الشيطان هو من علمه معنى "النقد"، وهو من أعطاه الحماية ليكون "معارضاً". إنها عقلية "الناكر للجميل" الذي يسكن في القصر ويشتم صاحب القصر، مستغلاً نبل صاحب القصر الذي يرفض طرده إيماناً بحرية التعبير.



رابعاً: سيكولوجية "المثقف اللقيط"

يمكننا وصف حالة سعيد بأنها حالة "المثقف اللقيط" الذي ينتمي بيولوجياً للشرق وعقلياً للغرب، لكنه يرفض الاعتراف بهذا النسب المزدوج. إنه يعاني من "انفصام حضاري"؛ فهو يكره في الغرب "قوته" ويعشق فيه "أدواته". هذه الازدواجية هي التي ولدت نظرية المؤامرة في كتابه.

لقد أوهم سعيد القارئ الشرقي أن كل مستشرق، من "رينان" إلى "بيرنارد لويس"، ليس إلا "جاسوساً" أو "ممهداً للاستعمار". وبهذا، لم يغتل سعيد العلم فحسب، بل اغتال "الأمانة المعرفية". لقد صور الرحالة واللغويين الذين قضوا أعمارهم في فيافي الشرق ليفكوا رموز لغة منسية أو يجمعوا مخطوطاً نادراً، كأنهم طليعة لجيوش الغزو.

هذا التشويه المتعمد للدوافع المعرفية الغربية كان يهدف لشيء واحد: عزل الشرق عن المنهج العلمي. فإذا كان العلم الغربي "تآمرياً" بطبعه، فالنتيجة المنطقية هي رفضه والتقوقع داخل "الخصوصية الثقافية" الخربة. وهكذا، وبدلاً من أن يدفع سعيد الشرق للحاق بركب الحداثة، أعطاه المبرر الأخلاقي للبقاء في دهاليز التخلف، معتبراً أن العلم الغربي "نجس" استعمارياً.



الخلاصة

إن الفصل الأول من حياة وفكر إدوارد سعيد يكشف لنا عن "خديعة القرن". رجل يعيش في أرقى مستويات الحضارة الغربية، يستخدم أرقى مناهج الحداثة الغربية، ويتمتع بأعلى سقوف الحرية الغربية، لكي يقنع العالم بأن هذه الحضارة "شريرة" وفاسدة وتؤطر الآخرين بظلم.

لقد كان سعيد "نتاجاً غريباً" للغرب، لكنه نتاجٌ خان أصله المعرفي. لم يكن بطلاً للشرق، بل كان "مخدراً" له. أعطى الشرق الكلمات المنمقة ليغطي بها عورات تخلفه، وأوهمه أن "الاعتراف بالجميل" للغرب هو نوع من "الاستلاب". وفي النهاية، رحل سعيد في مانهاتن، تاركاً خلفه جيلاً من المثقفين العرب الذين يجيدون شتم الغرب بـ "الفرنسية" و"الإنجليزية"، لكنهم عاجزون عن صنع "إبرة" أو "مطبعة" أو "دستور" يضمن لهم كرامة الإنسان التي وجدها سعيد..في قلب الغرب "الاستعماري".






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - مقدمة


المزيد.....




- أزمة رؤية الهلال: صراع الفقه والسياسة في مواجهة الوحدة الإسل ...
- -شقة إيهود-.. إسرائيل متهمة بإدارة النظام الأمني بمنزل إبستي ...
- السودان.. شكوك حول قدرة البرهان على فك ارتباط الجيش بالإخوان ...
- مكتب إعلام الأسرى الفلسطيني: قوات الاحتلال تعتقل عددا من موظ ...
- تزامن رمضان 2026 مع الصوم الكبير عند المسيحيين -إشارة جيدة- ...
- أهمية العادات والتقاليد الرمضانية الروحية والاجتماعية
- متحدثة البيت الأبيض تعلق على رفض الفاتيكان الانضمام إلى -مجل ...
- مقترح إيراني لإنشاء مركز مالي مشترك لتسهيل الاستثمارات بين ا ...
- عكرمة صبري: 600 حاجز عسكري تعزل الفلسطينيين عن المسجد الأقصى ...
- الأمم المتحدة: الوضع يتدهور في ليبيا على عدة جبهات.. ويجب إج ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نوفل قاسمي - أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الأول