أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نوفل قاسمي - أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - مقدمة














المزيد.....

أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - مقدمة


نوفل قاسمي

الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 00:30
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة: صنم الاستشراق وسيكولوجية الهزيمة

على مدار عقود، ظل كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد يُعامل كأنه "إنجيل" العلمانيين والمؤدلجين في الشرق على حد سواء؛ نصٌّ مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجدارٌ عازلٌ شُيّد ببراعة لغوية فائقة ليحمي العقل العربي والإسلامي من مواجهة مرآة الحقيقة. لقد نجح سعيد، المثقف المتأنق في أروقة جامعة كولومبيا، في صياغة "مظلومية حضارية" عالمية، منح من خلالها العجز الشرقي صك براءة أبدياً، وحوّل "الآخر" الغربي إلى شيطانٍ مريد، متهماً إياه باختراع "شرق متخيل" ليتسنى له استعماره. لكن السؤال الذي يصفعه هذا الكتاب في وجه التاريخ هو: هل كذب الغرب حين وصف الشرق بالتخلف، أم أن الشرق هو من كذب على نفسه حين صدّق أنه ضحية لمؤامرة لغوية؟
إن هذا الكتاب ليس مجرد نقد أدبي، بل هو محاكمة فكرية لظاهرة "النفاق المعرفي" التي جسدها إدوارد سعيد. نحن أمام مفكر استثمر كل أدوات الحداثة الغربية، من فلسفة "ميشيل فوكو" التفكيكية إلى مناهج النقد البنيوي، ليس ليبني جسراً مع الحداثة، بل ليهدم الجسر الذي عبر عليه. لقد اقتات سعيد على فتات الحرية الأكاديمية الغربية ليطعن في شرعية المعرفة التي أنتجتها تلك الحرية، في مفارقة أخلاقية قلّ نظيرها؛ إذ كيف لمن تعلم في "برنستون" و"هارفارد"، وعاش في بحبوحة الليبرالية النيويوركية، أن يرمي الغرب بكل نقيصة، بينما يغض الطرف عن قرون من الجمود والجهل والظلام التي صنعها الشرق لنفسه وبيد أبنائه؟
إن الجريمة الكبرى التي ارتكبها "الاستشراق" السعيدي لم تكن في نقد الاستعمار —فالاستعمار كفعل سياسي وقسري منقود ومرفوض بالبداهة— بل كانت في "تأميم العقل العربي" ومنعه من ممارسة النقد الذاتي. لقد منح سعيد لفقهاء الجمود وسياسيي الاستبداد "شماعة" أيديولوجية ذهبية؛ فمنذ صدور كتابه، أصبح أي حديث عن التخلف العلمي، أو القمع السياسي، أو تآكل القيم الحضارية في الشرق، يُصنف فوراً كـ "خطاب استشراقي" أو "استلاب ثقافي". لقد حوّل سعيد "الحقيقة المادية" إلى "وجهة نظر أيديولوجية"، فأصبح الفقر جهلاً، والجهل خصوصية ثقافية، والخرافة هوية وطنية يجب حمايتها من "الغزو الفكري" الغربي.
لقد غيّب إدوارد سعيد، بنرجسية المثقف المتعالي، حقيقة أن الشرق الذي يتباكى عليه كان غارقاً في سبات عميق لأكثر من ألف عام. كان شرقاً أضاع بوصلة الزمن، وحرّم المطبعة حين كانت المطابع في أوروبا تصوغ ملامح العقل الحديث. وبدلاً من أن يشكر سعيد وأتباعه هؤلاء "المستشرقين" الذين نفضوا الغبار عن الهيروغليفية، وأعادوا بعث بابل وآشور من مرقدها، وحققوا أمهات الكتب العربية التي كانت تأكلها الأرضة في زوايا المساجد المهجورة، قاموا برجمهم بتهمة "التمركز حول الذات". الحقيقة المرة التي يخشاها العقل السعيدي هي أن الغرب كان "أميناً" على تاريخ الشرق أكثر من الشرقيين أنفسهم، الذين دمروا آثارهم بـ "معاول التقديس" تارة، وبـ "إهمال التخلف" تارة أخرى.
إن هذا الكتاب يفضح "الاستعلاء العربي الإسلامي الفارغ" الذي يرى في التوسع الإمبراطوري القديم "فتحاً مبيناً" ونشراً للنور، بينما يرى في التواجد الغربي —الذي جاء بالسكك الحديدية، والمشافي، والجامعات، ومناهج البحث العلمي— "خراباً واحتلالاً". إنها ازدواجية المعايير التي تجعل العقل العربي يحلم ليل نهار باستعادة الأندلس ومواصلة "الاستعمار الاستيطاني" الذي يسميه "فتوحات"، بينما يتباكى على ضياع شبر من الأرض أمام آلة الغرب المتفوقة.
نحن هنا لا ندافع عن الغرب كقوة عسكرية، بل ندافع عن "الحقيقة الكونية". ندافع عن العلم الذي لا يعرف ديناً، وعن المنهج الذي لا يحابي أحداً. إن ادعاء سعيد بأن الغرب "صنع" صورة الشرق هو ادعاء باطل؛ فالشرق هو من صنع واقعه المتردي، والغرب لم يفعل سوى أن "وصفه" بأدواته العلمية. فإذا كانت الصورة قبيحة، فالعيب في الوجه لا في المرآة.
لقد آن الأوان لكسر صنم "إدوارد سعيد"، وتفكيك هذا الخطاب التآمري الذي جعل منا أمة من الضحايا المحترفين، أمة تجيد الندب والنواح على "تمثيلات الآخر"، بينما هي عاجزة عن تمثيل نفسها في مختبرات العلوم أو ميادين الابتكار. إن هذا الكتاب هو دعوة للقطيعة مع "النفاق المعرفي"، واعتراف شجاع بأن ما أعطاه الغرب للشرق من أدوات المعرفة والحرية والكرامة الإنسانية، يفوق بكثير ما قدمه الشرق لنفسه طوال قرون من "الاجترار" و"التبعية للموروث".
سوف نسير في فصول هذا الكتاب لنبين كيف كان سعيد "مستشرقاً عكسياً"، وكيف كانت أفكاره ملوثة بالنزعة الإقصائية التي تدعي المظلومية لتبرر الاستبداد. سنكشف كيف أن "نكران الجميل" الحضاري هو المحرك الأساسي لمدرسة "ما بعد الاستعمار"، وكيف أن الطريق الوحيد للنهضة لا يمر عبر شيطنة الغرب، بل عبر التصالح مع منجزاته، والاعتراف بأننا لولا هذا "الآخر" الذي نلعنه، لربما كنا لا نزال نكتب مخطوطاتنا على جلود الماعز وننتظر إذناً من فقيهٍ ليسمح لنا بفتح مطبعة.
إنه كتاب في "نقد النقد"، وفي كشف الزيف الذي غُلف بعبارات أدبية منمقة ليخفي تحتها جثة عقل شرقي رفض أن يستيقظ، واختار أن يلوم "المنبه" لأنه أيقظه من حلم "الأمجاد الوهمية".






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- مروحيات لجيش الاحتلال تنفذ إنزالات جوية، مع استمرار الاقتحا ...
- جيش الاحتلال يدفع بتعزيزات إضافية لقواته خلال الاقتحام الواس ...
- احتجاجات يهودية في أندورا عقب محاكاة -إعدام- دمية تحمل رموزا ...
- قيادية بالحركة الإسلامية السودانية: الحرب جعلت استمرار الجيش ...
- الاحتلال يمنع -الأوقاف- من تجهيز المسجد الأقصى لاستقبال رمضا ...
- الاحتلال يعتقل أحد أئمة المسجد الأقصى ويستدعي 12 شابا مقدسيا ...
- محافظة القدس: الاحتلال يبعد إمام الأقصى محمد علي العباسي أسب ...
- محافظة القدس: العدو الإسرائيلي أصدر أكثر من 250 قرار إبعاد ع ...
- الاحتلال يعرقل تجهيزات الأوقاف لاستقبال رمضان في المسجد الأق ...
- الاحتلال يمنع الأوقاف الفلسطينية من تجهيز المسجد الأقصى لاست ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نوفل قاسمي - أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - مقدمة