أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سوسن زنگنة - وما زلت ....














المزيد.....

وما زلت ....


سوسن زنگنة

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 08:29
المحور: الادب والفن
    


تلك الطفلة التي تملك كل شيء لكنها غير سعيدة! كان الحُزن يسكن في أعماقي... الصمت كان قد علم شفاهي الكسل، لم أكن أحب الطعام، إلا القليل جداً من فاكهة أحبها، وصحن صغير من حساء لا أحد يمكنه اعداده مثلها ..
تلك التي كانت تندب حظها مع كل غروب للشمس، وكنت أخبئ وجهي تحت (الفوطة) التي لا تتخلى عنها حتى في ساعات نومها !!
كنت أخرج رأسي الصغير كقطة أليفة، كأنني أعبي عيني
بذرات من ذاك المشهد الذي أورثني الحزن ما حييت ..
حزن جميل أعتدت عليه، منحني الأتزان حتى نلت رضا كل عجائز العشيرة !!
ذاك اليوم ... داهمتني نظراته وهو يهم بمساعدتي على وضع فنجان القهوة التي ما كنت قد تعلمت ضبط اعدادها بعد !!
بقيت ارقب تعابير وجهه علها توشي برأيه فيها .. ذاك الفطن الذي كان شريك أبي في تجارة السجاد ...
ابتسم فأبتسمت لأبتسامته... قال لي...
أطيب فنجان قهوة ارتشفتها في حياتي .. وغمزّ لأبي بطرف عينه ..!
لملمت طرف ثوبي الذي أكد أبي مراراً وتكراراً على جدتي؛ أن تخيط لي سروالاً قصيراً ارتديه تحته ..
تلك الليلة التي لا أعرف لماذا فجأة وبلا مقدمات صرت أدفن رأسي تحت الوسادة، استعيد نظراته وصوته، احتوي كل وجوده في رأسي، أفرده كقطعة قماش وافصلها على طريقة جدتي ... اتمتم القياسات مثلما تتمتم، وأرمي جسده بنظرات فاحصة كما تفعلها معي عندما تخيط لي سروالا يشبه سروالها الفضفاض...
عندما كانت تكشف عن ساقي قبل أن تدسها في فم السروال، كانت تلح في قراءة المعوذات التي افلحت هي وحدها بجعلي احفظها على ظهر قلب !!
آه ... يا ذاك الذي صار يعشعش في رأسي ....
صرت أجري إلى فتح الباب في أيام أعرف موعد مجيئه إلى بيتنا، لمحاسبة أبي الذي نادراً ما كان يستقبل أحد أصدقائه في بيتنا !!
كانت سنين عمري الستّة عشر تسمح لي أن اجلس معهما في غرفة الضيوف... يبتسم أبي لي ابتسامة عجيب، كيف كانت تشبعني احساساً بالأمان افتقد إليه كثيراً ...
ابتسامة أبي .. لو تسنى لكل حراس الدنيا حراستي لعجزوا عن منحي قطرة احساس بالأمان مثلها !
صرت أكتب اسمه على رحلتي وعلى كتبي ودفاتر.. صرت أحب صوت شريك أبي، وأعد الساعات أمني النفس بنظرة.
غرستني في قاع الصمت والحزن أكثر مما فعله اليتم بيَّ ...
ذاك الصباح لم أذهب إلى المدرسة .. ووجدتني اخطو باتجاه محل أبي ...
ما أن وطأت قدمي سوق الشورجة حتى أصبت بنوبة عطاس، صرت احتال على منديلي الذي طرزته بيدي، أن يستوعب كمية الرذاذ المتطاير من كل ذرات وجهي ..
حتى دمعات عيني... هي الأخرى خذلتني، أن تحالفت مع أنفي الذي لم يستوعب روائح البهار الهارب من دكاكين العطارين...
وصلت حد محل أبي وأنا بحالٍ يرثى له .. صرت أدير وجهي عنهما عندما تقدم أبي نحوي، وصار يلملم خصلات الشعر المتناثر على جبيني، ويحجب عنه نظرات عيوني .
قدم لي شريك أبي قدح ماء، غسل لي أبي وجهي بما تبقى منه ...
صرت أخجل من معاملة أبي لي كطفلة! مسحت وجهي بكم قميصي قبل أن ينشغلا عني بتلبية طلب تاجر رحبا به أشد ترحيب ..
كانا يحسنان عقد صفقة بيع سجاد بالجملة ... أعجبت كثيراً بطريقة تعاملهما التي نالت استحسان ذاك التاجر، الذي مازح أبي في نهاية المطاف، أن اكون ضمن شحنة السجاد ...!!!
كان شريك أبي يعد النقود عندما تقدم أبي نحوي ليقبلني، وهو يدير وجهه للتجار قائلاً (هذه كل ثروتي)!
تمنيت أن يكرر أبي العبارة أكثر من مرة على مسامع شريكه هذه المرة !!
سألني أبي أن كنت أريد شيئاً قبل عودتنا الى البيت ..
قلت له أريد هذه السجادة .. اشرت على شريكه، ثم بحركة مشاكسة بطرف اصبعي اشرت على أجمل سجادة، طلب أبي من شريكه أن يجلبها معه في المرة القادمة ...!



#سوسن_زنگنة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يا ...من ...كنت ...صاحبي!!
- طباشير...
- الهروب
- لا تحزني..!!
- آخر المشوار...
- مخالب الذاكرة
- اعتراف...


المزيد.....




- بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة ...
- أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي ...
- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...
- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...
- -الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال ...
- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سوسن زنگنة - وما زلت ....