أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أحمد جميل حمودي - الانسحاب الأمريكي من سوريا بين إعادة التموضع وبين التخلي عن النفوذ















المزيد.....

الانسحاب الأمريكي من سوريا بين إعادة التموضع وبين التخلي عن النفوذ


أحمد جميل حمودي

الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 02:37
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


الجغرافيا لا تتحرك، لكن الاستراتيجيات تتحرك فوقها. الولايات المتحدة محاطة بمحيطين (الأطلسي والهادئ)، ولها عمق جغرافي آمن، بينما تقع روسيا في قلب كتلة برية واسعة ذات حدود مفتوحة ومصالح متشابكة مع الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. لذا حين جاء دونالد ترامب لم يأتِ بفلسفة منقطعة عن التاريخ الأمريكي، بل عبّر بوضوح عن تيار قديم في الداخل الأمريكي: تقليل الكُلف الخارجية، وتحميل الحلفاء مسؤوليات أكبر، وربط التدخل بالمصلحة المباشرة.

وفي هذا السياق، يأتي إعلان تسلّم الحكومة السورية الجديدة لقاعدة "التنف" بعد انسحاب القوات الأميركية، ليبدو في ظاهره خطوة واضحة، لكن في عمقه يفتح مساحة واسعة للتأويل. فالمشهد لا يُقرأ فقط بما جرى في التنف، بل بما لم يجرِ في الحسكة. لماذا الانسحاب من موقع استراتيجي على تقاطع ثلاثي حدودي (سوريا والاردن والعراق)، مع الإبقاء على قواعد أميركية في الجزيرة السورية؟ حيث أوضحت مصادر عسكرية سورية على تنسيق مع القوات الأمريكية، للجزيرة نت، أنه لم يتبق قواعد أمريكية في سوريا بعد الانسحاب من التنف سوى قاعدتي قسرك في القامشلي وأخرى قرب رميلان

هنا تُقرأ الاجراءات الامريكية إما على أنه نية لتقليص الدور الامريكي العسكري المباشرفي سوريا أو أنه إعادة لترتيب أولويات الامريكي الميدانية وفق حسابات أدق. وهنا الفارق بين الاحتمالين ليس لغويًا، بل استراتيجي. ما أعنيه في الحالة الاولى أن الولايات المتحدة قد قررت بالفعل تقليل وجودها العسكري في سوريا، وربما تقليل تدخلها في العمليات الميدانية اليومية. هذا التفسير يعني نوعًا من الانكفاء أو الانسحاب الجزئي من ساحات القتال المباشر. بينما في الحالة الثانية تعني أن واشنطن لم تتراجع عن نفوذها، بل تعيد توزيع قواتها ووجودها بطريقة أكثر دقة وحسابًا، بحيث تركز على المواقع أو الأهداف الأكثر استراتيجية، وتقلل المخاطر أو التكاليف المباشرة. هنا، لا يكون الهدف الانسحاب، بل إعادة ضبط القوة والموارد لتكون أكثر فاعلية.

من هنا فإن الإبقاء على مواقع في محافظة الحسكة، حيث تنتشر قوات قسد، يفتح باب القراءة السياسية. هل ما زال هناك سقف أميركي غير معلن يحكم شكل التحرك في تلك المنطقة؟ أم أن الأمر يتعلق بترتيبات انتقالية ريثما تتبلور صيغة جديدة للعلاقة بين دمشق وقسد؟ الاحتمالان قائمان، لكن الثابت أن شمال شرق سوريا (الجزيرة) لن يُترك في فراغ سياسي عسكري والذي هو مساوِ للفوضى.

في سياق آخر فإن تحركات قسد باتجاه باريس خلال الأيام الماضية أضافت بُعدًا أوروبيًا إلى المعادلة. فرنسا، التي تحافظ على حضور سياسي وأمني في الملف السوري، لا تنظر إلى الشمال الشرقي بوصفه تفصيلًا عابرًا. ويبدو أنه كان هناك ضغطا فرنسيا غير مباشر على الولايات المتحدة لضمان عدم حدوث تحول مفاجئ يخلّ بالتوازن بين حلفاء امريكا وفرنسا. وهنا يبدو أن التنسيق الغربي في المنطقة لم يتفكك، بل أعاد تموضعه هو الآخر.

بعض التحليلات الأميركية، ومنها ما نُشر في واشنطن بوست، تتداول فكرة اللامركزية الموسعة كخيار واقعي. الطرح لا يتحدث عن تقسيم، بل عن صيغة حكم ذاتي إداري ضمن وحدة الدولة السورية. وهذا يفسره شكل الاجراءات بين حكومة دمشق وقسد، والتي تُترجم في ضوء الاتفاق الاخير الغامض بين حكومة دمشق وقسد، والذي يفسره كل طرف، في مواجهة جمهوره، لتخفيف الضغط عليهم، فبينما يراه أنصار دمشق انتصار لسلطة الدولة يراه انصار قسد أنه تثبيت لسلطة قسد في منطقة الحسكة، باستثناء الاطراف العربية كمنطقة الشدادي.

أما التزامن بين الانسحاب من الداخل السوري وتعزيز الحضور في العراق والأردن، فيكشف بعدًا آخر. فقد لا يفسر كانسحاب فعلي للولايات المتحدة من سوريا بل انتقال تكتيكي إلى بيئة حليفة رسميًا، مما تمنح واشنطن قدرة تدخل سريعة وتخفض مستوى الاحتكاك داخل الأراضي السورية. هنا يبرز التفسير الجيوستراتيجي بوضوح: تقليص التمركز المباشر لا يعني التخلي عن القدرة، بل إعادة توزيعها على خطوط أكثر أمانًا.

الصحافة الأميركية بلورت، بأكثر من طريقة، هذا التباين في القراءة. فمثلا CNN ربطت الخطوة بإعادة ترتيب الأولويات العالمية، في ظل انشغال واشنطن بملفات أكبر. بينما ركزت Fox News على مخاطر الفراغ واحتمال تمدد خصوم الولايات المتحدة. أما The Washington Post فقد تعاملت مع المسألة كمرحلة اختبار لقدرة الحكومة السورية على ضبط الأمن ومنع عودة تنظيم الدولة. وهذه القراءة الأخيرة مهمة للغاية في ظل محاولة حكومة دمشق ملء الفراغ الامريكي في سوريا، وهي التي أمامها تحديات جمة من تحركات فلول الأسد داخليا وخارجيا وملف السويداء المعلق وربما الملف الأخطر خلايا تنظيم الدولة، الذي سيضع حكومة دمشق على المحكّ، وهي التي تلقى ارتياحا من واشنطن طالما اعتبرت- أي حكومة دمشق- لديها الخبرة الكافية لتفكيك خلايا التنظيم. فضلا عن تحدي الملف الاقتصادي، بعد انهيار للاقتصاد، والذي قد يترجم مستقبلا في شكل عدم استقرار سياسي، في ظل تزايد المطالبات من الحاضنة الشعبية لحكومة دمشق في حل مشكلة غلاء المعيشة وتفكيك المخيمات.

وكصورة أكبر للمنطقة (قراءة مكبّرة)، فإن الشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا لم يعد كما كان في تسعينيات القرن الماضي. الطاقة لم تعد ورقة الضغط نفسها، والاهتمام الاستراتيجي تحوّل نحو منافسة الصين واحتواء روسيا. لكن هذا لا يعني ذلك أن المنطقة فقدت قيمتها بل إنها أصبحت ساحة لتثبيت توازنات دون تورط عسكري واسع.

وما يحدث من انسحابات أمريكية ليس بعيدا عن إيران، فإعادة التموضع الامريكي يفسر بقدرة الولايات المتحدة على إشهار ورقة تنظيم الدولة متى شاءت في وجه حكومة العراق، طالما أرادت هذه الاخيرة المزيد من التحالف مع ايران. أي أن الأمريكي يريد تفكيك ورقة التحالفات بين ايران ودول المنطقة، والورقة العراقية من الاوراق الصعبة التي تمتلكها ايران بالطبع.

ضمن هذا السياق، يمكن النظر إلى الانسحاب كاختبار مزدوج: اختبار لقدرة دمشق على إدارة الأمن، واختبار لمدى قابلية شمال شرق سوريا (الجزيرة السورية) للاندماج في صيغة سياسية مستقرة. إذا نجح المسار، يصبح الانكفاء الأميركي أكثر ديمومة. وإذا تعثر، تبقى أدوات العودة جاهزة.

إعادة التموضع الأمريكي إذن لا تعني انسحاباً بقدر ما تعني إعادة توزيع للقوة. هي قراءة جيواستراتيجية لموازين القوى، ومحاولة لتقليل الكلفة وتعظيم المكاسب. قد يبدو المشهد أحياناً وكأن أمريكا تبتعد، لكنها في الواقع تعيد رسم خطوط نفوذها بطريقة أقل صخباً وأكثر براغماتية.

وقد عبّر عن هذه القراءة لقاء مكي، الباحث الأول في قناة الجزيرة، في لقاءه على قناة الاخبارية السورية، حيث اعتبر أن ما يجري ليس تراجعاً أمريكياً، بل انتقال مدروس من الوجود العسكري الثقيل إلى إدارة توازنات من الخارج، بما ينسجم مع أولويات أوسع في النظام الدولي.



#أحمد_جميل_حمودي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روسيا وما تَبقّى من ملفات الهيمنة على سوريا
- تجربة الثقافة السويدية مع جسد المرأة.. يوميات من مشفى ليس اس ...
- شغف ينتهي بالموت..
- الأخوة يعنون أكثر مما نعتقد*
- أسئلة النهضة: الفرد أولاً أم الدولة؟
- السويد والنفاق السياسي والديني لحكم آل سعود
- الدولة والنظام: المواصفات المطابقة
- قراءة حول تطور العلاقات السورية المصرية: الأبعاد الجيو- سياس ...
- ثورة في التعليم أم على التعليم؟!
- -ملالة- والبروميثية الغربية
- هل هناك بوادر حرب طائفية في المنطقة ؟!
- العدالة الانتقالية والربيع العربي
- عقوبة الفئة الصامتة.. من وحي الثورة السورية
- صعود تركيا كقوة إقليمية
- جودة التعليم الجامعي في ماليزيا: دراسة حالة جامعة المالايا
- الربيع العربي: ما الذي يعني بالنسبة لنا؟
- تسمية جمعة -من جهز غازيا فقد غزا- بين تصويب اللغة وشرعية الح ...
- دعوة للحوار حول -مطالب الثورة السورية-
- عام على الثورة السورية.. الحالات الراهنة والمستقبلية
- عيد يبحث عن وردة


المزيد.....




- لماذا نجح نظام العمل لأربعة أيام أسبوعياً في هولندا، وهل يمك ...
- أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد خطة ترامب لضم غرينلاند وتص ...
- انقطاع التدفئة عن 1600 مبنى في كييف مع تصاعد الضربات المتباد ...
- مؤتمر ميونخ للأمن.. 4 خلاصات ترسم ملامح عالم جديد
- واشنطن وطهران.. تقاطع مسارات التهديد العسكري ورهانات التفاوض ...
- تداعيات ملفات إبستين في فرنسا.. تحقيقات قضائية بتورط مواطنين ...
- الزعيم كيم يفتتح حيا سكنيا لعائلات الجنود القتلى في روسيا
- ما هو سم ضفدع السهام السامة الذي يُزعم أنه استخدم لقتل أليكس ...
- ماهي لاجون غارد المتهمة في مقتل شاب يميني في جنوب فرنسا؟
- أحدث مقترحات طهران قبل محادثات مع واشنطن


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أحمد جميل حمودي - الانسحاب الأمريكي من سوريا بين إعادة التموضع وبين التخلي عن النفوذ