أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد جميل حمودي - حلم روج آفا: التداخل الديموغرافي واستحالة الخصوصية السياسية- الحسكة نموذجًا في ضوء التجربة الإثيوبية














المزيد.....

حلم روج آفا: التداخل الديموغرافي واستحالة الخصوصية السياسية- الحسكة نموذجًا في ضوء التجربة الإثيوبية


أحمد جميل حمودي

الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 00:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُعدّ محافظة الحسكة من أكثر مناطق سوريا تنوعًا سكانيًا، حيث تتداخل فيها المكونات العربية والكردية والسريانية والآشورية والأرمنية ضمن مدن وقرى متجاورة ارتبطت تاريخيًا بعلاقات اقتصادية واجتماعية مشتركة. ومع تطورات الثورة السورية، والتي كان من تبعاتها ظهور تشكيل قسد، الذي أدى إلى فرض مناطق ذات حضور كردي وخصوصية سياسية أو نوع من الحكم الذاتي، غير أن الواقع الديموغرافي للمحافظة جعل تطبيق هذا الطرح معقّدًا وفتح باب نزاعات جديدة بدل حل المشكلات القائمة. وجاء اتفاق قسد في 20 يناير 2026، وهو الاتفاق الرابع، ليُطرح السؤال المُلِحّ:
هل يمكن أن يكون هناك خصوصية سياسية للكرد في الحسكة في ظل تداخل ديمغرافي معقد لا يشكل فيه الكرد الأكثرية إنما تجمعات لمدن صغيرة للكرد كالدرباسية مثلا؟!
تُظهر دراسة عن التوزع السكاني في محافظة الحسكة لعام 2012 مدى تعقيد هذا الواقع. فالمحافظة تضم نحو 1717 قرية، منها 1161 قرية عربية (حوالي 67.6%) مقابل 453 قرية كردية (نحو 26.4%) فقط، إضافة إلى قرى سريانية وأخرى مختلطة بين المكونات. أي أن ثلثي القرى تقريبًا ذات غالبية عربية، بينما القرى الكردية موزعة في نطاقات متفرقة وليست متصلة جغرافيًا بشكل يسمح بتشكيل إقليم قومي واضح الحدود.
ويزداد التعقيد عند النظر إلى المناطق الإدارية الكبرى. ففي منطقة القامشلي، التي تُعد مركزًا رئيسيًا في النقاش السياسي، تشير الدراسة إلى أن نحو 62% من القرى عربية مقابل 33% كردية فقط، مع وجود قرى سريانية ومختلطة. وحتى في منطقة المالكية (ديريك)، التي تُعد من أبرز مناطق الوجود الكردي، فإن القرى العربية تمثل نحو 50% مقابل 39% كردية، بينما تتوزع النسبة المتبقية بين قرى سريانية ومختلطة.
أما منطقة رأس العين والدرباسية فتُظهر أغلبية عربية تقارب 60% مقابل 34% كردية، فيما تشكل القرى العربية 84% من قرى منطقة الحسكة جنوبًا وشرقًا.
كما أدت الهجرة الداخلية نحو المدن خلال العقود الماضية إلى زيادة اختلاط السكان في القامشلي والحسكة، ما يجعل من الصعب وصف أي مدينة في المنطقة بأنها ذات طابع قومي صافٍ.
وعند النظر إلى كامل الشريط الحدودي السوري شمالًا، يتضح أن المدن السورية التي تضم نسبًا مرتفعة من السكان الأكراد تتركز في ست مدن فقط من أصل نحو مئة مدينة سورية، وهي: المالكية (ديريك)، القامشلي، عامودا، الدرباسية، عين العرب (كوباني)، وعفرين. وتتميّز هذه المدن بعدة سمات جغرافية مهمة:
- كلها ملاصقة للحدود مع تركيا.
- ممتدة على شريط حدودي يصل إلى نحو 900 كيلومتر.
- المسافات بين هذه المدن تصل أحيانًا إلى مئات الكيلومترات.
- وهي مدن متوسطة أو صغيرة الحجم ولا توجد بينها مدينة سورية كبرى تشكل مركزًا اقتصاديًا أو إداريًا وازنًا.
- تفصل بينها مناطق واسعة ذات غالبية عربية أو مختلطة.
هذا الواقع يجعل أي مشروع لقيام كيان سياسي متصل جغرافيًا يواجه مشكلة بنيوية، إذ ستكون هذه المدن أشبه بجزر سكانية منفصلة. ولذلك ظهرت محاولات لربط هذه المناطق عبر السيطرة على مساحات واسعة بين المدن، بهدف:
- وصل المدن المتباعدة جغرافيًا.
- إعطاء عمق جغرافي لكيان طويل وضيق لا يتجاوز عرضه أحيانًا بضعة كيلومترات.
- تأمين موارد اقتصادية وزراعية ونفطية لا تتوفر ضمن المدن نفسها.
لكن هذا المسار يعني إدخال مساحات واسعة ذات أغلبية عربية أو مختلطة ضمن كيان ذي طابع قومي، ما يولد صراعات سكانية بدل بناء الاستقرار. ولهذا بدت فكرة قيام كيان متصل على هذا الشريط الجغرافي شبيهة بمحاولة بناء دولة من مناطق منفصلة لا يجمعها اتصال ديموغرافي متماسك.
وهنا يحضرني التجربة الإثيوبية التي أظهرت مخاطر بناء نظام سياسي قائم على الأقاليم القومية في مجتمع متداخل السكان. فإثيوبيا تضم أكثر من 80 مجموعة عرقية، وقُسمت البلاد منذ التسعينيات إلى أقاليم تمثل قوميات رئيسية، مع منح هذه الأقاليم صلاحيات واسعة وحتى حق الانفصال دستوريًا. غير أن السكان متداخلون جغرافيًا، ولا توجد حدود قومية صافية، ما جعل كل إقليم يخشى خسارة أراضٍ أو نفوذ. وقد ظهر ذلك بوضوح في حرب تيغراي بين 2020 و2022، ثم في تمرد ميليشيات أمهرة لاحقًا بعد خلافات على مناطق متنازع عليها. فبعد انتهاء صراع قومي، نشأ صراع قومي جديد، لأن المشكلة البنيوية في التقسيم لم تُحل.
ما الذي أريد أقوله أن الحالتيْن السورية والإثيوبية أظهرت أن المشكلة ليست في وجود قوميات متعددة، بل في تحويل الهوية القومية إلى أساس للسلطة السياسية في مناطق متداخلة السكان. فعندما تُدار منطقة باسم قومية واحدة، يشعر باقي السكان بأنهم تحت حكم جماعة أخرى، ما يغذي النزاعات بدل حلها.
لذلك فإن الحل الأكثر استقرارًا، من وجهة نظري، يتمثل في:
لامركزية إدارية وتنموية لجميع المناطق، مع ضمان الحقوق الثقافية واللغوية، وإدارة محلية منتخبة تمثل السكان وفق تركيبتهم الفعلية، وليس تحت سلطة قسد أو ما شابه من تسميات قد تنشأ عن حزب العمال الكردستاني نفسه.
باختصار، تنوع المكونات في الحسكة، كما في كثير من مناطق العالم، ليس مشكلة بحد ذاته، بل يصبح مصدر أزمة عندما يُستخدم كأساس لتقسيم سياسي. والتجربة الإثيوبية تؤكد أن الخصوصية السياسية القائمة على القومية في مناطق مختلطة سكانيًا لا تقود إلى الاستقرار، بل إلى سلسلة نزاعات قد تهدد وحدة الدولة نفسها، بينما يبقى الطريق الأكثر أمانًا في بناء نظام عادل يضمن المشاركة المتساوية لجميع المواطنين دون تحويل الهويات القومية إلى حدود سياسية للصراع.
المصادر:
التجمع الوطني للشباب العربي
مكتب الدرسات والبحوث، دراسة التوزع السكاني في محافظة الحسكة، 2012.
International Crisis Group – Ethiopia Reports and Briefings
https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/ethiopia
Lovise Aalen – Ethnic Federalism in Ethiopia: The Development of Multiethnic Democracy



#أحمد_جميل_حمودي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانسحاب الأمريكي من سوريا بين إعادة التموضع وبين التخلي عن ...
- روسيا وما تَبقّى من ملفات الهيمنة على سوريا
- تجربة الثقافة السويدية مع جسد المرأة.. يوميات من مشفى ليس اس ...
- شغف ينتهي بالموت..
- الأخوة يعنون أكثر مما نعتقد*
- أسئلة النهضة: الفرد أولاً أم الدولة؟
- السويد والنفاق السياسي والديني لحكم آل سعود
- الدولة والنظام: المواصفات المطابقة
- قراءة حول تطور العلاقات السورية المصرية: الأبعاد الجيو- سياس ...
- ثورة في التعليم أم على التعليم؟!
- -ملالة- والبروميثية الغربية
- هل هناك بوادر حرب طائفية في المنطقة ؟!
- العدالة الانتقالية والربيع العربي
- عقوبة الفئة الصامتة.. من وحي الثورة السورية
- صعود تركيا كقوة إقليمية
- جودة التعليم الجامعي في ماليزيا: دراسة حالة جامعة المالايا
- الربيع العربي: ما الذي يعني بالنسبة لنا؟
- تسمية جمعة -من جهز غازيا فقد غزا- بين تصويب اللغة وشرعية الح ...
- دعوة للحوار حول -مطالب الثورة السورية-
- عام على الثورة السورية.. الحالات الراهنة والمستقبلية


المزيد.....




- هل تنجح الهند في كسر احتكار الكبار للذكاء الاصطناعي؟
- تلك هي تجربتنا مع الأكراد
- زيلينسكي يوافق على هدنة أمريكية ويحذر من ضربات روسية للطاقة ...
- عراقجي إلى جنيف بـ-أفكار عملية-.. ما حدود تنازلات طهران في ا ...
- إعادة 34 أسترالياً إلى مخيم سوري بعد الإفراج عنهم بسبب -سوء ...
- في كرنفال -اثنين الورود- .. رسائل ساخرة تطال بوتين وترامب
- حزب أيرلندي يثير تفاعلا بعد رفضه حضور مناسبة دينية بالبيت ال ...
- مصادر للجزيرة نت: قوات الأمن السوري تقترب من دخول السويداء
- قبيل جولة جنيف.. الخارجية الإيرانية: واشنطن باتت -أكثر واقعي ...
- -هجوم متعمد-.. الرئيس الأذربيجاني يتهم موسكو باستهداف سفارة ...


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد جميل حمودي - حلم روج آفا: التداخل الديموغرافي واستحالة الخصوصية السياسية- الحسكة نموذجًا في ضوء التجربة الإثيوبية