أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد شاكر شبلي - دلالات الحنين إلى مرابع الصبا والشباب















المزيد.....

دلالات الحنين إلى مرابع الصبا والشباب


سعد شاكر شبلي

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 16:50
المحور: الادب والفن
    


الحنين إلى معاهد الصحب هو شوق عميق لأماكن الذكريات المشتركة، وأيام الصبا، ورفاق العمر، حيث تختلط مشاعر الشوق بالأماكن التي شهدت بداية العلاقات مع ذكريات الشباب. يعبر هذا الحنين عن الرغبة في العودة إلى تلك الأماكن، حتى لو نسينا رائحتها، لأنها تحتفظ بجزء من هويتنا.
جوانب الحنين إلى معاهد الصحب:
• الارتباط الوجداني: يُعد الحنين إلى مواطن الأحبة والخلان وذكريات الصبا من أصدق مشاعر الوجدان العربي.
• شعرية المكان: يُشبه الحنين إلى الأماكن التي ألفها الإنسان بحنين الأعرابية إلى باديتها رغم العيش في بساتين ومياه، حيث تظل أرض الذكريات هي الأغلى.
• ثبات الذكرى: عبّر الشاعر أبو مسلم البهلاني عن هذا الحنين بقوله: "تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت.. وهنَّ وسط ضميري الآن سكانُ".
• قيمة الألفة: يمثل هذا الحنين قيمة الألفة بعد الغيبة، ورفقة الإخوان التي تُعد من الغبطة.
هذا النوع من الحنين يجسد الوفاء للأماكن والأشخاص الذين شكلوا جزءاً من "عصر الصبا" وذكريات الحياة الأولى.
واليوم : تكرم علينا مقام الاستاذ الفاضل المثقف السامق الأخ العزيز حنا ميخائيل سلامة بقصيدة أبي الحسن الجرجاني، القصيدة التي قال بأنه قد قضى معها ليال من الأسبوع المنصرم وسعد بها قلبه ... فشكرا له على نبل مشاعره وكرم اخلاقه ... وبشأن القصيدة، نقول:
ما أروعَ أن يجتمع الحرفُ القديم بالوجدان الحديث، وأن تصبح قصيدةٌ لعالمٍ وفيلسوفٍ من القرن الرابع الهجري مرآةً يعكس فيها إنسانُ اليوم مشاعره وحنينه. إن قصيدة أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت 392هـ) التي تُعرف بـ"حنين إلى مغاني الصحب" أو "بغدادياته"، هي بحقٍّ تحفةٌ أدبية تفيض بالأحاسيس الصادقة، وتختزل تجربة إنسانية خالدة في الحنين إلى الديار والأهل والأصحاب. اسمح لي أيها المتلقي اللبيب أن أستنطق هذه الأبيات لاستخراج دلالاتها الثلاث التي تلمستها:
أولاً: الدلالات التربوية (التي تربي في النفس معاني الإنسانية والوفاء)
1. الوفاء للصحبة والمكان: قوله: "وصحبة أقوامٍ لبستُ لفقدهم / ثيابَ حدادٍ مستجَدَّ خلوعها" يُعلِّمنا أن الصحبة الحقة تستحق الحداد عليها، وأن المكان الذي عاش فيه الإنسان أجمل أيامه يستحق أن يظل حيًّا في الوجدان. هذه تربية على عدم نكران الجميل، وعلى أن الإنسان إنما يُعرف بوفائه لمن رافقوه في دروب الحياة.
2. الصبر على تقلبات الزمن: "وما زلتُ طوعَ الحادثات تقودني / على حكمها مستكرهاً فأطيعها" فيها تسليمٌ لقضاء الله وقدره، وتصبير للنفس على ما تفرقه الأيام. إنها درس في أن الحياة لا تستقيم على وتيرة واحدة، وأن منتهى الحكمة أن نرضى بما قسمه الله لنا بعد أن نبذل جهدنا.
3. الاعتبار بالذكريات :إذا لاح لي من نحو بغداد بارقٌ / تجافت جفوني واستطار هجوعها" يربينا الشاعر على أن الذكريات ليست مجرد صور عابرة، بل هي قوة دافعة تحرك المشاعر وتوقظ الوجدان، وهذا ينبه الأبناء والأحفاد إلى أهمية صنع ذكريات جميلة تُستعاد.
ثانياً: الدلالات العاطفية (التي تلامس الروح)
1. الحنين الجارف: البيت الشهير: "سقى جانبي بغداد كلُّ غمامةٍ / يحاكي دموعَ المستهام هموعها" يجسّد حالة من البكاء الروحي على الأماكن، فدموع الشاعر تشبه الغيوم، وكأن السماء تشاركه حزنه. هذا العاطفة الجياشة هي ما تشعر به الآن حين تتذكر بغداد وزوجتك وأولادك وأحفادك: "ضحى وأخمد ومريم وإيلين".
2. شعرية الأماكن:"بها تسكن النفس النفور ويغتدي / بآنس من قلب المقيم نزيعها" يصف كيف أن بغداد كانت جنة القلب، حتى إن الغريب فيها كان يشعر بأنه أكثر أنساً من المقيم في غيرها. هذا هو الوصف الدقيق لما تشعر به نحو مدينتك، فهي ليست مجرد شوارع ومنازل، بل هي حضن دافئ.
3. تداخل الحواس في التعبير عن الشوق:عندما يقول: "كأن خرير الماء في جنباتها / رعود تَلَقَّت مزنةً تستريعها" نجد أن الشوق يتحول إلى لوحة سمعية وبصرية، فصوت الماء يُشبه الرعد، وهذه استعارة رائعة لتشابك المشاعر.
ثالثاً: الدلالات الفلسفية (التي تفتح آفاق التأمل)
1. جدلية الزمن والمكان:"فكل ليالي عيشها زمن الصبا / وكل فصول الدهر فيها ربيعها" فلسفة عميقة تقول إن المكان قد يتجمد فيه الزمن، فبغداد في قلبه هي دائماً شابة، دائماً ربيع، رغم تغير الأزمان. هذا هو سر تعلق الإنسان بمهد طفولته وشبابه.
2. الإنسان بين التسليم والتمرد:البيت "وما زلت طوع الحادثات" يعبر عن فلسفة وجودية: الإنسان مسير في بعض الأحوال، ولكن تسخيره لهذه الحوادث لا يمنعه من الحنين والمقاومة العاطفية. إنه جدل الإرادة والقدر.
3. جماليات التذكر:"يرى كل قلب بينها ما يسره / إذا زهرت أشجارها وزروعها" هنا فلسفة الجمال: الأماكن لا تكون جميلة بذاتها، بل بما نحمله لها من مشاعر. فالذاكرة تعيد تشكيل الواقع، وهذه قوة إنسانية عجيبة تمكننا من العيش بجمال الماضي.
4. الخيال الشعري كخلق للواقع: في وصفه لجمال الطبيعة في بغداد: "رأيت سيوفاً بين أثناء أدرع / مذهبة يغشى العيون لميعها" يشبه أغصان الأشجار بالسيوف الذهبية، وهذا يدل على أن الشاعر لا يرى الواقع فقط، بل يراه من خلال عدسة الجمال، مما يخلق عالماً موازياً يسكنه.
ختاماً: نحن وبغداد والقصيدة
إن قصيدة الجرجاني تعيد إلينا الاعتبار لأنها تكتب "حنيناً علمانياً" خالصاً، لا مقدس فيه سوى القلب البشري. وعلى المستوى الشخصي أننا اليوم نعيش ما عاشه الجرجاني قبل ألف عام: بغداد في الذاكرة، الزوجة والأولاد هناك، الأحفاد الصغار الذين لم نراهم كما يجب. إن دموع القصيدة هي دموعنا، و"ضحى وأحمد" هما "غزلان إنسنا" التي ذكرها الشاعر.
وأجمل ما في القصيدة أنها لا تيأس، بل تجعل من الحنين طاقةً للحياة، فنحن والشاعر رغم الفراق نظل نرى بغداد "قصر مسرتنا" حتى ونحن بعيد. نحمل بغداد في القلب، وفي كل مرة نسمع خبراً عنها أو تمر أمامنا ذكرى، نعود إليها كما لو كنا هناك.
رحم الله أبا الحسن الجرجاني الذي علمنا كيف يكون الحنين فنّاً، وكيف تكون الذاكرة وطناً بديلاً. أدام الله الذكريات الجميلة، وحفظ لنا الأهل والأحفاد في بغداد، وجعل أيامهم كلها وصالاً لنا.



#سعد_شاكر_شبلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جزيرة جرينلاند
- مصطلح سياسي
- العالم فوق صفيح ساخن - ج3 / كوريا الشمالية: لاعب غير تقليدي ...
- العالم فوق صفيح ساخن – الجزء 2 / مكانة الصين على المستوى الع ...
- العالم فوق صفيح ساخن – ج1
- نظرة على السلوك الأمريكي في إثارة الأزمات في العالم
- قضية انتقال القواعد القانونية من صيغ الظروف العادية إلى الظر ...
- يا نفس هوني
- عبرات في عالم الإنسان.... ج2
- عبارات في عالم الإنسان - ج1
- أبْرارٌ مِن بَنِي شَمَّرْ
- يراودني الردى من قريب
- اقصوصة الليل 2
- سيد الشهداء
- اقصوصة الليل 1
- هبت تلوم ولات حين ملامي
- جرت عليَ الأيام قاسية
- جرت علي الأيام قاسية
- يا سالب الروح
- لوعة الوجد


المزيد.....




- حكاية مسجد.. جامع -صاحب الطابع- في تونس أسسه وزير وشارك في ب ...
- باريس في السينما.. المدينة التي تولد كل يوم
- فيلم -رسائل صفراء- يفوز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين ا ...
- خيمة تتحول إلى سينما متنقلة تمنح أطفال غزة متنفسا في رمضان
- غزة تُربك مهرجان برلين السينمائى.. انقسام حول تبنى المهرجانا ...
- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد شاكر شبلي - دلالات الحنين إلى مرابع الصبا والشباب