|
|
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الخامس
نوفل قاسمي
الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 02:53
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
إليكم الفصل الخامس من كتاب "أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد" حيث نواصل الرحلة مع خرافات كتابه "الإستشراق". الكتاب متوفر بصيغة بي دي أف للقراءة والتحميل على الرابط التالي: https://www.atramenta.net/m/lire/157116031575158416101576-16081606160115751602-157315831608157515851583-1587159316101583/103969
الفصل الخامس: المستشرقون هم الأنبياء الحقيقيون لتاريخ الشرق
في عالم إدوارد سعيد، يُصوَّر المستشرق ككائن طفيلي، لصٌّ يرتدي قناع الباحث، وجاسوسٌ يتخفى في ثياب العالم اللغوي، هدفه الوحيد هو "تمثيل" الشرق بطريقة تخدم بوارج الاستعمار. لكن، بعيداً عن ضجيج الأيديولوجيا، وبنظرة فاحصة إلى المنجز المادي، يبرز سؤالٌ حارق: أين كان "الشرق" قبل أن يضع المستشرقون أيديهم عليه؟ الحقيقة التي يرتعد منها أتباع سعيد هي أن الشرق كان يعيش حالة من "الزهايمر الحضاري" الكامل؛ كان يمشى فوق كنوز لا يعرفها، ويتحدث لغاتٍ لا يدرك أصولها، ويحتقر آثاراً اعتبرها "أصناماً" أو "حجارة صماء". في هذا الفصل، نثبت أن المستشرقين لم يكونوا أدوات هيمنة، بل كانوا الأنبياء الحقيقيين الذين بعثوا تاريخ الشرق من مرقده، وأنقذوا ذاكرته من الضياع الأبدي.
أولاً: من أنقذ التاريخ؟ معجزة فك الرموز وإحياء الموتى
لقد أقام إدوارد سعيد الدنيا لأن المستشرقين وضعوا الشرق في "قوالب" دراسية، لكنه تجاهل أن هؤلاء "المستشرقين" هم من منحوا الشرقيين القدرة على قراءة تاريخهم أصلاً. لآلاف السنين، كانت حضارات بابل، آشور، سومر، ومصر القديمة مجرد أساطير غامضة أو خرائب لا تنطق. * شامبليون وحجر رشيد: عندما توصل "جان فرانسوا شامبليون" إلى فك رموز الهيروغليفية، لم يكن يمارس "سيطرة إمبريالية"، بل كان يمارس "تحريراً معرفياً". لقد أعاد للمصريين (وللعالم) سبعة آلاف سنة من التاريخ كانت قد شُطبت تماماً من الذاكرة الجمعية لأهل مصر الذين كانوا ينظرون للمعابد كـ "بيوت للأشباح" أو مقالع للحجارة يبنون بها بيوتهم الطينية. * رولنسون واللغة المسمارية: في بلاد الرافدين، لولا جهود "هنري رولنسون" وغيره في فك الخط المسماري، لظلت ملحمة "جلجامش" وشريعة "حمورابي" مجرد نقوش طينية لا قيمة لها. الشرق لم يكن يعرف عن حمورابي شيئاً، وكان يظن أن تاريخه يبدأ من لحظة وصول "السيوف العربية". الغرب هو من علّم العراقي أنه وريث أول حضارة في التاريخ، وهو من علّم السوري عظمة "إيبلا" و"أوغاريت". * الفجوة المعرفية: بينما كان علماء الغرب يغامرون بحياتهم في الصحاري والأوبئة للبحث عن أثر، كان "علماء" الشرق منشغلين في تفسير أحلام السلاطين أو كتابة حواشي على حواشي الكتب الصفراء. إن ادعاء سعيد بأن هذا الجهد هو "تشويه" للشرق هو قمة الصفاقة؛ فكيف يُشوّه من "يُحيي"؟ هل كان الشرق يفضل البقاء جاهلاً بأصوله لكي لا يقع في فخ "التمثيل الغربي"؟
ثانياً: المخطوط والتحقيق.. الأمانة الغربية مقابل الإهمال الشرقي
نقطة أخرى تثير غيظ القوميين والإسلامويين الذين يقتاتون على أفكار سعيد، وهي حقيقة أن "التراث الإسلامي" نفسه، الذي يتفاخرون به، مدين بوجوده اليوم للمطابع والمكتبات والعلماء الغربيين. * مكتبات برلين ولندن وباريس: هذه المؤسسات التي يصفها سعيد بأنها "خزائن الاستعمار"، هي في الواقع "سفن نوح" التي حملت التراث العربي والإسلامي من الغرق. في الوقت الذي كانت فيه المخطوطات في القاهرة ودمشق وإسطنبول تتعرض للتلف بسبب الرطوبة، أو تُسرق لتباع كأوراق تغليف، أو تضيع في الحرائق والحروب الأهلية، كانت مكتبة برلين الوطنية والمتحف البريطاني يعاملان هذه الأوراق بقدسية علمية لا تتوفر في بلدانها الأصلية. * فن التحقيق: المستشرقون مثل "ليفي بروفنسال"، "شاخت"، "بروكلمان"، و"نيكلسون" هم من وضعوا المناهج العلمية لتحقيق المخطوطات. هم من أخرجوا "مقدمة ابن خلدون" و"تاريخ الطبري" و"كتب الفلسفة" من ظلمات المخطوطات المغبرة إلى نور الكتاب المطبوع المحقق. لولا المطابع الغربية والمستشرقين، لربما اندثر نصف التراث العربي الذي يسبّ به العرب الغرب اليوم. * التحقير الشرقي للتراث: من المضحك والمبكي أن الكثير من المخطوطات التي اشتراها المستشرقون أو نقلوها، كانت تُباع لهم من قِبَل أهالي المنطقة بأسعار بخسة، لأن هؤلاء الأهالي لم يكونوا يرون فيها إلا "ورقاً عتيقاً". الغرب رأى القيمة حيث رأى الشرق "الخردة". فمن هو "الأمين" هنا؟ ومن هو "اللص"؟
ثالثاً: الأمانة العلمية.. بين "المتحف البريطاني" و"فؤوس داعش"
تعتبر هذه النقطة هي الرد العملي والمادي الأكثر فجاجة على نظريات إدوارد سعيد. فبينما يتباكى سعيد على "نهب" الآثار الشرقية ووضعها في متاحف أوروبا، أثبتت الأيام أن هذا "النهب" كان في الواقع "عملية إنقاذ تاريخية". * الحماية مقابل التدمير: قارن بين تمثال "ثور مجنح" محفوظ في لندن، يُرمم ويُدرس ويُزار من قبل الملايين باحترام، وبين نظيره الذي بقي في الموصل ليقوم الدواعش (وهم أبناء "الشرق الأصيل" غير الملوث بالاستشراق) بتحطيمه بالمطارق وتفجيره بالديناميت. * طالبان وبوذا باميان: عندما فجرت طالبان تماثيل بوذا في أفغانستان، كانت تتبع منطقاً شرقياً "محلياً" يرى في الآثار "رجساً من عمل الشيطان". لولا تدخل المستشرقين والبعثات الغربية في أماكن أخرى، لكان هذا مصير كل أثر حضاري في منطقتنا. * المتحف كمختبر حضاري: المتاحف الغربية لم تكن "أقبية للصوص"، بل كانت مختبرات مفتوحة للوعي الإنساني. إنها المكان الذي يمكن فيه للإنسان (بما في ذلك الشرقي نفسه) أن يرى تسلسل تطور الحضارة البشرية. إن سرقة أثر لحمايته من "الجهل المقدس" ومن "الإهمال التاريخي" هي فعلٌ أخلاقي، حتى وإن سماه سعيد "استعماراً".
رابعاً: الاستشراق كمرآة كاشفة.. لماذا يكرهونه؟
يكره العقل العربي إدوارد سعيد لأنه وفر له "مخرجاً طوارئ" من الحقيقة. الحقيقة هي أن المستشرقين لم يشوهوا صورة الشرق، بل كشفوا عن "قبح الواقع الشرقي" في لحظات معينة، وهذا ما لا يغتفر. * الدقة العلمية: عندما يدرس المستشرق اللغة العربية بصرامة تتفوق على أبنائها، فإنه يُشعرهم بالنقص. عندما يكتب "كارل بروكلمان" تاريخ الأدب العربي في مجلدات ضخمة تعجز عنها المؤسسات العربية مجتمعة، فإنه يضعهم أمام عجزهم. لذا، كان من السهل اتهامه بـ "الاستشراق" بدلاً من الاعتراف بتفوقه المنهجي. * نزع القداسة: المستشرقون تعاملوا مع النص الديني والتاريخي كأدوات علمية خاضعة للنقد، وهو ما يراه العقل الشرقي "جريمة". إدوارد سعيد استغل هذا الشعور الديني الجريح ليصور النقد العلمي كأنه "هجوم صليبي" جديد، بينما هو في الواقع "تنوير" يرفضه من اعتاد العيش في العتمة.
الخلاصة
إن ادعاء إدوارد سعيد بأن المستشرقين صنعوا "شرقاً وهمياً" هو كذبة كبرى. المستشرقون هم من أعادوا للشرق "وعيه بذاته". لولاهم، لكان تاريخ مصر قد توقف عند حدود "العصر القبطي"، وتاريخ العراق عند "الفتح"، وتاريخ الشام عند "الأمويين". المستشرقون كانوا هم "الأنبياء" الذين بشروا بعظمة الشرق في وقت كان فيه الشرق يحتقر نفسه ويغرق في الخرافة. إن "المتحف البريطاني" و"اللوفر" ومكتبات "برلين" هي المعابد الحقيقية التي حُفظ فيها شرف الشرق الحضاري، بينما كانت "فؤوس الجهل" في الداخل تنتظر اللحظة المناسبة لتصفية الحساب مع الماضي. لقد آن الأوان لنتوقف عن ترديد ترهات سعيد، ولنقل بملء الفم: شكراً للمستشرقين. شكراً لمن علمنا كيف نقرأ أسماء أجدادنا، وشكراً لمن حفظ مخطوطاتنا من عفن الرطوبة وعفن العقول. الغرب لم يستعمر تاريخنا، بل استنقذه من براثننا، وهذه هي الحقيقة التي حاول إدوارد سعيد طمسها بحبره المنمق، لكنها بقيت محفورة في حجارة المتاحف التي لا تكذب.
#نوفل_قاسمي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الرابع
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الثالث
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الثاني
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - الفصل الأول
-
أكاذيب ونفاق إدوارد سعيد - مقدمة
المزيد.....
-
25 عاما من النداء.. حكاية صوت يصدح من مآذن الجامع الأموي بدم
...
-
خريطة البرامج الدينية في رمضان 2026
-
فيديو.. تعرَّف على المصلى المرواني بالمسجد الأقصى
-
عاجل | بيان من 20 دولة عربية وإسلامية وأوروبية: ندين بشدة قر
...
-
حرب لم تقهر الروح.. قناديل رمضان في غزة تتوهج وسط الركام
-
التعايشي: الحركة الإسلامية لن تكون جزءا من التسوية بالسودان
...
-
مصادر فلسطينية: 50 ألف مصلٍ أدوا صلاة العشاء في المسجد الأق
...
-
قرقاش يحذر من محاولات -الإخوان- إعادة تنظيم صفوفهم
-
قرقاش يحذر من محاولات الإخوان إعادة تنظيم صفوفهم
-
قائد الثورة الإسلامية يثني على الحضور الواسع للشعب الايراني
...
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|