أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلمان النقاش - العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 قراءة في البنية وإمكانية الإصلاح















المزيد.....

العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 قراءة في البنية وإمكانية الإصلاح


سلمان النقاش

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 18:55
المحور: المجتمع المدني
    


سجل العراق 28 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الذي تطلقه سنويا منظمة الشفافية الدولية، وهي نتيجة تعكس مستوى فاعلية الدولة في ضبط المال العام، وتنظيم السلطة، وتطبيق القواعد القانونية، ضمن بيئة إدارة تخضع لتوازنات سياسية واقتصادية معقدة، ما يجعل هذا الرقم مدخلا لفهم طريقة عمل النظام العام أكثر من كونه رقما إحصائيا مجردا.
ويعد مؤشر مدركات الفساد أحد أبرز الأدوات الدولية المعتمدة في تقييم بيئات النزاهة، إذ يصدر عن منظمة الشفافية الدولية بالاعتماد على تجميع وتحليل بيانات صادرة عن مؤسسات بحثية واقتصادية وقانونية مستقلة، ويعتمد على تقييمات خبراء وممارسين في مجالات الحوكمة والاستثمار والإدارة العامة، ما يمنحه درجة عالية من الموثوقية في رصد الاتجاهات العامة لأداء الدول، ويجعل نتائجه تعبيرا عن مسارات طويلة الأمد أكثر من كونها انعكاسا لتحولات ظرفية.
ويستند المؤشر سنويا إلى مجموعة من المقاييس المستمدة من مصادر دولية متخصصة، يتراوح عددها عادة بين ثمانية وثلاثة عشر مقياسا وفق توافر البيانات لكل دولة، وتمثل هذه المقاييس تقارير قائمة بذاتها بمنهجيات مختلفة، تُعنى بقياس سيادة القانون، واستقلال القضاء، وشفافية الإدارة، ونزاهة التعاقدات العامة، ومناخ الاستثمار، وفاعلية الرقابة المالية، وتعتمد دقة النتيجة النهائية على عدد هذه المقاييس وتنوّعها، إذ كلما ارتفع عدد المصادر المستخدمة، وتعددت زوايا التقييم، ازدادت قدرة المؤشر على تقديم صورة أكثر توازنا عن البيئة المؤسسية.
وتحتسب درجة العراق عادة استنادا إلى عدد محدود نسبيا من المقاييس، بسبب ضعف انتظام قواعد البيانات، ومحدودية الوصول إلى المعلومات، وتراجع إنتاج الدراسات المستقلة المنتظمة في مجالات الحوكمة والرقابة، ويؤدي غياب بعض المقاييس إلى آثار مباشرة، تتمثل في تقييد فرص الشراكات الدولية، وارتفاع كلفة التمويل، واضعاف الموقف التفاوضي للدولة، وتقليص الضغط الخارجي المنظم على المؤسسات، ما يفتح المجال لعودة الادارة إلى مناطق آمنة من المساءلة.

الاقتصاد الريعي ودورة المال المغلقة
يرتبط هذا الواقع البنيوي في العراق ببنية الاقتصاد الريعي القائم على استخراج النفط، حيث تدار الموارد عبر الموازنة العامة نحو الانفاق الجاري، ولا سيما الرواتب والتحويلات، ثم تتجه إلى الاستيراد، فتتشكل دورة مالية مغلقة تربط مراكز القوى بحركة المال العام، وتحد من فرص الشفافية التنافسية.
ويظهر أثر هذا النمط في هيكل الموازنة العامة، وتركيز الصرف على بنود محددة، مقابل محدودية الاستثمار الانتاجي وآليات التقييم، وهو ما يفسر استمرار مستويات العجز المالي رغم العوائد النفطية الكبيرة.
وتنتج عن هذه الدورة منظومة مصالح مستقرة، تمارس تأثيرها على القرارات الادارية، وعلى توزيع العقود، وعلى أولويات الانفاق، بما يجعل كثيرا من الملفات الحساسة خاضعة لمنطق التوازنات لا لمنطق القواعد، ما يعمق الفجوة بين التشريع والتطبيق، ويبقي درجة المؤشر ضمن مستويات متدنية.

الدستور بين النص والتوازنات
وتتسع هذه الفجوة كلما اشتدّ التنافس حول مجالات النفوذ داخل منظومة الحكم، بما يؤثر على انتظام تنفيذ القوانين وحدود تفعيلها العملي، رغم ما يتضمنه الإطار القانوني العراقي من نصوص متقدمة في مجال النزاهة والرقابة والمساءلة.
لا يكمن التحدي في مستوى التشريع من حيث الصياغة أو الاهداف، بل في طبيعة البيئة التي يطبق ضمنها، وما تشهده من تقاطعات مصالح، كما ان التحولات الاجتماعية والاقتصادية المستمرة تفرض حاجة دائمة إلى مراجعة القوانين وتطوير أدوات تنفيذها.
وتؤكد المعايير الدولية لمكافحة الفساد أهمية المواءمة المستمرة بين جودة التشريع وكفاءة التطبيق، وهو ما تظهره تجربة العراق منذ دخوله ضمن تصنيفات المؤشر، حيث ارتبط بطء التحسن بدرجة أكبر بحدود التنفيذ المرتبط بتوازنات ومصالح مراكز القوى داخل منظومة الحكم.
وفي ضوء هذه المعطيات، وما أظهره التقرير الثاني لبرنامج متابعة محاكمات قضايا الفساد الكبرى للمدة 2023 الى 2024 من مؤشرات رقمية وتحليلية، يمكن رصد ثلاث نقاط مفصلية عالية الخطورة في بنية مكافحة الفساد الراهنة، الاولى استمرار التكييف القانوني المخفف للملفات الكبرى، الثانية ضعف تحويل الادانة إلى استرداد فعلي للأموال، والثالثة هشاشة الضمانات الاجرائية في بعض مراحل التحقيق، وهذه النقاط اذا استمرت دون معالجة جذرية لا تضعف المؤشر الدولي فحسب، بل تهدد بتحويل منظومة النزاهة نفسها إلى إطار اداري بلا اثر رادع حقيقي.
ويجد هذا التحليل ما يدعمه في تقرير المجتمع المدني حول تنفيذ اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد، والذي أكد ان المشكلة الجوهرية في العراق ليست في غياب القوانين، بل في ضعف التنفيذ، وتقييد الشفافية، وتهميش الدور الرقابي للمجتمع المدني.

الفيدرالية أداة رقابة دستورية
ضمن هذا السياق تطور النظام السياسي بعد عام 2003 بوصفه إطارا لإدارة التعددية، ثم تحول تدريجيا إلى نمط حكم قائم على التوافق المستمر، حيث توزع المواقع وفق معادلات تفاوضية، وتربط الملفات الكبرى بتفاهمات مراكز القوى، ما يقلص قدرة الجهات الرقابية على العمل المستقل ويضعف انتظام المساءلة.
ويؤدي هذا النمط إلى إعادة إنتاج النخب داخل البنية نفسها، حتى في ظل الانتخابات الدورية، اذ لا تترجم النتائج بصورة منتظمة إلى تحولات في السياسات العامة، فتفقد العملية الديمقراطية دورها الرقابي الحقيقي.
ولم يغفل الدستور العراقي لعام 2005 احتمالات تباين الارادات داخل النظام الاتحادي، فأسس إطارا دستوريا يتيح تطوير آليات رقابة شرعية، ويمنح المواطنين في كل وحدة ادارية قدرة اوسع على تقييم الاداء.
غير ان توزيع الصلاحيات دون منظومات ضبط ومساءلة فعالة لا ينتج بيئة أعلى نزاهة تلقائيا، بل يتطلب تفعيل الرقابة المحلية وربط الانفاق بالنتائج وتعزيز الشفافية.
ويتيح التفعيل الكامل للفيدرالية وفق النص الدستوري توزيعاً أكثر توازنا للسلطة والموارد، وتمكينا حقيقيا للإدارات المحلية، وربط القرار بالخدمة، والانفاق بالنتيجة، بما يسمح بتكوين نماذج ادارية متباينة داخل الدولة الواحدة.
وفي ظل هذا التعدد تنشأ بيئة تنافسية بين المحافظات والاقاليم في مجالات الادارة والخدمات والاستثمار والحوكمة، وتتحول النزاهة من التزام قانوني إلى عنصر تنافسي في جذب الموارد والثقة العامة، وتتراجع تدريجيا انماط الاستئثار المركزي.
وتسهم هذه الديناميكية في تعاظم مبادئ الشفافية والمساءلة داخل كل وحدة ادارية، بوصفها شروطا للاستمرار في المنافسة، لا مجرد التزامات شكلية، ما يفتح مسارا واقعيا لتحسين موقع العراق في المؤشرات الدولية.
وتظهر درجة العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة والمال والمؤسسات في مرحلتها الراهنة، كما تكشف في الوقت نفسه عن حجم الامكانات غير المستثمرة داخل النظام الدستوري القائم.
ويظل تحسين هذه النتيجة مرهونا بتحويل الفيدرالية من نص معطل إلى ممارسة، ومن توزيع صلاحيات إلى منظومة مساءلة، ومن إدارة توازنات إلى إدارة اداء، بحيث تتحول بحيث تتحول مؤشرات النزاهة من ارقام سنوية متكررة إلى معيار حقيقي لقياس اداء الدولة، ومسارا اصلاحيا مستقرا، يستعيد ثقة المجتمع والدولة معا.



#سلمان_النقاش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشرق الأوسط كما يُعاد صياغته: حين تتراجع القيم وتتقدّم إراد ...
- قراءة في المعلن وأخرى للظل عشية الانتخابات
- القاعدة والاستثناء في مكافحة الفساد
- النزاهة والفساد في عصر الذكاء
- الأعتذار فعل نضالي
- الديمقراطية .. الحكومة .. الفساد
- الطائفية الوجه السياسي للدين
- ديمقراطية ..ام مجتمع مدني
- الواقعية الديمقراطية
- صباح النزاهة
- الماكنة الديمقراطية
- ازمة حكم لا ازمة حكومة
- عقدة الاشتباك السياسي الحتمية
- المحاولة الاخيرة
- البحث عن ثورة
- حتمية البناء الديمقراطي
- احمد عبد الحسين
- الكفاءة ...الضرورة والادعاء
- الواقعية السياسية
- وطنية الصائح المفرطة


المزيد.....




- العراق يُودع الإحداثيات البحرية ويعممها على الدول الأعضاء با ...
- اعتقال أندرو: كل ما تحتاج معرفته عن سقوط الأمير السابق
- العفو الدولية تحذر من 30 عملية إعدام مرتقبة في إيران
- رمضان في غزة.. فقر مدقع وحصار إسرائيلي يثقلان كاهل النازحين ...
- العراق يواصل استقبال العائدين من مخيم “الهول” ضمن خطة لإعادة ...
- تصعيد إسرائيلي واسع في الضفة: اعتقالات واعتداءات للمستوطنين ...
- غزة بعد 4 أشهر من -الهدنة-: حصار خانق وجوع يفتك بالنازحين في ...
- اعتقالات وأعمال شغب في ديربي لشبونة لكرة الصالات
- اقتحامات واعتقالات في الضفة واعتداءات للمستوطنين بالخليل
- العفو الدولية: 30 شخصا يواجهون أحكاما بالإعدام بعد المظاهرات ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلمان النقاش - العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 قراءة في البنية وإمكانية الإصلاح