أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالناصرعليوي العبيدي - عنددما تنقلب الثورة إلى انقلاب














المزيد.....

عنددما تنقلب الثورة إلى انقلاب


عبدالناصرعليوي العبيدي
شاعر وكاتب حاصل على البكالوريوس في الهندسة المدنية

(Nasser Aliwi)


الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 15:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما تنقلب الثورة إلى انقلاب
-------------
ليست الثورة مجرّد هبّة غضبٍ عابرة، ولا فورة احتجاجٍ تُطفئها الأيام، بل هي في مفهومها السياسي والاجتماعي مشروع تغييرٍ شامل، غايته إصلاح البنية المريضة، واقتلاع الفساد من جذوره، وإعادة بناء العقد الأخلاقي بين السلطة والمجتمع على أسس العدل والكرامة والمساءلة.
الثورة وعدٌ أخلاقي قبل أن تكون فعلاً سياسياً، وتعهدٌ بأن لا يعود الاستبداد بوجهٍ آخر، ولا يتقمّص الفساد ثوباً جديداً.
غير أنّ التاريخ قديمه وحديثه يعلّمنا أن الطريق بين الثورة وغاياتها ليس مستقيماً دائماً، وأن المنعطف الأخطر فيها هو لحظة التحوّل الصامت: حين تنقلب الثورة انقلاباً، لا بالدبابات وحدها، بل بالعقول والنيات، وبالتأويل الانتهازي لشعاراتها. هنا لا يُلغى الفساد، بل يُعاد توزيعه؛ لا تُسترد الحقوق، بل تُقايَض؛ ولا تُصان التضحيات، بل تُستثمر.
في هذا المنعطف، تتقدّم قوى مسيطرة لا تحمل من الثورة إلا اسمها، فتسعى إلى المكاسب والمناصب، وتتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة، ومع السلطة باعتبارها صفقة.
تُرفع اللافتات ذاتها، لكن تُفرَّغ من معناها؛ ويُردَّد خطاب الإصلاح، بينما تُترك منظومات الفساد على حالها أو تُضخّ فيها دماءٌ أشدّ شراهة.
ويستغلها اتباع النظام المهزوم بترديد المقولة الماكرة لتبرير الانحراف: «الفاسدون الأوائل شبعوا وخفّ نهمهم، ومن حلّ مكانهم ما زالوا جائعين فلو حافظنا على من شبعوا لكان أفضل لنا».
وكأن الجوع إلى الفساد قدرٌ لا يُقاوَم، وكأن الدولة حقل صيدٍ يتناوب عليه الصيّادون.
بهذا المنطق، يتحوّل السباق إلى الزمن نفسه: من ينهب أسرع، ومن يُحكم قبضته أقوى، ومن يسبق إلى الامتيازات قبل أن يُغلق الباب. وتغيب الأسئلة الكبرى: أين الإصلاح؟ أين العدالة؟ أين المحاسبة؟ بل تُستبدل بسؤال واحدٍ فظّ: من معنا ومن علينا؟ فتُقاس الكفاءة بالولاء، وتُقاس الوطنية بالتصفيق، ويُختزل الدم المسفوك في سُلّم ترقية.
وعند إسقاط هذا المشهد على الواقع السوري، تتجلّى المأساة بوضوحٍ أشدّ إيلاماً. فقد خرج السوريون على نظامٍ مجرمٍ فاسدٍ، صادر الدولة وحوّلها إلى مزرعة، وأدار البلاد بمنطق العصابة لا بمنطق القانون. كان الهدف واضحاً: إسقاط الاستبداد وبناء دولة الحق. غير أنّ المأساة لم تقف عند حدّ النظام المخلوع؛ إذ تسلّق على الثورة من تسلّق، وتكاثر حولها من امتهنوا المراوغة والتكويع، فبدّلوا البوصلة، وضيّقوا الأفق، وحوّلوا بعض ساحاتها إلى مسارح نفوذ.
هؤلاء لم يأتوا لإزالة الفساد، بل لإعادة تدويره. لم يحملوا مشروع دولة، بل مشروع حصة. وحين أُتيح لهم موقعٌ أو نفوذ، أعادوا إنتاج الأساليب ذاتها التي ثار الناس عليها: إقصاء، محسوبية، تبرير للانتهاكات، وتسويغ للفشل بلغة المظلومية. وهكذا، بدا وكأن الثورة في بعض تجلياتها تُختطف مرتين: مرةً بقمع النظام، ومرةً بابتذال من ادّعوا تمثيلها.
إن الثورة التي لا تُنقّي ذاتها، ولا تُقيم ميزان القيم قبل ميزان القوى، مهددةٌ بأن تنقلب انقلاباً ناعماً، يبدّل الوجوه ويُبقي الجوهر. والنجاة من هذا المصير لا تكون بالشعارات، بل ببناء مؤسسات، وتكريس الشفافية، وتقديم العدالة على الغنيمة، والحق على الصفقة. فالثورة إمّا أن تكون إصلاحاً شاملاً يقتلع الفساد، أو تتحوّل إن خانتها النخب إلى فصلٍ جديدٍ من كتاب الاستبداد.
وما بين هذين الحدّين، يقف الشعب في سوريا شاهداً على حقيقةٍ لا تقبل التزييف: أن الثورة ليست ضدّ شخصٍ أو نظامٍ فحسب، بل ضدّ ثقافةٍ كاملة.
وأن إسقاط الطغيان لا يكتمل إلا بإسقاط منطقه.
-----

عبدالناصر عليوي العبيدي



#عبدالناصرعليوي_العبيدي (هاشتاغ)       Nasser_Aliwi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شعلة المصباح
- كلاب بلا انياب
- قسد تلتفّ على اتفاقية آذار وتسير على خطى بشّار
- الساحل السوري بين التحريض الطائفي والتخبّط الحكومي
- قدر الهوى
- رؤى عينيك
- ظلال على جدار الروح
- الفرق بين السلطة والسلطة
- المقامة الأدبية في الحداثة الشعرية
- ميلاد الضحى
- شراع بلا قصيدة
- الى شاعر الخصيتين
- حلب بعد المصائب والنوب
- مراكب الحنين
- الحزم وتطبيق القانون: دعامة الأمن وبوابة الاستقرار
- المقامة الطنبورية
- تراتيل في عينيك
- البرغوث والكلاب
- أطباق الكرامة
- أيها العرب لا تكونوا راعي بني نُمير… فترون العجب!


المزيد.....




- السعودية.. عبدالرحمن أبومالح ينفي وجود خلافات: أغادر -ثمانية ...
- فيديو منسوب لـ-اشتباك حرس الرئيس المصري خلال قمة إفريقية في ...
- تقارير تتحدث عن زيارات -سرية- لرئيسَي -الشاباك- و-الموساد- ا ...
- قرصنة على سواحل الصومال: بحارة مصريون يستغيثون لتحريرهم بعد ...
- الوكالة الأوروبية للصحة تنفي وجود مؤشرات بشأن تحور سلالة الأ ...
- الولايات المتحدة - الصين : مواجهة العملاقين لقيادة العالم
- أسطول الصمود يبحر غدًا من تركيا نحو غزة
- قمة ترمب وشي.. من الحرب التجارية إلى صفقات الاضطرار
- سارمات.. شيطان موسكو -الأقوى في العالم- يكسر قيود التسلح الن ...
- إطلاق نار وفوضى داخل مجلس الشيوخ الفلبيني


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالناصرعليوي العبيدي - عنددما تنقلب الثورة إلى انقلاب