أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نوفل قاسمي - أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الثاني














المزيد.....

أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الثاني


نوفل قاسمي

الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 00:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هذا الفصل الثاني من كتاب "أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد" وهو متوفر (للقراءة والتحميل) على شكل كتاب بي دي أف على الموقع التالي:
https://www.atramenta.net/m/lire/157116031575158416101576-16081606160115751602-157315831608157515851583-1587159316101583/103969

.

 دوغمائية "الاستشراق": عندما يتحول النقد إلى زنزانة أيديولوجية



لم يكن إدوارد سعيد مجرد باحث يحلل النصوص، بل كان "بناءً" لأسوار ذهنية جديدة. إن المفارقة المضحكة المبكية في كتاب "الاستشراق" تكمن في أن صاحبه، الذي قضى مئات الصفحات وهو يندد بما أسماه "الدوغما الاستشراقية" (أي الرؤية الثابتة والجامدة للشرق)، قد سقط في دوغمائية أشد قسوة وأكثر راديكالية. لقد صنع سعيد "أرثوذكسية" فكرية جديدة، لا تسمح بالشك، ولا تقبل المراجعة، وصارت بمثابة "تفتيش عقائدي" يُسلط على رقاب الباحثين والمفكرين.



1. استبدال "الماهوية" بماهوية مضادة

يتهم سعيد المستشرقين بأنهم "ماهويون" (Essentialists)، أي أنهم يحصرون الشرق في "ماهية" ثابتة لا تتغير (الشرقي شهواني، كسول، غامض). لكن سعيد، في نوبة من الدوغمائية العمياء، فعل الشيء ذاته مع الغرب. بالنسبة لسعيد، "الغرب" هو كتلة واحدة صماء، شريرة، متآمرة، ومسكونة برغبة السيطرة منذ هوميروس حتى اليوم.

هذه الرؤية هي قمة الدوغمائية؛ لأنها تلغي التعددية داخل الغرب، وتتجاهل الصراعات الفكرية والمدارس الإنسانية التي انتقدت الاستعمار قبل أن يولد سعيد نفسه. لقد حبس سعيد الغرب في "ماهية" استعمارية أبدية، تماماً كما اتهم المستشرقين بفعل ذلك مع الشرق.



2. "إرهاب الاستشراق" وإخصاء العقل الناقد

أصبحت "الدوغمائية السعيدية" تعمل كشرطي مرور فكري. بمجرد أن يحاول باحث شرقي أن ينقد تراثه، أو يشير إلى زواج القاصرات، أو استبداد الحكام، أو جمود الفكر الديني، تخرج له "الدوغما السعيدية" لتصرخ في وجهه: "أنت مستشرق! أنت تتبنى رؤية المركزية الغربية!".

بهذا المنطق، تحول كتاب "الاستشراق" من أداة للتحرر إلى أداة لـ "إخصاء" النقد الذاتي. لقد منح سعيد الغطاء الأخلاقي لكل متخلف ليظل على تخلفه، ولكل مستبد ليبرر قمع شعبه، بحجة أن أي نقد هو "مؤامرة استشراقية". هل هناك دوغمائية أخطر من تلك التي تمنع المريض من الاعتراف بمرضه بحجة أن "التشخيص" جاء من طبيب أجنبي؟



3. احتكار الحقيقة وسد منافذ المعرفة

تتجلى دوغمائية سعيد في محاولته نزع الشرعية عن أي معرفة ينتجها "الآخر". هو يفترض -بصيغة إيمانية قطعية- أن الغربي لا يمكنه أن يفهم الشرق أبداً، لأن أدواته "ملوثة" بالسلطة. هذا الإنكار للقدرة الإنسانية على الفهم المشترك هو ردة حضارية.

لقد أغلق سعيد منافذ المعرفة، وحول العلم إلى "هوية". بالنسبة له، ليست "الحقيقة" هي المعيار، بل "هوية القائل". إذا قال الغربي إن العرب يعانون من أزمة إنتاج معرفي، فهو "مستشرق مغرض"، أما إذا قال سعيد الشيء نفسه وهو جالس في نيويورك، فهو "مفكر ثوري". هذه الانتقائية ليست علماً، بل هي "لاهوت سياسي" يقدس الذات ويشيطن الآخر.



4. تحويل "الاستشراق" إلى دين علماني

إن الدوغمائية في فكر سعيد حولت أتباعه إلى "دراويش" أيديولوجيين. لقد أصبح كتابه يُقرأ في الجامعات العربية والشرقية ليس كفكر قابل للنقض، بل كـ "وحي" لا يأتيه الباطل. من يجرؤ على نقد سعيد في الأوساط الأكاديمية "ما بعد الكولونيالية" يُرجم بتهمة "العمالة الفكرية".

لقد نجح سعيد في خلق "شرق متخيل" جديد: شرق بريء تماماً، طاهر من الخطايا، لم يعرف الغزو ولا العبودية ولا القهر إلا عندما جاء الرجل الأبيض. هذه الأسطورة الدوغمائية هي التي أدت بنا إلى "سيكولوجية الهزيمة"؛ لأننا بدل أن نواجه أخطاءنا التاريخية، انشغلنا بمطاردة أشباح المستشرقين في بطون الكتب القديمة.



5. النفاق الكامن في الدوغمائية

المفارقة الكبرى هي أن سعيد يمارس هذه الدوغمائية "الشرقاوية" بأدوات "غربية" بحتة. إنه يلعن المركزية الغربية وهو يرتدي بدلاتها، ويدرس في أرقى جامعاتها، ويستخدم فلسفات مفكريها (فوكو، دريدا، غرامشي) ليثبت أن الغرب لا يفهم شيئاً!

هذه الدوغمائية هي التي جعلت من "الاستشراق" نصاً "مخرباً" للبناء؛ لأنه هدم الجسور مع الآخر دون أن يبني طريقاً للذات. لقد علمنا كيف نكره "المرآة" (الغرب) لأنها أظهرت قبح وجوهنا، وأقنعنا دوغمائياً بأن القبح في المرآة لا في وجوهنا.



الخلاصة

إن الأمر الذي يجب أن يفهمه القارئ هو أن "الدوغمائية السعيدية" كانت أخطر علينا من "الاستشراق" نفسه. فالاستشراق قد يخطئ في وصفنا، لكن دوغمائية سعيد منعتنا من محاولة "وصف أنفسنا" بصدق. لقد سجننا في قفص من "القداسة الزائفة" والضحية الدائمة، والحرية الحقيقية تبدأ بكسر هذا القفص السعيدي قبل أي شيء آخر.

.



#نوفل_قاسمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الأول
- أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - مقدمة


المزيد.....




- تشييع خامنئي من النجف العراقية.. كيف احتفظت المدينة الشيعية ...
- شقيقان من نابلس يحرسان إرث صناعة أهلة المساجد ومآذنها في فلس ...
- الناشط الإعلامي الأمريكي جكسون هينكل: خطة أمريكا للإطاحة با ...
- فنيش: لولا دعم الجمهورية الإسلامية ما كانت المقاومة لتحظى به ...
- الحوار أم الردع؟ موريتانيا تعيد تفعيل الحوار مع السجناء السل ...
- موكب تشييع المرشد الأعلى خامنئي ينطلق في شوارع طهران
- حضور محمد مخبر مستشار قائد الثورة الإسلامية في مراسم تشييع ...
- القرى المسيحية جنوب لبنان تفنّد مزاعم نتنياهو وتؤكد تمسكها ب ...
- انطلاق موكب جنازة المرشد الأعلى علي خامنئي في طهران
- رئيس بلدية اللبنانية: مزاعم طلب بلدات مسيحية الانضمام لإسرائ ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نوفل قاسمي - أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الثاني